مكانة العلم عند الفتن

مكانة العلم عند الفتن

الخطبة بعنوان مكانة العلم عند الفتن، ألقاها الشيخ عبدالرحمن بن مرعي العدني

مكانة العلم في مواجهة الفتن

تؤكد الخطبة أن العلم نور وهداية بينما الجهل ظلمة تؤدي إلى انتشار الفتن، وقد حذر النبي ﷺ من ذهاب العلماء وظهور الجهال كسبب رئيس للفتن. لذا فإن العناية بطلب العلم النافع هي السبيل الوحيد للخروج من الأزمات ومواجهة الأفكار الهدامة.

فضل العلم على العبادة وكشف الشبهات

يبرز المقطع فضل طلب العلم على نوافل العبادة بأقوال السلف والقرآن والسنة، موضحاً أن العلماء ورثة الأنبياء ونفعهم يعم الخلق. ويسرد قصتي يزيد الفقير وابن عباس مع الخوارج دليلاً على أن العلم يكشف الشبهات ويرد الضالين إلى الحق.

أهمية العلم النافع في كشف الشبهات

يستعرض الخطيب قصة ابن عباس مع الخوارج وكيف استخدم الحجج الشرعية لدحض شبهاتهم وإعادتهم للحق، ثم يبين دور العلم في حماية المؤمن من الفتن كما في قصة قارون. ويؤكد أن طلب العلم واجب وضرورة قصوى للمسلمين مستدلاً بأقوال الأئمة وسير الأنبياء والصحابة في الحرص على تحصيله.

الرحلة في طلب العلم وأثر السلف

يسلط المقطع الضوء على حرص السلف الصالح على الرحلة لطلب العلم والحديث النبوي، مستشهداً برحلات الصحابة والتابعين مثل جابر بن عبد الله وسعيد بن المسيب وابن مسعود. ويذكر كتابة عمر بن عبد العزيز لتدوين السنة خوفاً من ذهاب العلم، داعياً إلى إحياء هذا الهمم في طلب العلم النافع.

التفريغ النصي الكامل

موقع دار الحديث بالفيوش يقدم هذه المادة: مكانة العلم عند الفتن، خطبة الجمعة لفضيلة شيخنا العلامة عبد الرحمن بن مرعي العدني رحمه الله تعالى. إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾. أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. أيها المسلمون، عباد الله: إننا في زمن الفتن العظيمة والمتلاطمة، وزمن الشبهات الكثيرة والمتنوعة، وزمن الشهوات العديدة المحرمة. واعلموا عباد الله بأن العلم نور وهدى، وبأن الجهل ظلمة وظلال وشقاء. وقد أخبر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم كما في الصحيحين من حديث أبي هريرة، ومن حديث ابن عباس، بأن من علامات الساعة وفي آخر الزمان يقبض العلم ويظهر الجهل وتكثر الفتن. هكذا رتب النبي صلى الله عليه وسلم كثرة الفتن والقتل والهرج على قلة العلم وذهاب العلماء وتفشي الجهل وظهوره وانتشاره وثبوته في المجتمعات. والأمر كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: «إذا انقطع عن الناس نور النبوة وقعوا في ظلمة الفتن، وحصلت بينهم المفاسد والشرور، وكانت البدع والظلمات». إذا انقطع عن الناس نور النبوة وقعوا في الفتن المدلهمة. وقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن أسرع طرق الضلال إلى هذه الأمة هو بذهاب العلماء وكثرة الأدعياء، كما قال عليه الصلاة والسلام في الصحيحين من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص: «إن الله لا يقبض العلم انتزاعاً ينتزعه من صدور الرجال، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء، حتى إذا لم يبق عالماً اتخذ الناس رؤوساً جهالاً، فسئلوا فأفتوا بغير علم، فضلوا وأضلوا». أخبر النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث الشريف أن الأمة محفوظة من الضلال والزيغ والانحراف ما وجد فيها العلم وما وجد فيها العلماء، فإذا ذهب العلماء كان من أعظم الأسباب في حصول الشرور والفتن في المجتمعات. ولهذا في بعض السنن من حديث عوف بن مالك قال: بينما نحن جلوس عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم إذ نظر إلى السماء، فقال: «هذا أوان العلم أن يرفع». فقال رجل من الأنصار يقال له زياد بن لبيد: يا رسول الله، كيف يرفع العلم وفينا كتاب الله وقد علمناه أبناءنا ونساءنا؟ فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «إن كنت لأظنك من أفقه أهل المدينة». ثم ذكر النبي صلى الله عليه وسلم ضلالة أهل الكتابين وعندهم التوراة والإنجيل. وفي حديث شداد بن أوس: أن ذهاب العلم بذهاب أوعيته. فهكذا عباد الله: ضلت اليهود وعندهم التوراة، وضلت النصارى وعندهم الإنجيل، بسبب ذهاب علمائهم الراسخين العاملين. وهكذا هذه الأمة إذا قل فيها العلم وكثر فيها الجهل، وكثر فيها دعاة الضلالة والغواية، وكثر فيها أئمة الجور والضلال، فإن هذا من أعظم الأسباب في انتشار الفتن وكثرتها وتعدادها واستمرارها. فلهذا عباد الله: نحن في زمن كما سمعتم قد كثرت فيه البدع والشرور، وانتشر فيه أئمة الضلال والزيغ والانحراف، ما تركوا مجالاً إلا ودعوا فيه إلى باطلهم، وأبذلوا أموالاً في سبيل نشر عفلهم وانحرافهم، يفسدون ويزعمون أنهم يصلحون، يهدمون ويزعمون أنهم يبنون. وليس بخاف على من قرأ كتاب الله عز وجل قول الله سبحانه وتعالى في شأن المنافقين: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ * أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِن لَّا يَشْعُرُونَ﴾. ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ وَلَكِن لَّا يَعْلَمُونَ﴾. وانظروا عباد الله إلى فرعون الذي قال: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾، والذي قال: ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُم مِّنْ إِلَاهٍ غَيْرِي﴾، كيف يقف مظهر النفس بمظهر الإصلاح والحرص والرحمة والشفقة على أمته فيقول: ﴿مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ﴾، ويقول مخاطباً قوم خوفاً من موسى الكريم عليه الصلاة والسلام: ﴿إِنِّي أَخَافُ أَن يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَن يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ﴾. هكذا كما قال العلماء: إن قلب فرعون الحق، وأنزل موسى الكريم المصلح الرسول الكريم من الله سبحانه وتعالى منزلة المفسدين: ﴿إِنِّي أَخَافُ أَن يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَن يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ﴾. وهكذا اليوم عباد الله: بسبب الجهل تجعل الدياثة تطوراً، ويجعل اقتراح القرآن ونبذ دين من التطور والحضارة، وهكذا تجعل انتهاك الفواحش وشرب المسكرات وتناول المخدرات من الحريات الشخصية، وهكذا يجعلون تحكيم هذه القوانين الوضعية مسايرة للزمن وتطوراً ومواكبة للحضارة أو كما يقولون. بسبب دعاة الجهل والضلالة، وبسبب جهل المسلمين بدينهم، ترى كثيراً منهم من يتلقف هذه الأفكار، ومن يهرول إلى هذه المذاهب الردية. فالحاصل عباد الله: بأن السبيل للخروج بالمسلمين من هذه الورطات وهذه الأزمات هو العناية بالعلم النافع. هذا العلم الذي أوجدت الدنيا كلها لأجل خدمته لا لأجل منافسته. فالله سبحانه وتعالى سخر ما في السماوات وما في الأرض لأجل هذا الإنسان، فقال سبحانه: ﴿وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِّنْهُ﴾. ثم خلق هذا الإنسان لتلكم الحكمة العظيمة، ألا وهي عبادة الله: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾. ومعلوم أنه لن تكون عبادة سليمة من البدع والخرافات إلا من طريق العلم، ولن تكون عقيدة سالمة من الشكوك والشبهات إلا من طريق العلم، ولن تزكى النفوس وتصلح الأرواح وتقوم الجوارح إلا من طريق العلم. ولن نستطيع عباد الله أن نواجه هذه الأفكار الهدامة وهذه المذاهب الدخيلة وهذه البدع المحرمة وهذه الشهوات المحرمة إلا من طريق العلم. لن نستطيع أن نبني جيلاً واعياً متمسكاً تمسكاً صحيحاً بالقرآن والسنة إلا من طريق العلم. فعاد سعادة الدنيا والآخرة إلى هذا العلم النافع الذي مدحه الله سبحانه وتعالى في كتابه وحث عليه ورغب فيه وأبان فضل أهله والحاملين له في آيات كثيرة من كتابه الكريم. ولهذا عباد الله: أدرك السلف الصالح قيمة هذا العلم، فبذلوا الأموال الجزيلة، وأنفقوا الأعمار العديدة، وقطعوا المسافات الطويلة في سبيل تحصيله وجمعه، حتى إنهم إذا تزاحم عندهم الوقت فإنهم يقدمون طلب العلم وجمعه وتحصيله على نوافل العبادات البدنية في حال المزاحمة. فهذا ابن عباس رضي الله تعالى عنهما يقول كما في كتاب المدخل للبيهقي: «تذاكر العلم بعض ليلة أحب إلي من إحيائها». ويقول مطرف بن عبد الله بن الشخير: «فضل العلم خير من فضل العبادة، فضل العلم خير من فضل العبادة، وخير دينكم الورع». رواه الإمام زهير بن حرب أبو خيثم في كتابه العلم. وهكذا يقول الإمام الزهري رحمه الله: «ما عبد الله بمثل الفقه في الدين». رواه عبد الرزاق في مصنفه بسند صحيح. وهكذا يقول الإمام الشافعي، أو يقول الإمام الثوري كما في كتابه المدخل للبيهقي أيضاً: «لا أعلم شيئاً من الأعمال أحسن من العلم، أو من الحديث لمن حسنت نيته». ويقول الشافعي كما في كتاب المناقب لابن أبي حاتم: «طلب العلم أفضل من صلاة النافلة». وفي كتاب الآداب الشرعية لابن مفلح: قال مهنى: قلت لأحمد: أخبرنا ما أفضل الأعمال؟ قال: «طلب العلم». وهكذا في شرح علل الترمذي لابن رجب: قال: «كان أحمد يعظم أبا زرعة، فكان إذا جاء أبو زرعة إلى بغداد ذاكره أحمد، وانشغل بمذاكرته عن كثير من نوافله». وهكذا في ترجمة الإمام مالك من كتاب السير: يقول ابن المبارك: «ما رأيت رجلاً ارتفع كارتفاع مالك». يقول ابن المبارك: «ما رأيت رجلاً ارتفع كارتفاع مالك، وليس عنده كثير صلاة ولا صوم ولا صدقة، إلا أن تكون له سريرة». فقال الذهبي معلقاً رحمه الله: «ما كان عليه من العلم وبثه ونشره خير من نوافل العبادات لمن أراد به وجه الله». فهكذا يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «فضل العالم على العابد كفضل القمر على سائر الكواكب». فضل العالم على العابد كفضل القمر على سائر الكواكب. القمر ينتشر نوره في الآفاق، وينتفع بنوره الحاضر والبادي، والقريب والبعيد، ويحصل من الفوائد والمنافع الشيء الكثير، بخلاف نور الكوكب فإنه لا يكاد يجاوز نفسه. وهكذا بالنسبة للعلماء والعباد: فالعلماء ورثوا الأنبياء، ولا يوصف بذلك العباد، والعباد محتاجون إلى العلماء وليس العكس. وهكذا فائدة العلم تنتقل إلى غير حامله بخلاف العبادة، وهكذا فائدة العلم تبقى أثرها ويعم نفعها للقريب والبعيد. فهكذا عباد الله: اعرفوا قدر العلم وحاجة الأمة إلى هذا العلم النافع. فإن بالعلم النافع عباد الله تكشف شبهات أهل الضلال والبدع والخرافات، بل وأهل الزندقة والشهوات والإلحاد. ربنا تبارك وتعالى يقول في كتابه الكريم: ﴿أَفَمَن يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾. ويقول الله: ﴿وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ هُوَ الْحَقَّ وَيَهْدِي إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾. وفي صحيح الإمام مسلم: انظروا عباد الله إلى هذا الحديث الذي فيه بيان العلم في كشف الشبهات، وفي إرجاع المنحرفين إلى جادة الصواب. في صحيح الإمام مسلم في كتاب الشفاعة من حديث يزيد الفقير قال: «كنت قد شغفني رأي من رأي الخوارج، فخرجت في عصابة ذوي عدد نريد الحج ثم نخرج بأسيافنا على أمة محمد صلى الله عليه وسلم، يعني بعد أداء الحج. قال: فمررنا وقد جاءوا من بلاد العراق، قال: فمررنا بمدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإذا بالصحابي الجليل جابر بن عبد الله متكئاً إلى سارية من سواري المسجد النبوي وهو يعلم الناس ويحدثهم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال: فسمعته يذكر حديث الشفاعة في شأن الجهنميين، وهم أقوام من أهل التوحيد يدخلون النار حتى يصيرون فحماً ثم يخرجون بشفاعة الشافعين أو برحمة أرحم الراحمين سبحانه وتعالى. وهذا مخالف لمعتقد الخوارج الذين يعتقدون فيه أن من دخل النار لا يخرج منها. فقال هذا يزيد الفقير: فقلت له: ماذا تقول يا صاحب رسول الله؟ أليس الله يقول: ﴿إِنَّكَ مَن تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ﴾، ويقول الله: ﴿كُلَّمَا أَرَادُوا أَن يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا فِيهَا﴾؟ قال: أتقرأ القرآن؟ قلت: نعم. قال: فهل وقفت على المقام المحمود الذي يبعث الله عز وجل فيه نبيه؟ قلت: نعم، يريد الآية: ﴿فَعَسَى رَبُّكَ أَن يَبْعَثَكَ مَقَامًا مَّحْمُودًا﴾، ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَّكَ عَسَى أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَّحْمُودًا﴾. ثم سرد عليهم حديث الشفاعة عن النبي صلى الله عليه وسلم: أن أناساً يدخلون النار حتى يصيرون فحماً ثم يخرجون منها، ويلقون في نهر الحياة فتدب لهم الحياة، ويخرجون منها بعد ما تحشوا وصاروا فحماً. قال: فنظر بعضنا إلى بعض، وقلنا: أترون هذا الشيخ يكذب على رسول الله؟ قال: فرجعنا، ولم يخرج منا أحد غير واحد، غير واحد، كانوا جماعة كبيرة. فلما سمعوا الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم ردهم عن قولهم الباطل، واقتنعوا بالحق المبين، ولم يخرج بسيفه يقاتل أمة محمد الذين يشهدون أن لا إله إلا الله غير رجل واحد». وهكذا عباد الله: لا يخفى على كثير منكم، ولكن لا بد أن نكرر إعادته ليسمعهم من لم يكن سمعه: حديث ابن عباس في مناظرته للخوارج، رواه عبد الرزاق والنسائي. لما عزم أمير المؤمنين علي بن أبي طالب أن يقاتل أولئك النفر الذين خرجوا على أمة محمد صلى الله عليه وسلم من الخوارج بأسيافهم، كانوا على موعد في بدء القتال بعد صلاة الظهر. فقال ابن عباس لابن عمه علي بن أبي طالب أمير المؤمنين: «يا أمير المؤمنين، أبرد بالصلاة حتى آتي هؤلاء». قال: «إني أخافهم عليك». قال: «لا، لا تخف». فأتىهم وهم نحو ستة آلاف، وهم يأكلون استعداداً لبدء ومشوب القتال. فسلم عليهم، فقالوا: «مرحباً، ما جاء بك؟» قال: «جئتكم من عند أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من المهاجرين والأنصار، وعليهم أنزل القرآن، فهم أعلم بتأويله منكم، وليس منهم فيكم أحد». فتنحى له جماعة، فقال لهم: «ماذا تنقمون على ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم؟» قالوا: «ننقم عليه ثلاثة أمور». قال: «ما هي؟» قالوا: «حكم الرجال، والله سبحانه وتعالى يقول: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ﴾، فما شأن الرجال والحكم؟» قال: «هذه واحدة». قالوا: «الثانية: قاتل ولم يسبي ولم يغنم، فلو كانوا كفاراً لقد حل سبيهم وغنائمهم، وإن كانوا مسلمين لم يجز قتالهم». قال: «هذه الثانية». قالوا: «الثالثة: أنه محا نفسه من أمير المؤمنين، فإن لم يكن أمير المؤمنين فهو أمير الكافرين». قال: «هذه الثالثة، هل عندكم شيء؟» قالوا: «لا». قال: «أفرأيتم لو تلوت عليكم من كتاب الله ما يرد قولكم أترجعون؟» قالوا: «نعم». قال: «أما قولكم: حكم الرجال، والله يقول: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ﴾، قال: أيما أولى وأفضل: تحكيم الرجال في حكم دماء المسلمين، أو تحكيم الرجال في ثمن أرنب؟» ثم تلا عليهم قول الله عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنتُمْ حُرُمٌ وَمَن قَتَلَهُ مِنكُم مُّتَعَمِّدًا فَجَزَاء مِّثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنكُمْ﴾. إذا قتل مثلاً غزالاً يأتي اثنان ويقولون: هذا الغزال يشبه الكبش، فعليه أن يذبح فدية كبشاً. إذا قتل مثلاً زرافة فيقولون: الزرافة تشبه مثلاً النعامة، فعليه أن يدفع فدية نعامة. وهكذا. قال: «أسألكم، أنشدكم بالله: أحكم الرجال في حقن دماء المسلمين أفضل، أم حكم الرجال في ثمن أرنب؟» قالوا: «لا، هذا أفضل». قالوا: «أوتزيدوننا؟» قال: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِّنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِّنْ أَهْلِهَا إِن يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا﴾. قال: «أفحكم الرجال في حقن دماء المسلمين أفضل، أم حكم الرجال في بضع امرأة؟» قالوا: «لا، هذا أفضل». قال: «أخرجتم من هذه؟» قالوا: «نعم». قال: «أما قولكم: قاتل ولم يسبي ولم يغنم، قال: لا تستحلون من عائشة؟» هم يريدون ما حصل في وقعة الجمل بين عائشة ومن معها من الصحابة من جهة، وبين علي بن أبي طالب ومن معه من الصحابة. فلما انتصر عليهم علي أعاد عائشة إلى مكانها سالمة مسلمة، فأنكر عليه الخوارج: لماذا لم يسبها ولماذا لم يغتنم أموالهم؟ قال: «أفتستحلون من عائشة ما تستحلون من غيرها؟ إن قلتم نعم كفرتم، وإن قلتم ليست بأمنا فقد كفرتم، والله سبحانه وتعالى يقول: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ﴾. قال: فأنتم بين ضلالتين. أفخرجتم من هذه؟» قالوا: «نعم». قال: «أما قولكم: محا نفسه من أمير المؤمنين، فإن لم يكن أمير المؤمنين فهو أمير الكافرين، قال: فأنا أخبركم ما جرى للنبي صلى الله عليه وسلم يوم الحديبية حينما صالح كفار قريش، وقال لعلي بن أبي طالب وكان هو الكاتب: اكتب: هذا ما صالح عليه محمد رسول الله أهل مكة. فاعترض أهل مكة وقالوا: لو كنا نعلم أنك رسول الله ما قاتلناك، ولكن اكتب اسمك واسم أبيك الذي نعرفه. فقال النبي صلى الله عليه وسلم لعلي بن أبي طالب: اكتب: هذا ما صالح عليه محمد بن عبد الله أهل مكة، والله يعلم أني نبي. فقال لهم ابن عباس: هل لما محا النبي صلى الله عليه وسلم عن نفسه وصف النبوة هل لم يكن بذلك نبياً؟» قال: «أخرجتم من هذه؟» قالوا: «نعم». فرجع من الستة آلاف ألفان، وخرج أربعة آلاف، قتلهم المهاجرون والأنصار بأسيافهم. فهذا عباد الله فيه بيان أهمية العلم في كشف الشبهات، وفي بيان عوار أهل الباطل والفساد. والله سبحانه وتعالى يقول في كتابه الكريم: ﴿وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا﴾. لا يأتونك بشبه إلا في كتاب الله ما يكشفها، لا يأتونك بباطل إلا في كتاب الله ما يبينه، لا يأتونك بباطل وبغث إلا في كتاب الله ما يفضحه. ووفق الله الجميع لما يحب ويرضى. الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، ولا عدوان إلا على الظالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد: فهكذا عباد الله: بالعلم النافع تدفع الشهوات وتكبت الشهوات. ودليل ذلك من كتاب الله سبحانه وتعالى ما أخبر الله عز وجل به عن قارون وقومه، وكيف أن أهل الشهوات وأهل الجهل اغتروا بالظاهر الفاسد، فخرج على قومه في زينته، قال الذين يريدون الحياة الدنيا: ﴿يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾. فعصم الله سبحانه وتعالى أهل العلم والإيمان، فتيقنوا في أنفسهم، بل صاروا محذرين لمن حولهم، وقال الذين أوتوا العلم والإيمان: ﴿وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِّمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا وَلَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الصَّابِرُونَ﴾. فلم يندم هؤلاء حينما خسف بقارون: ﴿فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِن فِئَةٍ يَنصُرُونَهُ مِن دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ الْمُنتَصِرِينَ * وَأَصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكَانَهُ بِالْأَمْسِ يَقُولُونَ وَيْكَأَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ﴾ الآية. فالحاصل أنه بالعلم عباد الله تكشف الشبهات وتكبت الشهوات، وينصر دين الله سبحانه وتعالى، ويعبد الله عز وجل حق عبادته. فأنت أخي المسلم في أمس الحاجة أن تحصن نفسك بالعلوم الشرعية التي بها تقتنع بالحق الذي بعث الله عز وجل به رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وتعلم أن ما خالفه أن ما خالفه مجرد شبه ومجرد أباطيل. وهكذا عباد الله: تقوى النفوس وتستعد للقاء الله سبحانه وتعالى، فتسارع إلى الامتثال للأوامر واجتناب النواهي. فالحاصل أنه ينبغي على المسلمين أن يكرسوا جهودهم، وأن يذلوا من أوقاتهم، وأن ينفقوا من أموالهم في سبيل تحصيل هذا العلم النافع الذي به عز الإسلام والمسلمين، وبه انتصار الحق ودحر الباطل. فالمسلمون اليوم وفي غير اليوم في أمس الحاجة إلى هذا العلم النافع. فحاجتهم إلى العلم النافع كما قال الإمام أحمد رحمه الله: «أحوج من حاجتهم إلى الطعام والشراب، يحتاجون إلى العلم النافع بعدد أنفاسهم». وإلا حصلت الشرور كما قال الإمام مالك رحمه الله: «إن قوماً ابتغوا العبادة بغير علم، فخرجوا على أمة محمد صلى الله عليه وسلم بأسيافهم». إن قوماً ابتغوا العبادة بغير علم، فخرجوا على أمة محمد صلى الله عليه وسلم بأسيافهم. فهكذا عباد الله: لو نظرنا إلى سير العلماء المتقدمين من الصحابة ومن جاء بعدهم، بل إلى أنبياء الله سبحانه وتعالى، لو وجدنا الشيء العجيب: كيف تفانوا وكيف ضحوا وكيف بذلوا واجتهدوا في سبيل تحصيل العلم النافع. هذا موسى عليه الصلاة والسلام لم تمنع تلك السيادة التي كان عليها من أن يحرص على طلب المزيد من العلم، كما في الصحيحين من حديث أبي بن كعب: «بينما موسى عليه الصلاة والسلام في ملأ من بني إسرائيل إذ قيل له: أتعلم أحداً أعلم منك؟ قال: لا. قيل له: بلى، عبدنا الخضر. فطلب موسى السبيل للقاء نبي الله الخضر، وقصته معروفة كما في سورة الكهف». وهكذا عباد الله: في الصحيح من حديث ابن عباس أن وفد عبد القيس جاءوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: «مرحباً». قال: «من القوم أو الوفد؟» قالوا: «عبد القيس». قال: «مرحباً بالقوم أو بالوفد، غير خزايا ولا ندامة». قالوا: «يا رسول الله، تعلم ما بيننا وبين هذا الحي من كفار مضر، ولا نستطيع أن نأتيك إلا في الشهر الحرام، فمرنا بأمر فصل نعمل به ونخبر به من وراءنا وندخل به الجنة». فأمرهم بالإيمان وبالصلاة وبالصدقة وبأداء الخمس من المغنم إلى آخر الحديث. قطعوا مسافة طويلة في سبيل تحصيل العلم. وجاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو يخطب الجمعة، فقال: «يا رسول الله، رجل غريب جاء يسأل عن دينه، ما يعرف ما دينه». فنزل النبي صلى الله عليه وسلم، ودعا بكرسي وجلس عليه، فجعل يعلمه مما علمه الله سبحانه وتعالى. وعقبة بن الحارث رحل من مكة إلى المدينة ليسأل النبي صلى الله عليه وسلم حينما تزوج امرأة، فجاءت عجوز وقالت: «قد أرضعتكما الزوج والزوجة»، يعني صارا أخوين من الرضاعة. فقال: «أنا لا أعلم، ولا أحد يعمنك أرضعتين». فانطلق هملاً بعيره، وسافر من مكة إلى المدينة ليسأل النبي صلى الله عليه وسلم عن هذه المسألة. وعليه بوّب البخاري: باب الرحلة في المسألة الواحدة. وفي البخاري معلقاً ووصله غير بسند حسن عن جابر بن عبد الله أنه رحل من المدينة إلى مصر مسيرة شهر لأجل أن يسأل عبد الله بن أنيس عن حديث سمعه من النبي صلى الله عليه وسلم. وسعيد بن المسيب القائل: «إن كنت لأرحل الليالي والأيام في سبيل سماع الحديث الواحد». وسعيد بن جبير رحل من العراق إلى مكة ليسمع من ابن عباس حديث اللعان. والشعبي رحمه الله حدث رجلاً بحديث وقال: «خذوا مجاناً، إن كان أحدنا ليرحل إلى ما دون ذلك»، يعني إلى ما دون المدينة في حديث واحد، أو فما قال رحمه الله. وعبد الله بن مسعود كما في الصحيحين هو القائل: «والذي والذي لا إله غيره، ما من سورة في كتاب الله إلا وأنا أعلم أين نزلت، وفي من نزلت. ولو أعلم رجلاً أعلم بكتاب الله مني تبلغه الإبل لركبت إليه». والله الذي لا إله غيره، ما من سورة في كتاب الله إلا وأنا أعلم أين نزلت، وفي من نزلت، ولو أعلم رجلاً أعلم بكتاب الله مني تبلغه الإبل لركبت إليه. هكذا الآثار عن السلف الصالح، فينبغي إحياء هذا العلم والتفاني في تحصيله. عمر بن عبد العزيز في زمنه يكتب إلى العالم الجليل أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، يقول له: «انظر ما كان من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم فاكتبه، فإني خفت دروس العلم وذهاب العلماء». يكتب إليه في زمنه وكان عامراً بالعلم والعلماء: «انظر ما كان من حديث رسول الله فاكتبه ودونه واجمعه، فإني خفت دروس العلم»، يعني ذهاب وانطماس العلم، وذهاب العلماء. هكذا في زمنه، فكيف بزمننا عباد الله؟ هذا مما يشحذ الهمم في سبيل تحصيل العلم النافع. وفق الله الجميع لما يحب ويرضى. الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وآله وصحبه.