الخطبة بعنوان البدع في شهر رجب، ألقاها الشيخ عبدالرحمن بن مرعي العدني
تتناول الخطبة فضل بعثة النبي محمد صلى الله عليه وسلم وتحذيره من المحدثات، ثم تركز على البدع المنتشرة في رجب كصيام أول خميس وقيام أول جمعة وتخصيص الذبائح والأدعية والعمرة، مبينة عدم ثبوت ذلك عن النبي ولا الصحابة ولا السلف الصالح.
يؤكد المقطع أن شهر رجب لا يتميز بعبادات خاصة، وأن صلاة الرغائب والصيام والعمرة فيه بدعة، كما أن الاحتفال بليلة الإسراء والمعراج في السابع والعشرين من رجب بدعة محدثة لم يفعلها النبي ولا الصحابة رغم عظمة الحادثة.
يستعرض المقطع قصة الإسراء والمعراج وتكذيب قريش وتصديق أبي بكر، ثم يبين عدم جواز اتخاذ هذه الليلة عيداً لعدم ثبوت الاحتفال بها عن النبي ولا السلف، واختلاف المؤرخين في تاريخها، وما يصاحب الاحتفالات من بدع وشرك واختلاط.
يؤكد المقطع على ضرورة تعظيم السنن النبوية ورفض البدع والمحدثات، داعياً الله أن يوفق الجميع لما يرضيه، ويختتم بالحمد والصلاة على النبي محمد وآله وصحبه.
موقع دار الحديث بالفيوش يقدم هذه المادة: البدع في شهر رجب، خطبة الجمعة لفضيلة شيخنا العلامة عبد الرحمن بن مرعي العدني رحمه الله تعالى. إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا. من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾. أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. أيها المسلمون، عباد الله: إن من أعظم النعم التي أنعم الله عز وجل بها على عباده أن بعث فيهم نبينا محمدًا صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وأنزل عليه الكتاب. هذه النعمة العظيمة التي أكرم الله عز وجل بها أهل الأرض، فأخرجهم به من الظلمات إلى النور، هداهم به بعد الضلالة، أعزهم به بعد الذلة، أغناهم به بعد العيلة، جعلهم خير الناس وأكرم الناس بعثة نبينا محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وقد كان الناس قبل ذلك في أمس الحاجة إلى بعثته وإلى رسالته، فقد كانوا يعيشون في ظلام دامس، وفي جهل خانق. قد كان الناس قبل بعثة نبينا صلى الله عليه وعلى آله وسلم متفرقين في عباداتهم: منهم من يعبد الأشجار والأحجار، ومنهم من يعبد الشمس والقمر، ومنهم من يعبد الأنبياء والملائكة والصالحين. كانوا ينتهكون الأعراض، ويسفكون الدماء، ويسلبون الأموال، وهكذا كانوا يأكل القوي منهم الضعيف، حتى أذن الله عز وجل ببعثة نبيه محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فنفع الله عز وجل ببعثته، ورفع به الرؤوس، وهدى به من كل شر. قال الله عز وجل مذكرًا لهذه الأمة: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِّنْ أَنفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ﴾. جعله الله عز وجل سراجًا منيرًا، وجعله مبشرًا ونذيرًا، كما قال الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا * وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُّنِيرًا﴾. نعم عباد الله، استنارت الأرض بعد ظلمتها، واعتدلت البشرية بعد حيرتها، ودعا إلى الله عز وجل، وبلغ البلاغ المبين، ونصح لهذه الأمة، وبين لهم دينهم بقوله وبفعله وبإقراره في كل موقف، وفي كل مكان وزمان. نعم عباد الله، فالواجب علينا تجاه هذا النبي الكريم عليه الصلاة والسلام: أن نجله، وأن نقدره، وأن نعزره ونحترمه، وأن نحبه، وأن نتمسك بما بعثه الله عز وجل به. فالله عز وجل أمرنا في كتابه الكريم بموالاته، وأمرنا بالاقتداء بسنته، وأمرنا باتباع أثره، وأمرنا بالأخذ بسنته عليه الصلاة والسلام، وجعل ذلك سببًا للهداية وسببًا للنجاة والسعادة، كما قال الله عز وجل: ﴿مَن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾، وكما قال الله عز وجل: ﴿وَإِن تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا﴾، وكما قال ربنا تبارك وتعالى في كتابه الكريم: ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾. وهكذا النبي الكريم عليه الصلاة والسلام حذر الأمة من البدع والضلالات والخرافات والمحدثات. قال نبينا صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «فإنه من يعش منكم فسيرى اختلافًا كثيرًا، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين، عضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار». وهو القائل عليه الصلاة والسلام: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد»، فهو مردود على صاحبه، لا يقبل الله عز وجل منه عدلًا ولا صرفًا، ولا فرضًا ولا نفلًا. نعم عباد الله، فالله عز وجل لا يعبد بالعوائد، ولا يعبد بالبدع والخرافات، ولا يعبد بالأذواق والاستحسانات، وإنما نعبد الله ونتقرب إليه بما وجدناه في كتاب ربنا، وبما دلنا عليه نبينا محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وللأسف الشديد، فإن كثيرًا من الناس أعرض عن هذه التوجيهات النبوية وهذه التحذيرات النبوية من النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فوقعوا في البدع، وفعلوا الخرافات، وأتوا بالمحدثات. ومن هذه البدع التي انتشرت في قطاع من الناس: البدع التي تحصل في شهر رجب، في هذا الشهر الذي نحن فيه. ما أكثر الناس الذين جعلوا لهذا الشهر مزايا، وجعلوا له خصائص، وجعلوا له ذبائح، وجعلوا له شيئًا من الصيام، وشيئًا من الكرامات والفضائل، وهذا كله لم يثبت عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. فإن من الناس من يعظم أول يوم خميس من شهر رجب، ويعظم أول ليلة جمعة من شهر رجب، فيصومون يوم الخميس، ويقومون ليلة الجمعة من أول شهر، في شهر رجب، من أول جمعة في شهر رجب. وهكذا يخصون هذا الشهر بشيء من الذبائح، وهكذا يخصونه بشيء من الأدعية والأذكار، وهكذا يخصونه بأفضلية العمرة في هذا الشهر الكريم. وهذا كله لم يثبت عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ولم يثبت عن الصحابة رضي الله تعالى عنهم، ولم يثبت عن السلف الصالح. فهذا الشهر ليس له ميزة عن سائر الشهور، ليس له ميزة على سائر الشهور إلا بأن جعله الله عز وجل شهرًا حرامًا، حرم الله عز وجل القتال فيه. هذا الذي خص الله عز وجل به هذا الشهر. أما سائر العبادات وسائر الفضائل والأمور، فليس لهذا الشهر ميزة على ذلك. شهر رجب كسائر الشهور، لم يتعبد نبينا صلى الله عليه وعلى آله وسلم فيه بعبادة من بين الشهور كلها، لا بصوم ولا بصلاة. هذه الصلاة التي يفعلها كثير من الناس في أول ليلة، في أول ليلة جمعة من هذا الشهر، ويسمون هذه الصلاة بصلاة الرغائب، يجتهدون في قيام هذه الليلة، ويدعون في هذه الليلة، ويأتون بالأذكار الكثيرة في هذه الليلة. وهذا لم يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم، بل ورد ذلك في حديث موضوع لا يصح، بل هو باطل، باطل لم يصح عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. فهذا الشهر لا يخص بصلاة، ولا يخص بصيام، ولا يخص بذبيحة، ولا يخص بأذكار، ولا بأدعية، ولا يخص أيضًا بعمرة. فإن من الناس من يعتقد أفضلية العمرة في شهر رجب، وهذا غير صحيح. فإن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لم يعتمر عمرَه كلها، العمرة التي أداها كلها، لم يجعل شيئًا منها في شهر رجب، بل كانت عمر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم كلها في شهر الحج، في أشهر الحج. ورغب النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في العمرة في شهر رمضان، فقال عليه الصلاة والسلام: «عمرة في رمضان كحجة معي، عمرة في رمضان كحجة معي». فنستفيد من ذلك أن أفضل الأوقات لأداء العمرة إنما هو في أشهر الحج، وهكذا في شهر رمضان. فليس لرجب ميزة ولا فضيلة. لهذا لا يجوز تخصيص هذا الشهر الكريم بصلاة، ولا بصيام، ولا بذبيحة، ولا بذكر، ولا بدعاء، لأن هذا لم يكن من هدي النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وكما هو معلوم: خير الهدي هدي محمد عليه الصلاة والسلام. ولو كان خيرًا لسبقنا إليه النبي عليه الصلاة والسلام، ولأرشدنا إليه إما بقوله وإما بفعله. ولو كان خيرًا لفعله أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام، رضي الله تعالى عنهم. لهذا، عباد الله، علينا أن نحذر البدع والفرقات والمحدثات، وعلينا أن نتنبه أن لا نخص هذا الشهر الكريم بشيء، فإنه لم يثبت قط شيء في فضل هذا الشهر، لم يثبت شيء قط عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ولا عن السلف الصالح في تخصيص شهر رجب بفضيلة أو بميزة، كما بين ذلكم العلماء: كشيخ الإسلام ابن تيمية، والعلامة ابن القيم، والحافظ ابن رجب. وهكذا للحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى رسالة بعنوان «تبيين العجب فيما ورد في شهر رجب». هكذا عباد الله، ينبغي على المسلم أن يلزم السنة، وأن يحذر من البدع. وفق الله الجميع لما يحب ويرضى. بسم الله الرحمن الرحيم، والحمد لله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، عباد الله: فمن هذه البدع التي يفعلها كثير من الناس في هذا الشهر، شهر رجب، ما يسمى بالاحتفال بليلة الإسراء والمعراج. فإنه قد جرت عادة كثير من الناس على إقامة الاحتفالات، وعلى إقامة الأعياد والمعارض في هذا الشهر، في ليلة السابع والعشرين من رجب. وللأسف الشديد أن هذه الاحتفالات تبث في المشارق والمغارب بواسطة وسائل الإعلام المرئية والمقروءة والمسموعة. وللأسف الشديد أن كثيرًا من المسؤولين، وبعض الوزراء، وبعض الوجهاء، من يشارك في إقامة مثل هذه الاحتفالات البدعية، بحجة أن هذه الليلة من شهر رجب هي الليلة التي عرج فيها بالنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم إلى السماء، ليلة الإسراء والمعراج. ولا شك أن ليلة الإسراء والمعراج ليلة عظيمة وليلة فضيلة، فقد أنعم الله عز وجل على نبيه صلى الله عليه وعلى آله وسلم بتلكم الليلة، وأنعم على هذه الأمة في تلكم الليلة بأن فرض عليها الصلوات الخمس، في أعلى مكان ممكن أن يصل إليه البشر. نعم عباد الله، قبل التدليل على بدعية هذا الاحتفال، لا بأس أن نشير إلى مكانة هذه الليلة، وإلى عظم هذه النعمة التي أنعم الله عز وجل بها على هذه الأمة، وعلى نبي هذه الأمة في هذه الليلة، ليلة الإسراء والمعراج. الإسراء والمعراج: أسرى ربنا عز وجل بنبيه صلى الله عليه وعلى آله وسلم في جنح الظلام، في هذه الليلة، من مكة إلى بيت المقدس. فنزل النبي صلى الله عليه وسلم، وكان بصحبة جبريل، نزل في مسجد بيت المقدس، وصلى بالأنبياء إمامًا، ليرى الناس فضيلة نبينا صلى الله عليه وعلى آله وسلم على سائر الأنبياء. ثم عرج به في تلك الليلة إلى السماوات، فلا يزال يصعد النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ومعه جبريل عليه السلام، حتى جاوز السماوات السبع، حتى كلمه الله عز وجل وأوحى إليه من وحيه ما شاء، وفرض عليه صلوات الخمس، هي خمس في العمل وخمسون في الأجر والميزان. ثم أدخل أيضًا النبي صلى الله عليه وسلم الجنة، ورأى من آيات الله الكبرى، كما نص الله عز وجل بذلك في سورة الإسراء: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾. وكما نص الله عز وجل بذلك في أوائل سورة النجم: ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى * مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى * وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾، إلى أن قال الله عز وجل: ﴿لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى﴾. رأى في هذه الليلة الفضيلة شيئًا عظيمًا وشيئًا عجيبًا من آيات الله عز وجل الكبرى. ثم نزل النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم من السماء في تلك الليلة، وأعيد إلى مكة في فترة وجيزة، وفي ليلة واحدة قطع مسافات طويلة، فجاء النبي صلى الله عليه وسلم إلى مكة ورجع إليها في غلس الصبح، ثم صلى الصبح، وأخبر من أهل مكة بما جرى له في تلك الليلة. فعظم ذلك على المشركين، وكان فتنة وابتلاء وامتحانًا لهم، وزاد فرح المؤمنين بهذه النعمة. فكفر من كفر، وصدق من صدق. فقال كفار قريش للنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: صِف لنا بيت المقدس. هم يعرفون أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يصل في يوم من الأيام إلى بيت المقدس. قالوا له: إن كنت وصلت إلى بيت المقدس فصف لنا بيت المقدس. فجعل النبي صلى الله عليه وسلم يصف لهم بيت المقدس، حتى التبس عليه شيء من الوصف، فرفع الله عز وجل له بيت المقدس في السماء، فجعل ينظر إليه وينعته لهم. قال القوم: أما الوصف فقد أصاب، أما الوصف فقد أصاب. وجاء جماعة إلى أبي بكر الصديق، وأخبروه بما يخبر به النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، قال: «إن كنت قال ذلك فقد صدق»، وقال: «أصدقه فيما هو أبعد من ذلك». الحاصل أن هذه الليلة ليلة عظيمة، ينبغي علينا أن نحمد الله وأن نشكره على ما من به على نبيه وعلى هذه الأمة في هذه الليلة المباركة. ولكن مع ذلك، فلا يجوز الاحتفال بهذه الليلة لأمور: الأمر الأول: أنه لم يثبت عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ولا عن السلف الصالح من الصحابة والتابعين، أنهم احتفلوا بهذه الليلة المباركة. وخير الهدي هدي محمد عليه الصلاة والسلام، ولو كان خيرًا لسبقونا إليه. وكما تقدم أن الأعياد من جملة الأمور التوقيفية التي لا يجوز الزيادة فيها، كما أنه لا يجوز النقص عنها. فليس لنا في ديننا إلا عيدان: عيد الفطر وعيد الأضحى. فمن أراد أن يزيد عيدًا ثالثًا، فإنه يكون قد ابتدع في دين الله عز وجل. كما أنه من أراد أن ينقص عيدًا من هذين العيدين، فإنه يكون معتديًا. فلا تجوز الزيادة، كما أنه لا يجوز النقص. والنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم القائل: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد». الأمر الثاني: أنه لم يثبت تاريخيًا أن ليلة الإسراء والمعراج كانت في السابع والعشرين من شهر رجب، بل اختلف في ذلك المؤرخون. فمنهم من قال: كان في شهر ذي القعدة قبل الهجرة بستة عشر شهرًا. ومنهم من قال: كان في شهر شوال. ومنهم من قال: كان في شهر ربيع قبل الهجرة بسنة. ومنهم من قال: في شهر رجب. وذكر هذه الأقوال العلامة ابن القيم، وهكذا الحافظ ابن كثير، رحمهم الله تعالى. فلم يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم، ولا عن أحد من السلف، تعيين الليلة التي أسري فيها بالنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. لم يثبت أنها في شهر رجب، ولا في غير شهر رجب. لهذا، تعيين هذه الليلة لا يستند إلى دليل. ثم لو قدر أنه قد ثبت أن ليلة الإسراء والمعراج كانت في السابع والعشرين من شهر رجب، لو ثبت هذا، لم يجز إحياء هذه الليلة بهذه الاحتفالات وبهذه المعراجات التي يكون فيها الشر العظيم، في الغالية في كثير من الأماكن، حيث يستغاث بالنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ويدعى من دون الله عز وجل، وتطلب منه المطالب، من تحصيل الحاجات، وتفريج الكربات، وإعطاء أيضًا المطالب من الرزق، ومن الولد، ومن شفاء المرضى، وغير ذلك. وهكذا ما يحصل في هذه الليلة في بعض الأماكن من الاختلاط بين الرجال والنساء، والذي يجر إلى الفواحش وغير ذلك. فهذا لو ثبت أنه كان في ليلة السابع والعشرين من شهر رجب، لم يجز أن يتخذ ذلك اليوم أو تلك الليلة محل عيد أو محل احتفال. لهذا، عباد الله، لا تجوز مثل هذه الاحتفالات، ولا مثل هذه المعراجات. والذي يجب علينا أن نسير على ما سار عليه سلف هذه الأمة من الصحابة والتابعين، ومن جاء بعدهم من أئمة الهدى ومصابيح الدجى. فإنهم كانوا أحرص الناس على السير على ما سار عليه رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وكانوا من أشد الناس تعظيمًا لسنة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، كانوا أشد الناس حربًا ومحاربة للبدع والأوهام والخرافات والمحدثات. فالواجب على المسلم أن لا يتقرب إلى الله عز وجل إلا بما وجده في كتاب ربه، وفي سنة نبيه صلى الله عليه وعلى آله وسلم. فالله عز وجل أنعم علينا بأن أكمل لنا الدين، ورضي لنا الإسلام دينًا، كما قال عز وجل في كتابه الكريم: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾. فإذا كان ديننا قد كمل بنزول هذه الآية الكريمة، فلا تجوز الزيادة فيه، كما أنه لا يجوز أن ينقص منه. فلا تستطيع أن تتقرب إلى الله عز وجل إلا كما وجدت في الكتاب والسنة، مع الإخلاص والمتابعة للنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. فالواجب على الجميع تعظيم السنن، وشجب والتحذير من البدع، وهذه الزيادات، وهذه المحدثات. وأوفق الله الجميع لما يحب ويرضى. والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. ترجمة نانسي قنقر