كتاب الصلاة  49

كتاب الصلاة 49

الدرس في كتاب الصلاة 49، الدرس التاسع والأربعون:من( اختلاف العلماء:الصحيح عند الأصوليين أن أفعال النبي صلى الله عليه وسلم ... فافترش رجله اليسرى وأقبل بصدره اليمنى على قبلته ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

أحكام أفعال النبي ﷺ في الصلاة

تناول الشارح مسألة دلالة أفعال النبي ﷺ على الوجوب أو الاستحباب في الصلاة، حيث يرى أن الأصل هو الاستحباب إلا إذا ورد دليل يقتضي الوجوب. ثم تطرق إلى خلاف العلماء حول وجوب التشهد الأول والجلوس له.

حكم الرجوع للتشهد الأول وسجود السهو

إذا قام المصلي إلى الركعة الثالثة دون الجلوس للتشهد الأول، فعليه الاستمرار في صلاته ثم سجود السهو. يشرح الشيخ الحديث المتعلق بهذا الحكم ويبين صحة سجود السهو في جبر الواجب والمسنون.

الخلاف في حكم الجلسات في الصلاة

يتناول المقطع الخلاف بين المذاهب الفقهية حول الافتراش والتورك في الصلاة، حيث يرى الشافعية والحنابلة أن التورك يكون في التشهد الأخير إذا كانت الصلاة ذات تشهدين. يُرجح الكاتب قول الشافعية والحنابلة لورود أحاديث تدعم التفصيل في حكم التورك.

  • 27 جمادى الآخرة 1431هـ - 09/06/2010مـ
التفريغ النصي الكامل

الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. قال الشارح -رحمه الله تعالى-: قال خلاف العلماء، قال الصحيح عند الوصوليين أن أفعال النبي ﷺ لا تدل على الوجوب، وإنما تدل على الاستحباب، إلا إذا ورد ما يقتضي ذلك -يعني من الوجوب-. قال: وهذه الأفعال والأقوال الموصوفة في هذا الحديث تدل على الوجوب، باقتران حديث «صلوا كما رأيتموني أصلي»، متفق عليه. وهذا الأصل فيها، ولكن يوجد في وجوب بعضها خلاف بين العلماء لتعارض الأدلة. فمن ذلك التشهد الأول والجلوس له في الصلاة ذات التشهدين، فقد ذهب الإمام أحمد، والليث، وإسحاق، وداود، وأبو ثور، والشافعي في إحدى الروايتين عنه، إلى وجوبهما، مستدلين بالأحاديث الواردة في التشهد من غير تقييد بتشهد أخير. فمنها هذا الحديث الذي معنا، ومنها حديث عبد الله بن مسعود الذي رواه النسائي، ورواه الإمام أحمد من طرق رجاله ثقات، وهو أن محمد ﷺ قال: «إذا قعدتم في كل ركعتين فقولوا: التحيات لله...» إلى آخره. والحديث أصله في صحيح البخاري. قال: وذهب الإمام أبو حنيفة، ومالك، والشافعي في الرواية الأخرى عنه، إلى استحبابها. ودليلهم أن النبي ﷺ تركهما سهوًا ولم يرجع إليهما، وجاء هذا في قصة عبد الله بن مالك بن بحينة أن النبي ﷺ صلى بهم الظهر، فقام -عليه الصلاة والسلام- من الركعتين، ولم يرجع، فلما كان في آخر صلاته سجد سجدتين. ولكن هل يدل هذا على عدم الوجوب، أم يدل على تقسيم الواجب إلى ما هو فرض، وما هو واجب لا يصل إلى مرتبة الفرضية؟ فما كان واجبًا لا يصل إلى مرتبة الفرضية ينجبر بسجدتي السهو، وهذا الحديث يدل عليه. وما كان من فرض فإنه لا ينجبر إلا بالإتيان به ولابد، فإن كان الركن قريبًا رجع إليه، وإن كان بعيدًا أتى بركعة كاملة. فمثلًا: قام الإنسان إلى الركعة الثانية، وسجد سجدة واحدة، ثم قيل له: سبحان الله، فتذكر أنه لم يسجد إلا سجدة واحدة، هل يستمر في صلاته؟ الجواب: لا يرجع، فيسجد السجدة الثانية، لابد أن يرجع، وبعد أن ينتهي من صلاته قبل السلام يسجد سجدتي سهو، تجبر هذا السهو الذي حصل له في الصلاة. بخلاف التشهد الأول، لو قام إلى الركعة الثالثة ولم يجلس للتشهد الأول، فقيل له: سبحان الله، فلا يرجع إلى التشهد الأول، بل ما دام انتقل إلى عمل آخر يبقى في عمله الثاني الذي انتقل إليه، ثم يسجد سجود السهو كما سمعتم قبل السلام. قال: والجواب أن الرجوع إليهما إنما يجب إذا ذكر المصلي قبل أن يعتمد قائمًا، لما روى أبو داود عن المغيرة بن شعبة عن النبي ﷺ أنه قال: «إذا قام أحدكم في ركعتين فلم يستتم قائمًا فليجلس، فإذا استتم قائمًا فلا يجلس ويسجد سجدتي السهو». وهذا الحديث لا يصح عن النبي ﷺ، وقد أشار المعلق إلى العلل التي فيه، ففيه جابر الجعفي وهو متروك الحديث، وجاء في بعض الطرق من طريق ابن أبي ليلى، وهو محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، سيء الحفظ ومضطرب الحديث. فبعض أهل العلم حسن هذا الحديث بمجموع طرقه، وبعضهم يرى أن مثل هذا لا يصلح للتحسين؛ لأن في بعض أسانيده من هو متروك، والمتروك ليس في مرتبة الشواهد والمتابعات. لكن بالجملة معناه صحيح؛ لأن فعل النبي ﷺ دل عليه، فقد رويت أحاديث تدل على هذا المعنى من فعله ﷺ. قال -رحمه الله-: وسجود السهو يجبر الواجب والمسنون. الواجب مثل التشهد الأول، وأما المسنون من الأفعال، فعلى من يقول بأن بعض أفعال الصلاة سنة يصلح أن يكون في الأفعال ما يجبر بسجود سهو. وعلى من يقول: كل ما فعله النبي ﷺ في الصلاة فهو واجب، فإذا السنة فيها ليس فيه سجود سهو. مثلًا: التورك من سنة الصلاة، فإذا لم يتورك هل يسجد سجود السهو؟ الصحيح: لا، لا يسجد سجود السهو. وهكذا الافتراش في التشهد الأول من سنن الصلاة، هل إذا لم يتفرش يسجد سجود السهو؟ الجواب: لا. لكن من جعل مثلًا التشهد الأول سنة -والصحيح أنه واجب- فهو يجعل سجود السهو لأجل السنة -والصحيح أنه واجب وليس بسنة-. قال: واختلفوا في الصفة المستحبة في الجلوس، فذهبت الحنفية إلى الافتراش في جميع جلسات الصلاة، سواء بين السجدتين والتشهدين الأول أو الأخير. ويقابلهم المالكية، فهم يرون مشروعية التورك في كل جلسات الصلاة، سواء ما كان منها للتشهدين أو كان بين السجدتين. وعرفنا الفرق بين الافتراش والتورك: الافتراش أن يفترش رجله اليسرى ويجلس عليها، والتورك أن يدخل رجله اليسرى تحت رجله وساقه اليمنى ويجلس بإليته على الأرض. وللتورك كيفيتان، سبقت الإشارة إليهما. قال: وذهب الشافعية إلى الافتراش في التشهد الأول من الصلاة ذات التشهدين، وإلى التورك في التشهد الأخير، سواء أكانت الصلاة ثنائية أم أكثر من ذلك. وذهبت الحنابلة إلى الافتراش في التشهد الأول، وفي التشهد الأخير إذا كانت الصلاة ليس فيها إلا تشهد واحد، وإلى التورك في التشهد الأخير من الصلاة ذات التشهدين. وهذا الخلاف لخلاف فهم ما روي من أحاديث في هذا الباب، أو لأن بعضهم لم تبلغهم الأحاديث في الباب. وأقرب الأقوال وأصحها -والله أعلم- القول الأخير؛ لما جاء معنا في حديث علي أنه علم التورك إذا كان في غير ركعتين، فعلم أنه عام، سواء أكانت ركعتين في ثنايا أربع أو ثلاث، أو كانت ركعتين يسلم منهما. فما زاد عن ذلك ففيه التورك، أو ما اختلف عن ذلك ففيه التورك: ثلاث أو أربع، أي في الرابعة أو الثالثة، أو كذلك في الوتر الخامسة أو السابعة أو التاسعة أو الحادي عشر. حتى قال بعض أهل العلم: حتى الركعة الواحدة فيها تورك؛ لأنها دون الركعتين، فلو صلى الوتر ركعتين ركعتين ركعتين ثم أوثر بواحدة، فإنه في الواحدة هذه يشرع له التورك. والأمر في هذا واسع وسهل، فمن رأى أن الأدلة تقتضي هذا فعل، أو ذاك فعل، إلا أن قول الشافعية والحنابلة أقرب الأقوال إلى الصواب. أما قول الحنفية والمالكية فمن أبعد الأقوال عن الصواب في هذه المسألة. قال: ودليل الحنفية ما رواه سعيد بن منصور عن وائل بن حجر قال: «صليت خلف النبي ﷺ، فلما قعد وتشهد فرش رجله اليسرى على الأرض وجلس عليها». وهذا الحديث على صحته لا يدل أنه يفعل ذلك في كل الصلوات وفي كل وقت، بل يحمل أنه إذا كان في الركعتين -كما مر معناه فيما تقدم- على ما ترجح من مذهب حنابلة. قال: وما رواه أحمد عن رفاعة بن رافع أن النبي ﷺ قال: «إذا جلست فاجلس على رجلك اليسرى». وهذا كذلك يحمل على التفصيل الذي سبق، خصوصًا أنه قد ثبت فعل التورك عن النبي ﷺ. قال: وأخرج الترمذي وصححه من حديث أبي حميد أن رسول الله ﷺ «جلس -يعني للتشهد- فافترش رجله اليسرى وأقبل بصدر اليمنى على قبلته». وكل هذه الأحاديث وغيرها كثير، منها الصحيح ومنها غير صحيح، فعلى تقدير صحتها جميعًا فهي لا تدل على أن هذا يفعل في كل الصلوات وفي كل تشهد، بل حسبها أن تدل أن هذا يفعل في التشهد الأول أو التشهد الأخير إذا كان من ركعتين. وأما ما كان من غير ركعتين في التشهد الثاني، أو من ركعة واحدة كالوتر، فإنه على الصحيح يتورك. وهذا الحديث الأخير دل -أشار المعلق أن أصله في صحيح البخاري-. نقف إلى هنا لانتهاء الوقت، ونترك الباقي إلى درس اللاحق، والأسئلة ما شاء الله تتراكم من يوم إلى يوم، فلعلنا نجعل أحد الأيام للإجابة على الأسئلة إن شاء الله -أي هذه المجتمعة-.