الخطبة بعنوان الإهتمام بالأوقات، ألقاها الشيخ عبدالرحمن بن مرعي العدني
تؤكد الخطبة أن الوقت مادة الحياة وأن اغتنامه سبيل للسعادة والفلاح، بينما إضاعته تجلب الحسرة يوم القيامة. يستشهد الشيخ بآيات وأحاديث تحث على استغلال الشباب والصحة والفراغ قبل فواتها محذراً من الغبن فيهما.
يبرز المقطع حرص السلف على استغلال كل لحظة في طلب العلم مستشهداً بأحوال علماء كأبي حاتم وابن تيمية والنووي وابن عقيل والطبري. آثروا العلم على الراحة والطعام والنوم وأنتجوا مؤلفات ضخمة مؤكدين أن طالب العلم لا يدع الاقتباس حتى الممات.
يحث المقطع طالب العلم والشباب على اغتنام الوقت وتجنب إضاعته في اللهو والقيل والقال مستشهداً بحديث الصحة والفراغ. يؤكد مسؤولية الآباء في توجيه الأبناء خلال العطل نحو حفظ القرآن وطلب العلم النافع أو العمل المباح محذراً من مخاطر الفراغ.
يؤكد الخطيب أن الفراغ الذي يعيشه كثير من الشباب نذير شر وبداية للانحراف داعياً إلى تحمل المسؤولية وأداء الأمانة لحمايتهم. ويختتم بالدعاء لله أن يعين الجميع على ذلك.
موقع دار الحديث بالفيوش يقدم هذه المادة: الاهتمام بالأوقات، خطبة الجمعة لفضيلة شيخنا العلامة عبد الرحمن بن مرعي العدني رحمه الله تعالى. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ ۚ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ۗ وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾. أما بعد، فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. أيها المسلمون، عباد الله، اعلموا أن الوقت هو الحياة، وأن الوقت هو مادة الإنسان، فبقدر اغتنام العبد لهذه اللحظات ولهذه العوقات ولهذه الساعات تكون الثمرة والسعادة والفلاح والسلامة والنجاح في الدنيا والآخرة، وبقدر التفريط والإضاعة لهذه الأعمار والأوقات تكون الحسرة والندامة. فهذه الحياة الدنيا تعتبر مزرعة الآخرة، فمن زرع خيراً حصد خيراً، ومن زرع شراً حصد شراً. فالله سبحانه وتعلى قد أنبأ في كتابه الكريم هؤلاء الكفار ووبخهم إذ أعطاهم من الأموال والأولاد والأعمار ثم لم يستفيدوا من هذه النعم واستبقوا أنفسهم على الكفر وذهبت أعمارهم وهم لا يزالون في كفر. قال الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿أَلَمْ نُمَتِّعْكُم بِمَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَن تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ ۖ فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِن نَّصِيرٍ﴾. نعم عباد الله، من الناس من يستغل حياته ويغتنم أوقاته فينادى يوم القيامة: ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ﴾، ومنهم من يتحسر ويتندم في وقت لا تنفع فيه الحسرة ولا تنفع فيه الندامة، يقول: ﴿يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي﴾، ويقول: ﴿يَا حَسْرَتَىٰ عَلَىٰ مَا فَرَّطْتُ فِي جَنبِ اللَّهِ﴾. نعم عباد الله، الإنسان عبارة عن هذه السنوات، وعبارة عن هذه الأشهر والأسابيع والأيام والدقائق والثواني واللحظات، فكل سنة أو كل يوم يهدم أسبوعاً من حياة الإنسان، وكل أسبوع يهدم شهراً، وكل شهر ينقضي من حياة الإنسان فإنه يهدم سنة، وكل سنة تمضي من حياة الإنسان فإنها تهدم شيئاً من عمر هذا الإنسان. فلذلك عباد الله، علينا أن نغتنم أوقاتنا إذا كان للوقت هذه الأهمية العظيمة، وقد أخبر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في سنته عن أهمية الوقت وحث المسلم على اغتنام هذه الأوقات. قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم كما في مستدرك الحاكم من حديث ابن عباس: «اغتنم خمساً قبل خمس: اغتنم شبابك قبل هرمك، واغتنم غناك قبل فقرك، واغتنم صحتك قبل سقمك، واغتنم فراغك قبل شغلك، واغتنم حياتك قبل موتك». وهكذا يقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم كما في حديث أبي برزة الأسلمي: «لا تزول قدم عبد يوم القيامة حتى يسأل عن أربع: عن عمره فيما أفناه، وعن شبابه فيما أبلاه، وعن ماله من أين اكتسبه وفيما أنفقه، وعن علمه ماذا عمل فيه». فنحن عباد الله مسؤولون عن هذه النعم ومحاسبون عليها. وهكذا كما سمعتم، الرابح والمستفيد هو من اغتنم هذه اللحظات وهذه الساعات وهذه الأشهر وهذه السنوات وهذه الأيام. ما أكثر مواسم الخير وما أكثر أيام الربح التي تمر في حياة الإنسان، فالسعيد من فعل الواجبات وسارع إلى المستحبات وانتهى عن المحرمات والمخالفات واغتنم حياته فيما يسعد به غداً يوم القيامة. ويقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ» رواه البخاري من حديث ابن عباس. نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ، أي أن كثير من الناس من لا يشكر ربه سبحانه وتعالى على هاتين النعمتين، كثير من الناس من تمر عليه هاتان النعمتان بدون تفكر ولا تأمل ولا استغلال لهاتين النعمتين: نعمة الفراغ ونعمة الصحة. المغبون عباد الله هو الذي يشتري بأكثر من ثمن المثل بأضعاف مضاعفة، أو الذي يبيع السلعة بأقل من ثمن المثل، فمن أعطاه الله سبحانه وتعالى الصحة ومن متعه بالفراغ فلم يستفد من صحته ولم يستفد من وقته وفراغه فهذا يعتبر كالمغبون في البيع والشراء. فهكذا عباد الله ينبغي أن يعلم طالب العلم أن الوقت يعتبر بالنسبة له رأس المال، ويعتبر بالنسبة له الربح. فإذا نظرنا إلى حياة سلفنا الصالح لوجدنا الأعمار النفيسة التي أنفقت وبذلت، ووجدنا الأموال الجزيلة التي صرفت، ووجدنا الهمم العالية التي كان عليها سلفنا الصالح في اغتنام الأوقات، لا فرق فيهم بين عالم وعابد، كانوا يسابقون الأوقات والدقائق واللحظات اغتناماً للخير وتحصيلاً للفائدة وتسطيراً للمسائل تمر بهم. فالإمام ابن أبي حاتم رحمه الله يقول: «كنا في مصر سبعة أشهر لم نذق فيها مرقة، كان نهارنا مقسماً على مجالس الشيوخ، وكان الليل للنسخ والمقابلة، قال: فأتينا شيخاً فسألنا عنه فقالوا: إنه عليم، أي مريض، قال: فرجعنا فوجدنا في طريقنا سمكة تباع فاشتريناها، قال: فما أن وصلنا إلى البيت حتى حان موعد أحد العلماء أو الشيوخ، فتركنا السمكة فبقيت ثلاثة أيام لم نستطع أن نقوم بطبخها، ثم أكلناها بعد ثلاثة أيام نيئة بعد أن كادت تتغير وتفسد، ثم قال رحمه الله: لا ينال العلم براحة الجسد، لا ينال العلم براحة الجسد». انظروا عباد الله، على جد واجتهاد وعلى حرص على الاستفادة من الأوقات، لم يستطيعوا أن يقوموا بطبخ هذه السمكة، ثم أكلوها نيئة بعد ثلاثة أيام، ثم يعطي درساً لطالب العلم فيقول: لا يستطاع العلم براحة الجسد. وهذا الإمام ابن أبي حاتم رحمه الله هو القائل: «كنت أقرأ على أبي وهو يكتب، وهو يقرأ، وهو يمشي، وهو يركب، وهو في بيت الخلاء». وهكذا عباد الله، الإمام ابن تيمية رحمه الله كان إذا دخل بيت الخلاء دفع الكتاب إلى ولده ويقول له: «اقرأ وارفع صوتك»، يدخل بيت الخلاء فيدفع الكتاب إلى ولده ويقول له: «اقرأ فيه وارفع صوتك»، اغتناماً للوقت لألا يذهب في وقت قضاء الحاجة. وهكذا عباد الله، الإمام الخطيب والإمام النووي وغيرهما من العلماء والأئمة كانوا إذا مشوا في طريق يكون في يد الواحد منهم كراسة أو كتاب أو جزء يطالع فيه. وهكذا الإمام ثعلب إمام النحو والأدب كان إذا دعي إلى وليمة يشترط على صاحب الوليمة أن يترك له موضعاً لكتاب ليقرأ فيه ويدرس فيه. هكذا عباد الله، بهذا الاهتمام بالأوقات أثنوا أعمارهم وآثروا طلب العلم على الدنيا الفانية. الإمام ابن عقيل رحمه الله هو القائل: «إني لأختصر في أوقات أكلي حتى أختار سف الكعب وتحسيه بالماء على أكل الخبز لما بينهما من تفاوت الوقت»، كان يختار أن يأخذ الكعب ويفته ويضعه في الماء ثم يبتلعه ابتلاعاً ويترك أكل الخبز لأجل ما بينهما من تفاوت الوقت. استطاع بهذا الهمة وبهذا الاستغلال للوقت أن يؤلف المؤلفات العظيمة التي منها كتاب الفنون الذي قال فيه العلامة الذهبي: «لم يعرف في الإسلام مؤلف كهذا المؤلف، فيه ثمانمائة مجلد، ذكر فيه من الفقه والتفسير والتوحيد والأصول واللغة والنوادر والفوائد والشوارد»، وهكذا مما تنتجه الأفكار وغير ذلك. وهكذا عباد الله، يقول الإمام الخليل الفراهيدي، الخليل بن أحمد: «أثقلت علي الساعات إلا ساعة آكل فيها»، كانوا يستثقلون ذهاب الأوقات في غير العلم والتعلم والعبادة والإقبال على الله سبحانه وتعالى. الإمام الحازم رحمه الله كان جاداً مجتهداً في طلب العلم، فأشفق عليه صاحب السكن الذي نزل فيه لطلب العلم، فقال للخادم: «إذا جاء الليل وطلب زيتاً للمصباح فاعتذر له»، فلما كان من الليل وطلب الزيت للمصباح اعتذر الخادم بانقطاع الزيت، فما كان من هذا الإمام إلا أن صف رجليه وجعل يقرأ ويصلي حتى طلع الفجر. هكذا عباد الله، ما كانوا يعرفون حياة البطالة والضياع والغفلة والاهتمام بغير العلم، بهذه الجهود وبهذا الحرص عباد الله استطاعوا أن ينتجوا إنتاجاً عظيماً. الإمام ابن جرير الطبري رحمه الله الذي أفنى حياته من بلوغه إلى موته في سبيل تحصيل العلم ونشره والكتابة والتأليف، حتى إنه في يوم موته سمع بالفائدة تطرق مسمعه فيدعو بالصحيفة ويدعو بالقلم ويكتب، فيلام في هذا، يقال له في هذه الساعة: «يا إمام»، فيقول: «لا ينبغي لطالب العلم أن يدع اقتباس العلم حتى الممات». قال مرة لطلابه: «أتنشطون لكتابة التفسير؟» قالوا: «كم يكون قدره؟» قال: «في ثلاثين ألف ورقة»، قالوا: «هذا مما تفنى الأعمار دون إتمامه»، فاختصره في ثلاثة آلاف ورقة وعملوه عليهم في سبع سنين. وهكذا مرة قال لهم: «أتنشطون في كتابة التاريخ من لدن آدم إلى يومنا هذا؟» قالوا: «كم يكون قدره؟» قال: «في ثلاثين ألف ورقة»، قالوا: «هذا مما تفنى الأعمار دون إتمامه»، فقال: «إنا لله ماتت الهمم»، ثم اختصره في ثلاثة آلاف ورقة وعملوه أيضاً في سبع سنين. هكذا كانت همة العلماء عباد الله، وهكذا ينبغي لطالب العلم أن يستغل الوقت وأن لا يضيع الوقت بترك مذاكرة ما يحتاج إليه من درس أو كتاب أو معلومات. وهكذا على طالب العلم أن يحفظ وقته بتجنب ذهاب الأوقات في غير تحصيل العلم، بالقيل والقال والجلوس على غير مائدة القرآن والسنة. وهكذا يحذر طالب العلم من أن يشغل نفسه بما عليه فلان أو فلان، أو بما ذهب إليه فلان أو علان من أمور الدنيا، بل على طالب العلم أن يجِد وأن يجتهد، وأن يتخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم له أسوة وقدوة، وأن يعلم أن الله سبحانه وتعالى سائله عن هذا الوقت وسائله عن هذه الصحة كما سمعتم في الحديث المتقدم: «نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ». الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد، عباد الله، فمن النعم التي أعطانا الله سبحانه وتعالى نعمة الأموال ونعمة الأوقات ونعمة الأولاد، هذه النعم التي متى ما أحسن العبد في استعمالها وشكر الله عز وجل عليها فإنها تكون له منحة، ومتى ما أهمل وقصر في شكر هذه النعم فإنها تكون عليه محنة. قال الله سبحانه وتعالى: ﴿الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۖ وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا﴾. نحن عباد الله في موسم العطلة، هذه العطلة التي تمر على كثير من الشباب، كانوا قبل العطلة مستغلين أوقاتهم بدروس وبتعلم وباستغلال للأوقات كانت تقضي على كثير من الفراغ عندهم، فلما حانت العطلة فإن الشباب يعانون من مشكلة الفراغ، هل يكون هؤلاء الشباب ممن يغتنم نعمة الصحة والفراغ فيكونون من السعداء، أو يكونون ممن يهمل ويفرط في هذه النعمة فيكونون من المحرومين؟ فلذلك عباد الله، الشباب هم محل اهتمام، فإنهم رجال الغد وعدة البلاد وفلذات الأكباد، ينبغي على الأولياء أن يحسنوا في توجيه هؤلاء الشباب كيف يستغلون مثل هذه العطل بما يعود على عقولهم بالتنمية وعلى أوقاتهم بالملء والاستفادة، وأن لا تذهب أوقاتهم سدى، فإن الفراغ الذي يعيشه كثير من الشباب في أوقات العطل يؤدي إلى تبلبل الأفكار، ويؤدي إلى جمود الذهن، ويؤدي إلى انشغال، إن لم تستغل هذه الأوقات في المحل النافع والمفيد يؤدي إلى ضياع، ويؤدي إلى لهو، ويؤدي إلى بعد عن الله سبحانه وتعالى. فلذلك عباد الله، ينبغي على الأولياء أن يتحملوا المسؤولية وأن يؤدوا الأمانة، فإن كثيراً من العسر من تقوم بالمسؤولية وتؤدي الأمانة برعاية هؤلاء الأولاد وهؤلاء الأبناء، بتشجيعهم على تلاوة القرآن والذهاب إلى بيوت الله سبحانه وتعالى لتعلم العلم النافع، وإلزامهم بحضور الصلوات الجمع والجماعات، ومتابعتهم في الليل والنهار بالنسبة لصحبتهم وأوقاتهم كيف يقضونها، فيكونون من الرابحين، ويربح الواحد منهم في نفسه ويربح المجتمع. وهكذا من الأسر من تهمل في مثل هذه الأوقات بالنسبة للأبناء، يعيشون فراغاً فلا يعرفون كيف يستغلون هذا الفراغ، فيقضي كثيراً منهم هذا الفراغ في اللهو واللعب والعبث والإهمال والتضييع للصلوات، ومرافقة رفقاء السوء، والانهماك بسماع اللهو والغناء والطرب، بل وإلى أمور عظيمة وأمور خطيرة، فهؤلاء ما قاموا بالمسؤولية ولا عرفوا الأمانة ولا أدوها. والله سبحانه وتعالى يقول في كتابه الكريم: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ * وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللَّهَ عِندَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾. نعم عباد الله، ينبغي إشغال الشباب في مثل هذه المواسم وهذه الأوقات، أوقات العطل التي يخرج فيها المئات، مئات الآلاف من الشباب من دراساتهم النظامية فيجدون خواء وفراغاً ويحتاجون إلى من يوجههم، فهذه مسؤولية الآباء والأمهات، بل هي مسؤولية الأسرة كلها، أن يدفعوا بهؤلاء الشباب إلى استغلال هذه الأوقات حتى لا يحصل الانحراف، وحتى لا يحصل التغير في الأخلاق والسلوك. أن يوجهوهم إما إلى مدارسة العلم الشرعي وحفظ ما تيسر من كتاب الله سبحانه وتعالى، وقراءة الكتب المفيدة ككتب التفسير والعقيدة والفقه والأدب والتاريخ، لكن بشرط أن تكون سليمة من الضلال والانحراف، وأن يحذر من انهماكهم في قراءة الكتب الضارة والمنحرفة، أو هذه المجلات الأسبوعية أو الشهرية، أو هذه الجرائد والصحف اليومية التي تمتلئ بأنواع من الباطل والفساد، فيحذر الأب كيف يوجه. فإذا لم تكن عند الولد همة لطلب العلم ومدارسة القرآن، فلا أقل من أن يشغل الوالد ولده بأعمال تقضي على هذا الفراغ الذي يعيش هذا الشاب، إما أن يبقى مع أبيه في دكانه أو في مزرعته أو في حرفته المباحة، وهكذا. وهكذا عباد الله، يمكن حفظ الشباب، أما هذا الفراغ الذي يعيش كثير من الشباب فإنه نذير شر، وإنه من بدايات الانحراف التي تحصل لكثير من الشباب. فنسأل الله سبحانه وتعالى أن يعين الجميع لتحمل المسؤولية وأداء الأمانة، إنه سميع الدعاء. والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.