الخطبة بعنوان الإهتمام بتربية الأولاد، ألقاها الشيخ عبدالرحمن بن مرعي العدني
تؤكد الخطبة على عظمة مسؤولية الوالدين في تربية الأبناء تربية صالحة مستندة إلى القرآن والسنة، مبينة أن الأولاد نعمة وامتحان وأن القيام بحقهم يجلب البركة وقرة العين في الدنيا والآخرة. وتدعو إلى الإحسان للأولاد والتحذير من التقصير في رعايتهم.
يشرح المقطع أن كل مولود يولد على فطرة الإسلام، ومسؤولية الوالدين الحفاظ عليها بالتربية الصالحة والقدوة الحسنة مستشهدين بآيات وأحاديث وسير الأنبياء. ويحذر من تقصير الآباء الذي يؤدي إلى عقوق الأبناء وانحرافهم، مبشراً بصلاح البيت المثمر جيلاً صالحاً.
يستعرض المقطع كيف ربى النبي والصحابة أبناءهم منذ الصغر على العقيدة الصحيحة وحفظ القرآن وإقامة الصلاة وصيام رمضان وحج البيت مع غرس مكارم الأخلاق. ويؤكد دور الوالدين في القدوة الحسنة وحماية الأبناء من المؤثرات الفاسدة باستخدام وسائل التربية النبوية بالرفق والرحمة.
يحذر الخطيب من أن مشاهدة الأطفال للمشاهد المحرمة كشرب الخمر والإسراف والفواحش عبر الشاشات والمجلات تهدم عقيدتهم وتفسد أخلاقهم. ويؤكد وجوب تحمل الآباء والمجتمع المسؤولية لحماية الناشئة من هذه السموم.
موقع دار الحديث بالفيوش يقدم هذه المادة: الاهتمام بتربية الأولاد، خطبة الجمعة لفضيلة شيخنا العلامة عبد الرحمن بن مرعي العدني رحمه الله تعالى. إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا. من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾. أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، هو خير الهدي، هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. أيها المسلمون، عباد الله: معلومة هي الأدلة في كتاب الله عز وجل، وفي سنة نبيه صلى الله عليه وعلى آله وسلم، التي تأمر ببر الوالدين وتحث على صلة الأرحام، وتحذر من العقوق، لما للوالدين من حق عظيم بعد حق الله عز وجل وحق نبيه محمد صلى الله عليه وسلم. قال الله عز وجل: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾. وقال الله: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾. بالوالدين حق عظيم على الأولاد. وأيضًا، عباد الله: لا نغفل الحق العظيم الذي للأولاد على الوالدين. فكما أمر الله تبارك وتعالى ببر الوالدين، هكذا أمر الله عز وجل بحسن التلبية للأبناء، وأداء الحقوق إلى فلذات الأكباد. كما قال عز وجل في كتابه الكريم: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ﴾، وصية من الله. وقال ربنا تبارك وتعالى في كتابه الكريم: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾. وقال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «كلكم راعٍ، وكلكم مسؤولٌ عن رعيته». وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «وإن لولدك عليك حقًا». فأمرٌ عظيم، ومسؤوليةٌ كبيرة، وأمانةٌ عظيمة ملقاةٌ على عواتق الأولياء من الآباء والأمهات، والإخوة والأخوات، والأعمام والعمات، والأخوال والخالات. إذا فقد القيّم تجاه هذه الذرية، وتجاه أولئك الأولاد الذين هم فلذات الأكباد، ورجال الغد، وعُدَّة البلاد. وكذلك كان شأن الأنبياء، وكذلك كان شأن المصلحين: أنهم يهتمون بهذه المسألة، ويرعونها حق رعايتها، ويؤدون الأمانة فيها. فإذا فعلوا ذلك، وفعل المجتمع ذلك، كان سببًا في بقاء الخير، وحصول البركات، وقرّة العيون. فهذه نعمةٌ من جملة النعم التي تحفظ بطاعة الله، والقيام بشكر الله تبارك وتعالى، كما قال عز وجل في كتابه الكريم: ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ﴾. الأولاد، عباد الله، نعمة عظيمة من نعم الله عز وجل التي تمنن بها على عباده. قال الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَةً وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ هُمْ يَكْفُرُونَ﴾. وقال سبحانه وتعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجًا وَذُرِّيَّةً﴾. جعلهم الله سبحانه وتعالى متاعًا، وجعلهم زينة: ﴿الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا﴾. كما أن الناس يتزينون بالأموال، وبالسيارات، وبالفلل والعمارات، وبالمراكب والملابس، فهكذا جعل الله سبحانه وتعالى هؤلاء الأولاد محلاً للزينة: ﴿الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾. وقال الله تبارك وتعالى: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ﴾. هم نعمة عظيمة من الله سبحانه وتعالى، والواجب على من أنعم الله عز وجل عليه أن يقوم بشكر هذه النعمة، وأن يؤدي حق الله، وأن يتذلل بين يدي الله، وأن يسأل ربه سبحانه وتعالى العون على القيام بالمهمة، وأداء الأمانة، وتحمل هذه المسؤولية. هكذا كان شأن الأنبياء، وهكذا كان شأن الصالحين: حريصون غاية الحرص على الذرية الطيبة، والذرية الصالحة. قال الله عز وجل في شأن نوح: ﴿وَنَادَى نُوحٌ رَبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ﴾، شاهدًا أنه حريص على صلاحه، وإن قدر الله عز وجل عليه الشقاوة. لكن قبل أن يخبر نوح عليه الصلاة والسلام... وإبراهيم هو القائل: ﴿رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ﴾. وزكريا هو القائل: ﴿هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ﴾. وكذلك، وكذلك، عباد الله، يقول الله عز وجل في صفات عباد الله المؤمنين: ﴿وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾. اهتم الأنبياء، وحرص الصالحون على صلاح الذرية، وحسن التربية لهؤلاء الذرية والأبناء. هؤلاء الذين جعلهم الله سبحانه وتعالى فتنة وابتلاء واختبارًا: إما أن يكونوا قرة عين، والاجتماع في الدنيا على طاعة الله، وفرح وسرور وبهجة، وحضور وتمتع، واجتماع على طاعة الله سبحانه وتعالى في الدنيا، وكذلك اجتماع يوم القيامة في دار كرامة الله: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ﴾. هذا، عباد الله، إذا قام الناس بالواجب، وأدوا المسؤولية، فإنهم ينعمون، وإنهم يفرحون بهذه النعمة. كما قال الله: ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا * وَجَعَلْتُ لَهُ مَالًا مَمْدُودًا * وَبَنِينَ شُهُودًا﴾. أولاد حضور عنده، يعمرهم وينهاهم، ويتقوى بهم، ويستفيد منهم، ويتعزز بهم، ويستفيد من أموالهم: ﴿وَبَنِينَ شُهُودًا﴾. أنعم الله على هذا العبد أن جعل ذريته عنده وحاضرين عنده. وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «إن الله لا يلقى العبد يوم القيامة فيقول له: ألم أعتك المال والولد؟ ألم أسخر لك الخيل والحرث؟ ألم أذرك ترأس وتربع؟ فيقول: بلى يا رب. فيقول: هل كنت تظن أنك ملاقي يومك هذا؟ فيقول: لا. فيقول الله له: اليوم أنساك كما نسيتني، اليوم أنساك كما نسيتني». فأولئك الأولاد: إما أن يكونوا نعمة وقرة عيش إذا قامت الأسرة بالمسؤولية، وإما أن يكونوا شقاءً ونكدًا وتعبًا وبلاءً ومحنة وحسرة وندامة في الدنيا والآخرة: ﴿قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ﴾. فواجب علينا، عباد الله، أن نعرف قدر هذه المهمة، وعظم هذه المسؤولية: «كلكم راعٍ، وكلكم مسؤول عن رعيته. الرجل راعٍ في بيته، في أهله، مسؤول عن رعيته، والمرأة راعية في بيت زوجها ومسؤولة عن رعيتها، والخادم راعٍ في مال سيده ومسؤول عن رعيته، والأمير راعٍ ومسؤول عن رعيته. فكلكم راعٍ، وكلكم مسؤول عن رعيته». متفق عليه من حديث ابن عمر. كل من تحمل مسؤولية كان مطالبًا بأدائها، وتحمل الأمانة فيها: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾. وقال الله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾. نعم، عباد الله: الله سائلكم يوم القيامة: هل أديت الأمانة؟ هل تحملت المسؤولية؟ هل قمت بالواجب؟ هل ذللت الصعاب لهؤلاء الذرية الذين خلقهم الله سبحانه وتعالى على الفطرة، أوجدهم على الإسلام، أوجدهم راغبين في الخير؟ ﴿فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾. قال النبي صلى الله عليه وسلم كما في الصحيح: «كل مولود يولد على الفطرة». كل مولود يولد على الفطرة، الأصل إذا وقع رأسه أنه يخرج على فطرة الإسلام، قابلًا يكون قابلًا للخير، قابلًا للأخلاق الفاضلة، قابلًا للرشد. لكن يأتي الانحراف بسبب ما تعمله شياطين الإنس والجن. «كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه». ولم يقل: أو يمسلمان، لأنه في الأصل يخرج مسلمًا. لكن تأتي دور... تأتي دور الأسرة: إن كانت الأسرة على صلاح وسداد واستقامة وأخلاق وحرص ورعاية وعناية، فإنه في الغالب تثمر هذه الجهود، وتظهر هذه الأعمال في هؤلاء الذرية. كل مولود يولد على الفطرة، لكن إذا كان الأبوان منحرفين أو مشركين أو كافرين أو فاسقين، فإنهما يؤثران على الذرية: «فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه». وكذلك يقول النبي صلى الله عليه وسلم فيما يروي عن ربه تبارك وتعالى، كما في حديث عياض بن حمار: «إني خلقت عبادي حنفاء، وإنهم أتتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم»، يعني: حركتهم عن دينهم، عن طريق الصواب والصلاح. فع علينا، عباد الله، أن نستشعر ذلك، وأن نعرف أن الرغبة في صلاح الأولاد لا تكون بالأماني، ولا تكون بالكسل، بل على المسلم، وعلى الأب، وعلى الأم، أن يتحمل كل واحد منهم المسؤولية، وأن يقوم بأداء هذه الأمانة. هكذا كانت همم الأنبياء. قال الله عز وجل: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا * وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَكَانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا﴾. وهكذا نبي الله إبراهيم: ﴿فَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾. ﴿أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾. وقال الله آمرًا النبي صلى الله عليه وسلم: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلْتَّقْوَى﴾. فالواجب على المسلم، عباد الله، كما أنه حريص على إشباع أسرته، وتوفير الطعام والشراب لهم، وهو في عبادة وفي أجر إذا احتسب الخطوات والحركات والأوقات في سبيل توفير الرزق واللقمة الحلال لأسرته، لا شك أنه يؤجر على هذا، حتى اللقمة التي يضعها في فم امرأته يؤجر عليها إذا احتسب الأجر عند الله. لكن كما أنه حريص على ذلك، فيغيب العمر، بل وبعضهم السنين، ويقطعون الفيافي والقفار، ويتعرضون للأخطار في سبيل الكسب والجمع لهذه الأسرة، فهناك ما هو أولى وأهم: وهو العناية بعقيدتهم، العناية بعبادتهم، الاهتمام بأخلاقهم، التفقد صحبتهم. فمن الناس من لا يعرف من الحياة الزوجية إلا الفراش، ثم ينطلق هائمًا للبحث عن الطعام والشراب والتكسب، لا يعرف من علاقته بزوجته وبوجوده في بيته إلا مثل هذه الأمور. ومن النساء والأمهات من لا تتعلم دينها ولا تتبصر فيه، همها إعداد الطعام والشراب، ثم لا تسأل عن أولادها: أين كانوا؟ وأين غابوا؟ ومع من مشوا؟ ومن هم صحبتهم ورفقاؤهم؟ هل صلوا؟ هل أدوا ما أوجب الله تبارك وتعالى عليهم؟ ليس هناك سؤال عن هذه الأمور، لكن سؤال عن أمور فيها العناية بالعشام وبهذه الأمور الدنيوية. وهذا، عباد الله، من الخطأ والتقصير. إن مشكلة العقوق التي يعاني منها كثير من الآباء والأمهات، سببها في الغالب هي الأسرة. فإن الأب يظلم ولده ويظن أنه يرحمه، ويهينه ويظن أنه يكرمه، يعطيه ما يريد، ويفتح له الباب لمشتهى، ويهمل ويقصر، ثم إذا كان العقوق، وكان الانحراف، وكان الضلال، والثبور، شكو وبكى وتذمر، ويصر ويصر ويعول بسبب انحراف هذا الولد، وقد يكون السبب الأول هو هذا الأب، أو هذه الأسرة التي أهملت وقصرت في القيام بما أوجب الله تبارك وتعالى. فإذا، عباد الله، إذا رأيت شابًا صالحًا، فاعلم أنه قبل أن تعلمه المدرسة، أو أن يعلمه المسجد، أن وراءه بيتًا كريمًا، وأمًا نبيلة، وأبًا صالحًا، علموه في بيته قبل أن تعلمه المدرسة أو المسجد. وهكذا ينبغي علينا، عباد الله، أن نحرص على صلاح الأولاد والذرية. أما ترضى أن يكون ولدك ممن يدخل في قول النبي صلى الله عليه وسلم: «سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله»، ومنهم: «وشاب نشأ في عبادة الله»؟ وشاب نشأ في عبادة الله، كيف ينشأ في عبادة الله وهو حدث صغير، وهو شاب صغير، إلا بتوجيه من الأسرة، وحث من الأبوين، وتشجيع؟ وهل كان أبناء الصحابة المبرزين العلماء إلا من أبناء هذه الحلقات التي كانت في زمن النبي صلى الله عليه وسلم؟ أنس بن مالك غلامًا صغيرًا في زمن النبي عليه الصلاة والسلام، وعبد الله بن مسعود، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن عباس، وعبد الله زيد بن ثابت، الذين صاروا أئمة وعلماء ونجباء، نفع الله بهم البلاد والعباد، حضروا المجالس. قال جندب بن عبد الله: «كنا فتيانًا حزاورة في زمن النبي صلى الله عليه وسلم، فتعلمنا الإيمان قبل أن نتعلم القرآن، ثم تعلمنا القرآن فازددنا به علمًا»، أو كما قال رضي الله عنه. وهكذا لا يخفى عليكم حرص ابن عباس على التعلم والاستفادة والأخذ عن النبي صلى الله عليه وسلم. وهكذا ابن عمر: أحضروا أولادهم مجالس الخير ومجالس العلم. سئل النبي صلى الله عليه وسلم ذات يوم سؤالًا: «شجرة لا يسقط ورقها هي كمثل المؤمن، ما هي؟» فوقع الناس في شجر البوادي، ووقع في نفس ابن عمر أنها النخلة، فاستحيى أن يقول: هي النخلة، حياء من وجود بعض الكبار في المجلس. وهكذا، عباد الله، كان الرجال، وكان النساء، وكان الفتيان، فكانت مجتمعات صالحة، ومجتمعات نبيلة، بسبب هذا الحرص. وهكذا، عباد الله، كان التابعون، ومن جاء بعدهم: الإمام أحمد له ولد أحد الأئمة، عبد الله بن الإمام أحمد. وكذلك ابن أبي حاتم، ولده عبد الرحمن أحد الأئمة. وكذلك زهير بن حرب، أحمد بن زهير أحد الأئمة. وكذلك كثير بن نمير، ولده محمد أحد الأئمة. وكذلك لو قرأت في كتب التراجم والتاريخ، لو وجدت كثيرًا من البيوت فيها العلماء: الأب، وأبوه، ووالد أبيه، وكذلك أبناءه وأحفاده. أسر كريمة، وأسر صالحة وطيبة، نفع الله بها الإسلام والمسلمين، بسبب الحرص الموجود في الأسر. نسأل الله أن يوفق الجميع. الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، ولا عدوان إلا على الظالمين. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد: فهكذا، عباد الله، حرص الأنبياء، وهكذا ربى النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم الصحابة: جلسوا في مجالسه، وحضروا مجالسه، جعل النبي عليه صلى الله عليه وسلم يعلمهم ويربيهم ويزكيهم، وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين. عمر بن أبي سلمة قال: «كانت يدي تطيش في الصحفة، فقال لي النبي صلى الله عليه وسلم: يا غلام، سم الله، وكل بيمينك، وكل مما يليك». وهكذا ركب معه ابن عباس ذات يوم، فقال: «يا غلام، إني أعلمك كلمات: احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك، إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، وإن اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رفعت الأقلام وجفت الصحف». تعليم للعقيدة، وتعلق للقلوب لله سبحانه وتعالى، تعليم للآداب، تعليم للأخلاق. وهكذا كان الصحابة رضي الله عنهم: كانوا يعلمون أبناءهم القرآن والسنة. لما قال النبي صلى الله عليه وسلم كما في حديث عوف بن مالك: «قد نظر إلى السماء فقال: هذا أوان العلم أن يرفع. قالوا: يا رسول الله، كيف يرفع العلم فينا وقد علمناه نساءنا وأبناءنا؟ قال: كنت لا أظنك من أفقه أهل المدينة». يخاطب زياد بن لبيد. ضرب لهم النبي صلى الله عليه وسلم مثلًا باليهود والنصارى: كيف أن عندهم التوراة والإنجيل، لكن لما مات العلماء وذهب الأخيار، لم ينتفعوا بالتوراة والإنجيل. وهكذا الكتب لا تغني إذا لم يوجد العلماء، ولم يوجد الحفظة، ولم يكن هناك العمل بها. وهكذا، عباد الله، عمر بن سالم الجرفي قال: «كان الركب يمرون بنا من الصحابة، فكان يتلقى منهم السورة والسورتين والثلاث، يحفظها ويأخذها ويدقنها. فزار النبي عليه الصلاة والسلام، قال لي أمي: أكثركم قرآنًا؟ قال: فنظروا، فلم يكن أحد أكثر مني قرآنًا، فقدموني، وأنا ابن ست أو سبع سنين، وأنا ابن ست أو سبع سنين». علم الصحابة، وتلقى صغار الصحابة، فأثمروا، ونفع الله بهم. هكذا كان الرعيل الأول، عباد الله، فينبغي علينا الاهتمام بالأولاد والذرية: أن نحبب إليهم ربنا سبحانه وتعالى، أنه خالقنا، وأنه رازقنا، وأنه معبودنا وإلهنا. فهذه النعم التي نتلبس فيها في الصباح والمساء إنما هي من الله: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾. ﴿وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً﴾. تحبب الرب سبحانه وتعالى إلى هذا الولد، وكذلك تعلمه مبادئ العقيدة، كما كان النبي صلى الله عليه وسلم يعلم الصحابة والنساء والرجال. تحبب إليه النبي صلى الله عليه وسلم، فهو الذي هدانا من الضلالة، وهو المنقذ لنا من الغواية، وهو المعلم والمربي والقدوة والأسوة عليه الصلاة والسلام. أخرجنا الله عز وجل به من الظلمات إلى النور، وأنقذنا به من الكفر والشر. نحبب إليهم أصحاب رسول الله عليه الصلاة والسلام، ورضي الله تعالى عنهم، الذين بذلوا، والذين قدموا، والذين ضحوا، والذين نصروا دين الله سبحانه وتعالى، ونصروا سنة رسول الله، واستسهلوا كل صعب، وبذلوا كل غال ورخيص في سبيل خدمة هذا الدين. حذارهم الفضلاء، وحذارهم النجباء، خلافًا لما يظن كثيرًا من الأبناء اليوم. يظن كثيرًا من أبنائنا، بل نسب الشديد، معشر المسلمين، أن الفضلاء والنجباء والأذكياء هم الفنانون والفنانات، والمغنون والمغنيات، والممثلون والممثلات، وأصحاب الكرة، وأصحاب الملاكمة، وأصحاب هذه الرياضات. وليس هناك سبب ولا سر إلا لأن هذا الطفل يصبح من الصباح وهو يسمع حال الأصوال، ويترنم بهذه الموسيقى، وينظر إلى هذه الصور، فيظن أن هؤلاء رزقوا من الذكاء ما لم يعطاه أحد من العالمين، فيقدرهم ويجلهم ويحبهم ويبجلهم، وقد يكونون فجرة فسقة، وهذا واقع كثير منهم، واقع كثير منهم. فهكذا، عباد الله، ينبغي العناية بالطفل من صغر بأمر العقيدة، كما سمعتم، في حدود عقله وذكائه وقبوله. وكذلك يعلمه هذه العبادات: يتلو كتاب الله سبحانه وتعالى، هذا الكتاب الذي جعله الله نورًا وضياءً، هذا الكتاب الذي جعله الله شفاءً ورحمة، له أثر كبير في تهذيب الأخلاق، وفي طرد الشياطين، فينشأ نشأة صالحة. يعلمه الفاتحة، ولقنه، أو من طريق المدرسين، ما تيسر من كتاب الله، شجعه بالمكافآت الرمزية التي تعينه ولا تضره. وكذلك يعلمه الطهارة: كيف يتوضأ، ويعلم الصلاة، كما أمر النبي صلى الله عليه وسلم: «مروا أولادكم بالصلاة وهم أبناء سبع، واضربوهم عليها وهم أبناء عشر». «مروا أولادكم بالصلاة وهم أبناء سبع». فهذا هو الأدب النبوي: لا تأمر ولدك بالصلاة قبل سبع السابعة، ليس على سبيل التحريم، ولكن على سبيل الأفضلية. لا تبدأ بتعليم ولدك إلا إذا بلغ سبعًا، لأمر النبي صلى الله عليه وسلم: «مروا أولادكم بالصلاة وهم أبناء سبع». يعلمه الفاتحة، ويعلمه ماذا يقول بعد الفاتحة، وكذلك في الركوع والسجود والتحيات. وكذلك يتعلم الطهارة قبل ذلك. وإذا بلغ عشرًا يضرب على التلاعب بها والإهمال لها: «واضربوهم عليها أبناء عشر». فالضرب وسيلة من وسائل التربية، لا أننا نهمل الضرب لأن الولد قد لا ينتفع بالنصائح، لكن لو وجد العصا والسوط، ووجد ضربًا خفيفًا يناسبه ويلائمه، فإنه ينتفع بهذا الضرب: ضرب الرحمة والشفقة، وليس بضرب الإجرام والتكسير وعصم اللحوم إلى غير ذلك. وهكذا، عباد الله، هكذا يعود ويمرن على سائر الطاعات، مثل الصيام، كما كان الحال في زمن النبي صلى الله عليه وسلم: كانوا يصومون أولادهم وهم صغار جدًا، يجعلون لهم اللعبة من الصوف، فإذا جاء أحدهم ألهوه بهذه اللعبة حتى يأتي وقت المغرب. وهكذا بالنسبة للحج، كما في الصحيح من حديث ابن عباس: أن النبي صلى الله عليه وسلم لقي ركبا بالروحاء، فقال: «من القوم؟» قالوا: المسلمون. قالوا: «من أنت؟» قال: «أنا رسول الله». فرفعت إليه امرأة صبية، وقالت: «ألهذا حج؟» قال: «نعم، ولك أجر». وهكذا السائب بن يزيد حج وهو ابن سبع سنين. وكذلك يعلمون الأخلاق الفاضلة والآداب الحميدة: إذا عطس ماذا يقول؟ وإذا تثاءب أنه يكظم، وإذا عطس غيره فحمد الله أن يقول له: يرحمك الله، فيقول له: يهديكم الله يصلح بالكم. آداب السلام: أنه يلقي السلام على من وجد ومن لقي، وكذلك يرد السلام. يعلم كيف يحترم الكبير، وكيف يكون صالحًا بتعليم الصدق والأمانة والعفة، والبعد عن البذاء والفحش، والبعد عن الخيانة والكذب، والبعد عن هذه الأخلاق السيئة. فالحسنة، عباد الله، ما كان عليه الأبوان بالنسبة للطفل، والسيئة ما تركه الأبوان. فنكون قدوة حسنة لأبنائنا، يعني بحسن تصرفنا في بيوتنا، فلا يسمع الولد من صغر سبًا، لا بالحيوانات، ولا بهذا الفحش وهذه البذاءة، وإنما يلقن ويعود على حسن الكلام، وعلى النزاهة والعفة في اللسان، وعلى البعد عن النظر إلى ما حرم الله. بخلاف هؤلاء الذين يعودون أبناءهم من الصغر على النظر إلى هذه التلفزة، وهذه الدشوش، وهذه المجلات الخليعة. عباد الله: من نظر بعينيه إلى من يشرب الخمر، ولم يوجه ويعلم، من مانع أن يشرب الخمر في سن مبكرة؟ وكذلك من نظر إلى من يسرف، من مانع أن يسرف؟ من نظر إلى من يفعل الفواحش، من مانع أن يفعل الفواحش؟ من نظر إلى ما حرم الله سبحانه وتعالى من هذه الأشياء الخطيرة والعظيمة التي تعرض على هذه الشاشات، من مانع أنه يبتدي ويأتسي ويستفيد مما يبث من شرور وسموم في هذه الأجهزة وهذه المجلات الهابطة التي تهدم العقيدة وتفسد الأخلاق وتفسد حياة هذا الطفل؟ فع علينا، عباد الله، أن نتحمل المسؤولية، وأن نقوم بالأمانة. نسأل الله سبحانه وتعالى أن يصلح الجميع، إنه سميع الدعاء. والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.