الدرس في كتاب الصلاة 37، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
صلاة الكسوف سنة مؤكدة، وأصح ما ورد في صفتها ركعتان في كل ركعة ركوعان. يتناول أيضًا آراء أهل العلم في حكم هذه الصلاة واختلافهم في وجوبها أو استحبابها.
صلاة الكسوف سنة مستحبة وليست واجبة، ويستحب عند الكسوف الدعاء والذكر والتصدق. ينبغي للمسلمين عند الكسوف أن يذكروا الله ويستغفروه حتى ينجلي الكسوف.
الكسوف والخسوف يحدثان وفق حساب دقيق من الله، ولا ينفي ذلك كونهما تخويفًا للعباد من الفساد. المؤمن يزداد يقينًا بأن الله يخوف عباده باختلاف نظام الكون.
لم يرد عن النبي أو الصحابة ما يدل على القياس الموسع الذي اتبعه بعض العلماء. تم الاكتفاء بخلاصة ما يذكر في هذا الباب.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. قال رحمه الله تعالى: باب صلاة الكسوفين، أي هذا مدخل لمعرفة أحكام صلاة الكسوفين. والكسوفين من باب التغليب لكسوف الشمس والقمر، وإلا فالأفصح أن يقال: كسوف الشمس وخسوف القمر. كسوف الشمس وخسوف القمر، ولكن يجوز كذلك؛ لأن التنكير والتذكير مجازي، وكذلك لأنه سمع عن العرب، ولأنه -ثالثًا- من باب التغليب. فيقال: العمرين، ويقال: القمرين، ويقال: النيرين، ونحو ذلك، فهو من باب التغليب، وهذا جائز في اللغة. قال: هي سنة، وأصح ما ورد في صفتها: ركعتان، في كل ركعة ركوعان. وورد: ثلاثة وأربعة وخمسة، يقرأ بين كل ركوعين. وورد: في كل ركعة ركوع. قال: وندب الدعاء والتكبير والتصدق والاستغفار. هذه ثلاثة مسائل جعلها رحمه الله تعالى في باب صلاة الكسوفين؛ يعني كسوف الشمس والقمر. أول هذه المسائل حكم هذه الصلاة، فقد اختلف أهل العلم فيها. فمنهم من ذهب إلى وجوب هذه الصلاة، ومنهم من ذهب إلى الاستحباب. وظاهر الأدلة تدل على الاستحباب، والله تعالى أعلم. وقد أورد رحمه الله تعالى في شرحه ما يدل على ذلك، فقال رحمه الله تعالى: إنه لا دليل صحيح صريح يدل على وجوبها. وإنما فعله النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وفعله يدل على الاستحباب؛ مجرد الفعل يدل على الاستحباب. وأستدل من قال بالوجوب بما جاء ببعض الألفاظ: أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أمر بأن يفزع إلى الصلاة. ولكن أجاب من قال بعدم الوجوب: بأن الأمر بالفزع إلى الصلاة كان مقترنًا بذكر الله، بذكر الله وقراءة القرآن، كما سيأتي معنا في بعض الروايات. وهذا يدل ويؤكد أن الأمر أمر استحباب، لا أمر وجوب؛ لأنه قرن بما ليس بواجب. وأما المسألة الثانية، ففي صفتي هذه الصلاة. ولهذا أورد رحمه الله تعالى، وقال: وأصح ما ورد في صفتها: ركعتان؛ لأنه ورد فيها صفات كثيرة، واختلف أهل العلم. فمنهم من قال بجواز هذه الصفات جميعًا، ومنهم من رجح بعضها. وأصح ذلك ما ذكره المؤلف رحمه الله وابتدأ به؛ لأن ذلك أصح ما روي، وهو ما جاء في حديث عائشة رضي الله عنها في الصحيحين. وقد جاء ببعض الألفاظ في صحيح مسلم أنها على خلاف هذا الأصح. والأصح: ركعتان، في كل ركعة ركوعان، كما ذكر رحمه الله. وورد: ثلاثة ركوعات، وأربعة وخمسة، وكل هذا ضعيف. وورد: في كل ركعة ركوع واحد، وهذا كذلك ضعيف؛ لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لم يصح عنه أنه صلى الكسوف إلا مرة واحدة، فثبت أنه لم يصل هذه الصلاة إلا بكيفية واحدة. وأصح هذه الكيفيات هو ما جاء في الصحيحين في حديث عائشة: ركعتان، في كل ركعة ركوعان. فما جاء في صحيح مسلم، أو جاء خارج الصحيحين مما يخالف ذلك، فهو شاذ في قول المحققين من أهل العلم. ويكفي في ذلك حجة وبيان ما سبق من أنه لم يثبت أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم صلى صلاة الكسوف إلا مرة واحدة. قال: وندب الدعاء والتكبير والتصدق والاستغفار. كذلك يندب؛ وذلك لما جاء عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في الصحيحين: «فإذا رأيتم ذلك فادعوا الله وكبروا وتصدقوا وصلوا». وهو في الصحيحين، كما أشار بالشرح. وكذلك جاء في حديث أبي موسى: «فإذا رأيتم شيئًا من ذلك تفزعوا إلى ذكر الله ودعائه واستغفاره». وهو كذلك في الصحيحين. وهكذا كذلك بحديث المغيرة: «فإذا رأيتموهما فادعوا الله وصلوا حتى ينجلي». وهذه الأحاديث الثلاثة تدل على استحباب هذا الفعل، وهو ذكر الله حتى ينجلي؛ ذكر الله حتى ينجلي. إذن الصلاة إما أن تستمر حتى ينجلي إذا طاق الناس ذلك، أو كان الوقت قصيرًا، أو أن الناس ولو انتهت الصلاة فيستمرون في ذكر الله؛ إما بقراءة القرآن، أو التسبيح والتهليل، وغير ذلك من أنواع الذكر. وبه نعرف أن ما ورد من أمر بالصلاة ليس هو للوجوب على الصحيح، بل هو للاستحباب؛ لأنه قرن بغيره من الأفعال الأخرى التي تدل أن ذلك الأمر للاستحباب. وأخيرًا: منبه إلى أن هذه الصلاة كما قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في خطبته؛ فإنه خطب ويستحب الخطبة بعدها الصلاة. خطب في خطبته وبيّن: «أنهما آيتان من آيات الله، لا ينكسفان لموت أحد ولا لحياته، ولكن يخوف الله بهما عباده». يخوف الله بهما عباده. والناس بهذا طرفان: وسط من الناس من يستدل بالحركة الفلكية على الحوادث الأرضية، وهذا من فعل المنجمين. يمين ومن كان بمعنى هؤلاء، وهو خطأ، وهو نوع من الشرك. لو لم يكن أكبر فهو أصغر؛ من اعتقد أن شيئًا يدبر الكون غير الله جل وعلا، فقد وقع في الشرك الأكبر. أو اعتقد أنه يعلم الغيب، وأن أحدًا يستطيع أن يعلم الغيب، فكذلك هذا من الشرك والكفر. والله جل وعلا يقول: ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكُ اللهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ﴾. والله جل وعلا يقول: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ﴾. ويقول سبحانه: ﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللهُ﴾. وهكذا قوم آخرون في طرف آخر، وهم من العقلانيين، ومن كان بمعنى هؤلاء من اللادينيين الذين يزعمون أن هذه ما هي إلا عبارة عن أحداث فلكية لا علاقة لها بشيء من الدين. ويزعمون أن ما يفعله المسلمون هو الشبيه بالقرابين. وهذا بالحقيقة لو قالوه أو أقروه على وجه الاعتقاد كان كفرًا، كان كفرًا والعياذ بالله؛ لأنه تكذيب لحديث رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. فقد قال الصادق المصدوق عليه الصلاة والسلام: «أنهما آيتان يخوف الله بهما عباده». ولا مانع أن يوافق هذا التخويف حساب الحساب؛ فحساب الحساب هو من قدر الله، وهو من علم الله سبحانه وتعالى. فالله جل وعلا يعلم أنه في الوقت الفلاني وبالسنة الفلانية سيكثر الفساد، فكان من عظيم قدرته في خلقه سبحانه أن وقت وقوع الكسوف على هذا الوقت الذي يوافق التخويف للعباد عند ظهور الفساد. فكونه يسير على نظام معين وعلى حساب معين، وأن بعض الناس يطلع بالطرق الحسابية على وقوع ذلك، لا يعني نفي وجود الفساد الذي لأجله جعل الله عز وجل موافقة حصول الكسوف أو الخسوف في ذاك الزمان. هذا أمر، والأمر الآخر الذي لا يكذبه أحد: أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قد أخبر أن من علامات الساعة كثرة وقوع الخسوف أو الكسوف. وها نحن نرى ذلك علامة وإنذار لكثرة وقوع الفساد، وأن الله عز وجل يخوف عباده باختلاف نظام الكون، بما يكون من تعديل الله عز وجل لهم. وانظروا إلى حال الكسوف والخسوف في هذه الأزمنة المتأخرة وما كان من قبل. فلما كثر الفساد بالأزمنة المتأخرة كثر الإنذار من الله عز وجل. ولا يمنع أن يكون قد علم بالحساب وقوع ذلك، ألا يكون ذلك من تخويف الله عز وجل؟ فلا منافاة بين الأمرين. وكل عاقل متبصر منصف يعلم أنه لا منافاة بين الأمرين أبدًا. بل الله عز وجل على كل شيء قدير. بل هذا إن دل على شيء، دل على عظيم فعل الرب سبحانه وتعالى. فالله جل وعلا من عظمته أنه يعلم ما في الغيب، حتى إنه أتقن نظام الكون على هذا النحو العجيب. ينبغي لهم أن يتعقلوا وينظروا كيف كان من عظيم إتقان الله عز وجل لخلقه وصنعه في مخلوقاته، أن وافق حصول الكسوف والخسوف مع توافق حصول الفساد في الأرض، حتى كانت آيات يخوف الله عز وجل بها عباده. كان لهم الحق لو وقع ذلك على غير سبب يقتضيه، لو وقع الكسوف والخسوف على غير سبب يقتضيه، كان الحق أن يكذبوا أو يجحدوا. لكن لا مجال لذلك. والله جل وعلا قد أوجد من الأسباب الشرعية والكونية ما يصدق هذا المعنى. فالمؤمن لا يزداد بذلك إلا يقينًا وإيمانًا بأن ذلك مما يخوف الله عز وجل بهما عباده. ويكون وصفًا بين أولئك الذين يستدلون بذلك على كشف الغيب، أو يظنون أن غير الله جل وعلا يملك التدبير للكون وأحوال الناس وما يكون للناس. وكذلك مما ينبه عليه: أن الصحيح من أقوال أهل العلم أن صلاة الكسوف والخسوف إنما تكون لكسوف وخسوف الشمس والقمر. وقد قاس بعض أهل العلم عليهما كل ما كان فيه اختلاف من نظام الكون؛ من الزلازل، وكذلك يعني الفيضانات، ونحوها من الأمور الأخرى. والصحيح -والله تعالى أعلم- أنه لا يكون ذلك إلا في خسوف وكسوف الشمس والقمر فقط؛ لأن هذا الذي ورد به الدليل. ولم يرد عن النبي عليه الصلاة والسلام، ولا في شيء صحيح عن الصحابة رضي الله تعالى عنهم، يدل على هذا القياس الذي توسع فيه بعض أهل العلم. وبهذا نكتفي بخلاصة ما يذكر في هذا الباب، والله تعالى أعلم. وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وآله وصحبه وسلم.