37-باب بيان غلظ تحريم قتل الإنسان نفسه وأن من قتل نفسه بشيء عذب به في النار . 38-باب غلظ تحريم الغلول وأنه لا يدخل الجنة إلا المؤمنون . 39-باب هل يؤاخذ بأعمال الجاهلية؟ . 40-باب كون الإسلام يهدم ما قبله وكذا الهجرة والحج . 41-باب حكم عمل الكافر إذا أسلم بعده. 42-باب صدق الإيمان وإخلاصه .
يتناول هذا الفصل تحريم قتل النفس وخطورة الانتحار مستنداً إلى أحاديث نبوية تحذر من هذه الأفعال وتوضح عاقبتها. كما يشير إلى أهمية الإسلام في محو الذنوب السابقة.
يناقش هذا الفصل عقيدة أهل السنة والجماعة في أهل الكبائر، ويبين أنهم لا يخرجون من الإيمان. كما يشدد على أهمية الإحسان وحسن الخاتمة.
يشرح هذا الفصل كيف أن الإسلام يجب ما قبله من السيئات إذا حسن إسلام المرء، بينما يؤاخذ المرء بما كان منه في الجاهلية والإسلام معًا إذا أساء في الإسلام.
يتناول هذا الفصل خطورة الشرك وأثره على الإيمان والأعمال، موضحًا أن الشرك يحبط الأعمال ويضر بالإيمان، بينما الذنوب الأخرى تحت المشيئة الإلهية.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. قال: باب بيان غلظ تحريم قتل الإنسان نفسه، وأن من قتل نفسه بشيء عذب به في النار، وأنه لا يدخل الجنة إلا نفس مسلمة. قال: حديث أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من تردى من جبل فقتل نفسه، فهو في نار جهنم يتردى فيه خالدًا مخلدًا فيها أبدًا، ومن تحسى سمًا فقتل نفسه، فسمه في يده يتحساه في نار جهنم خالدًا مخلدًا فيها أبدًا، ومن قتل نفسه بحديدة، فحديدته في يده يجأ بها في بطنه في نار جهنم خالدًا مخلدًا فيها أبدًا». قال: أخرجه البخاري في كتاب الطب، باب شرب السم والدواء به، وبما يخاف منه. قال: حديث ثابت بن الضحاك، وكان من أصحاب الشجرة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من حلف على ملة غير الإسلام، فهو كما قال، وليس على ابن آدم نذر فيما لا يملك، ومن قتل نفسه بشيء في الدنيا، عذب به يوم القيامة، ومن لعن مؤمنًا فهو كقتله، ومن قذف مؤمنًا بكفر فهو كقتله». أخرجه البخاري في كتاب الأدب، باب ما ينهى من السباب واللعن. قال: حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: شهدنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم خيبرًا، فقال لرجل ممن يدعي الإسلام: «هذا من أهل النار» -يعني يدعي أي ينسب- قال: فلما حضرنا القتال، قاتل الرجل قتالًا شديدًا، فأصابته جراحة، فقيل: يا رسول الله، الرجل الذي قلت إنه من أهل النار، فإنه قاتل اليوم قتالًا شديدًا، وقد مات. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «إلى النار». فكاد بعض الناس أن يرتاب -يعني كيف وقد مات في أرض القتال- قال: فبينما هم على ذلك، إذ قيل له: إنه لم يمت، ولكن به جراحًا شديدًا. فلما كان من الليل، لم يصبر على الجراح، فقتل نفسه. فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم بذلك، فقال: «الله أكبر، أشهد أني عبد الله ورسوله». ثم أمر بلالًا فنادى في الناس: «أنه لا يدخل الجنة إلا نفس مسلمة، وأن الله ليؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر». أخرجه البخاري في كتاب الجهاد، باب إن الله يؤيد الدين بالرجل الفاجر. قال: حديث سهل بن سعد الساعدي رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم التقاه والمشركون، فاقتتلوا. فلما مال رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى عسكره، ومال الآخرون إلى عسكرهم، وفي أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم رجل لا يدع لهم شاذة ولا فاذة إلا اتبعها يضربها بسيفه. فقالوا: ما الله أجزأ منا اليوم أحدًا كما أجزأ فلانًا. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أما إنه من أهل النار». فقال رجل من القوم: أنا صاحبه أبدًا. قال: فخرج معه كلما وقف، وقف معه، وإذا أسرع أسرع معه. قال: فجريح الرجل جرحًا شديدًا، فاستعجل الموت، فوضع نصل سيفه بالأرض، ودبابه بين ثدييه، ثم تحامل على نفسه، فقتل نفسه. فخرج الرجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: أشهد أنك رسول الله. قال: «وما ذاك؟» قال: الرجل الذي ذكرت آنفًا أنه من أهل النار، فأعظم الناس ذلك. فقلت: أنا لكم به. فخرجت في طلبه، ثم جرح جرحًا شديدًا، فاستعجل الموت، فوضع نصل سيفه بالأرض، ودبابه بين ثدييه، ثم تحامل عليه، فقتل نفسه. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم عند ذلك: «إن الرجل ليعمل عمل أهل الجنة فيما يبدو للناس، وهو من أهل النار، وإن الرجل ليعمل عمل أهل النار فيما يبدو للناس، وهو من أهل الجنة». أخرجه البخاري في كتاب الجهاد، باب لا يقول فلان شهيد. قال: حديث جندب بن عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كان فيمن كان قبلكم رجل به جرح، فجزع، فأخذ سكينًا، فحز بها يده، فما رقأ الدم حتى مات. قال الله تعالى: «بادرني عبدي بنفسه، حرمت عليه الجنة». أخرجه البخاري في كتاب الأنبياء، باب ما ذكر عن بني إسرائيل. قال: باب غلظ تحريم الغلول، وأنه لا يدخل الجنة إلا المؤمنون. قال: حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: افتتحنا خيبر، ولم نغنم ذهبًا ولا فضة، وإنما غنمنا البقر والإبل والمتاع والحوائط. ثم انصرفنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى وادي القرى، ومعه عبد له يقال له مدعم، أهداه له أحد بني الضباب. فبينما هو يحط رحل رسول الله صلى الله عليه وسلم، إذ جاءه سهم عائر، حتى أصاب ذلك العبد. فقال الناس: هنيئًا له الشهادة. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «بلى، والذي نفس بيده، إن الشملة التي أصابها يوم خيبر من المغانم، لم تصبها المقاسم، لتشتعل عليه نارًا». فجاء رجل حين سمع ذلك من النبي صلى الله عليه وسلم بشراك أو بشراكين، فقال: «هذا شيء كنت أصبته». فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «شراك أو شراكان من نار». أخرجه البخاري بكتاب المغازي، باب غزوة خيبر. قال: باب هل يؤاخذ بأعمال الجاهلية. قال: حديث ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال رجل: يا رسول الله، أنؤاخذ بما عملنا في الجاهلية؟ قال: «من أحسن في الإسلام، لم يؤاخذ بما عمل في الجاهلية، ومن أساء في الإسلام، أخذ بالأول والآخر». أخرجه البخاري بكتاب استتابة المرتدين، باب إثم من أشرك بالله. قال: باب كون الإسلام يهدم ما قبله، وكذا الهجرة والحج. حديث ابن عباس رضي الله عنهما: أن ناسًا من أهل الشرك كانوا قد قتلوا وأكثروا، وزنوا وأكثروا. فأتوا محمدًا صلى الله عليه وسلم، فقالوا: إن الذي تقول وتدعو إليه لحسن، لو تخبرنا أن لما عملنا كفارة. فنزل: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ﴾. ونزل: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ﴾. أخرجه البخاري بكتاب التفسير، سورة الزمر. قال: باب حكم عمل الكافر إذا أسلم بعده. حديث حكيم بن حزام رضي الله عنه قال: قلت: يا رسول الله، أرأيت أشياء كنت أتحنث بها في الجاهلية -من صدقة أو عتاقة أو صلة رحم- فهل فيها من أجر؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «أسلمت على ما سلف من خير». أخرجه البخاري بكتاب الزكاة، باب من تصدق في الشرك ثم أسلم. قال: باب صدق الإيمان وإخلاصه. حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: لما نزلت: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ شق ذلك على المسلمين. فقالوا: يا رسول الله، أينا لا يظلم نفسه؟ قال: «ليس ذلك، إنما هو الشرك. ألم تسمعوا ما قال لقمان لابنه وهو يعظه: ﴿يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾». أخرجه البخاري في كتاب الأنبياء، باب قول الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ﴾. أورد المؤلف رحمه الله هذه الأحاديث بأبوابها في كتاب الإيمان، وعلاقتها بكتاب الإيمان ظاهرة، فقد تضمنت مسائل كثيرة من مسائل الإيمان. أول هذه الأبواب في هذه المجموعة المقرؤة قوله: باب بيان غلظ تحريم قتل الإنسان نفسه، وأن من قتل نفسه بشيء عذب به في النار، وأنه لا يدخل الجنة إلا نفس مسلمة. وفي هذا بيان ما تقدم من أن الإيمان يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية، وأنه ليس شيء واحد إذا ذهب بعضه ذهب كله، بل قد يذهب بعضه. فإذا ذهب بعضه نقص، وهناك ما يذهب كله من نواقضه. وفيه كذلك تحريم قتل الإنسان نفسه خاصة، وأنه إذا فعل ذلك فقد فعل كبيرة عظيمة توجب غضب الله وصخته وعذابه يوم القيامة. ولا يعني ذلك أنه خارج من المشيئة، بل هو لم يزل تحت المشيئة لعموم قول الله جل وعلا: ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾. ولكن نرجو للمحسن ونخاف على المسيء. وقد أورد فيه أحاديث: الحديث الأول حديث أبي هريرة، وقد أورده البخاري بالباب المشار إليه بلفظه. وهذه الأحاديث فيها مسائل كثيرة من أهمها فيها تحريم قتل النفس، فإن قتل النفس من الكبائر العظيمة. وقد تقدم معنا اقتران القتل بالشرك في عدة من أدلة الكتاب والسنة، فيدل ذلك على عظم هذه الكبيرة في دين الإسلام. وقد جاء في بعض الأحاديث تسمية هذا الفعل كفرًا. وحديث ابن مسعود في الصحيحين مر معنا: «سباب المسلم فسوق، وقتاله كفر». فكيف بقتل النفس؟ فهو أشد. ومع ذلك فليس هو بالكفر الذي يخرج من دين الإسلام، ولهذا بوب في صحيح مسلم: باب الدليل على أن قاتل نفسه لا يكفر. ثم ذكر حديث جابر بن عبد الله: أن الطفيل بن عمر الدوسي أتى النبي صلى الله عليه وسلم قبل الهجرة، وعرض عليه حصنًا في الجاهلية كان يتحصنون به في بلده، يأوي إليه ومن معه من المسلمين، فاعتذر النبي صلى الله عليه وسلم لما كان من وعد الأنصار. فلما هاجر النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، هاجر الطفيل ومعه صاحب له، فاجتووا جو المدينة، فجزع صاحبه -أي صاحب الطفيل- فقطع براجمه بمشقص -يعني أصابعه- لم يستطع الصبر، فمات من ذلك. فرآه الطفيل في المنام، فقال: ما صنع بك ربك؟ وقد رآه رؤية حسنة. فقال: غفر لي بما كان من هجرتي. فقال له: وما لأرى أصابعك -يعني مقطوعة- قال: قيل لي: لن نصلح ما أفسدت. فأخبر بذلك النبي صلى الله عليه وسلم، فدعا له النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: «اللهم وليديه فاغفر، اللهم وليديه فاغفر». فهذا الحديث يدل أن بعض من يقتل نفسه قد يغفر الله له، فهم تحت المشيئة، وهو دليل صحيح صريح على أن قاتل النفس ليس من الكفار. بل فيه دليل أن بعضهم قد ينجون بفضل الله ورحمته. وفيه دليل كذلك أن لرحمة الله وفضله أسبابًا، فمن أسبابها الأعمال الصالحة. فرب عمل صالح يكون سببًا لتكفير سيئة، ولو كانت السيئة كبيرة. وهذا يصدق قول الله جل وعلا: ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾. وبهذه الأدلة وغيرها كثير يصح ويتأكد ما سبق تقريره من عقيدة أهل السنة والجماعة في أهل الكبائر، وأن أهل الكبائر لا يخرجون من مسمى الإيمان مطلقًا. فلهم اسم مطلق الإيمان، وليس لهم اسم الإيمان المطلق. فلا يعطون الإيمان المطلق، كما لا ينزع منهم مطلق الإيمان. فهم مؤمنون بأصل إسلامهم، وهم ليس لهم الإيمان المطلق بمعصيتهم. ولذلك يكون معنى كافر -أي الكفر دون كفر- الكفر دون كفر. وفي هذه الأحاديث من المسائل كذلك عدم الجزم لأحد بجنة أو نار، فإن نرجو للمحسن ونخاف على المسيء. وفيه كذلك أن لا يغتر إنسان بعمل صالح لنفسه ولا لغيره، فإنما الأعمال بالخواتيم. فعلى المسلم أن يحرص على الإحسان في نفسه، ويجتهد بالإحسان لغيره أن يحسن الله عز وجل الخاتمة، فالعبرة بالخواتيم. وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم: «الأعمال بالخواتيم». وهكذا كذلك فيه من المسائل ما كان يخبر به النبي صلى الله عليه وسلم من الغيب، فهو لا يعلم من الغيب إلا ما علمه الله، ويدل عليه قوله: «الله أكبر، أشهد أني عبد الله ورسوله». فهو إنما أعلم أو أعلم بما أعلم، فأعلم أصحابه بما أعلمه الله. فلما تحقق ذلك، تأكد له أن ذلك من الحق الذي أخبره الله جل وعلا به. وفيه من المسائل كذلك أن لا نحكم على أحد بشهادة، فالشهادة جزم بالجنة. ولهذا ذكر البخاري هذا الحديث في باب لا يقال فلان شهيد. فالله أعلم بمن قتل في سبيله، كما صح عن النبي عليه الصلاة والسلام في حديث أبي هريرة. ولكن نرجو للمحسن ونخاف على المسيء. فتقول لمن قتل في أرض المعركة، وفي قتال في سبيل الله: نرجوه شهيدًا، ونسأل الله أن يتقبله شهيدًا. وأما أن تقول: هو شهيد، فهذا ليس بصحيح. فنحن لا ندري من الذي قد تقبله الله شهيدًا. وهذا الحديث وغيره مما ورد في معناه يدل كذلك عليه. وفي هذه الأحاديث كذلك دليل على أن الجزاء من جنس العمل، وهي قاعدة عامة. فما ذكر في هذا في باب قتل النفس، كذلك هو في غيره. كذلك هو في غيره. وترون أن من قتل نفسه، فإنه يقتل نفسه به، ولا يزال عذب به يوم القيامة. وهكذا كذلك في هذه الأحاديث من المسائل أن شرع من قبلنا شرع لنا، إن لم يخالف شرعنا. فإنما ذكر في حديث جندب من قصة الرجل الذي كان فيمن كان قبلنا، ذكر على وجه التشريع والاستفادة من هذا الخبر. وهذا يؤيد ما ذكره العلماء من القاعدة المذكورة التي فهمت من أدلة الكتاب والسنة. فشرع من قبلنا شرع لنا إذا لم يخالف شرعنا. وها هنا تنبيه: فهذا الحديث حديث جندب ذكر في بعض النسخ في باب الأذان، وأن يؤذن قبل الإقامة. وهو في الحقيقة تبع للباب الذي قبله. وهذا الخطأ يكثر في كثير من نسخ صحيح البخاري. وأما الأبواب التي بعد، فقد ذكر فيها باب غلظ تحريم الغلول، فذكر حديث أبي هريرة رضي الله عنه. وهذا الحديث أخرجه البخاري في الباب المشار إليه بلفظه. وفي هذا الحديث من المسائل تحريم الغلول، وأنه سبب لعدم دخول الجنة. ولكن المراد الدخول الأولي، كما تقدم جمعًا بين الأدلة. وعلى القاعدة العامة في هذا الباب، وهذا مما يجري فيه الاضطراد. فالغلول كبيرة من الكبائر، لكن لا تخرج من دين الإسلام، ولا تحرم دخول الجنة على الإطلاق. وإنما المراد الدخول الأولي، جمعًا بين الأدلة. وكما سبق الإشارة إليه. وفيه من المسائل كذلك خطر الغلول على صاحبه، فإن الغلول له ضرر على صاحبه في الدنيا، وكذلك في الآخرة. فمن الدنيا كما قال العلماء: عدم حسن الخاتمة. وأما الآخرة، فعظيم عذاب الله وغضبه. فإذا كان هذا في حق من حضر مع النبي صلى الله عليه وسلم وقاتل معه وخدمه، فكيف بمن دونه؟ وفيه كذلك أن لا يغتر أحد بعمله، فإنه ليس بين الله وخلقه نسب ولا صهر. فمن أطاع الله رجى ما عنده، ومن عصاه فليخف من عذابه وغضبه ونقمته. فإذا كان هذا في حق من ظاهرهم الفضل، فكيف بمن دونهم؟ وفيه كذلك حد القليل الذي قد يكون كذلك من الغلول، ولا يظنه الإنسان من الغلول، مثل الشراك الذي رده الرجل. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «شراك أو شراكان من نار». وقد اختلف العلماء ما هو القليل الذي يعفى عنه؟ فقد صح في أحاديث ومرت معنا في كتاب الجهاد قريبًا: أنه عفي عن بعض ما يؤخذ، كالسمن ونحوه مما جاءت به بعض النصوص. والضابط في هذا كما قال العلماء: هو ما لا تستشرفه النفوس ولا تشح به، وما هو مظنة الفساد إذا لم يؤخذ، كالمعتصر من الشراب، فإنه لا يبقى. وكاليسير من الطعام ونحوه مما إما لا تستشرفه النفوس ولا تشح به، وإما تركه مظنة فساده وخرابه. فأخذ مثل هذا قبل المقسم لا يعد من الغلول، جمعًا بين الأدلة الواردة في هذا الباب. وفيه دليل كذلك أن أخذ شيء من الغنائم قبل قسمته يعد حرامًا، حتى ولو نويا أن يعرف به. فهذا لا يجوز، وبهذا صحت بعض الأحاديث في أمر النبي صلى الله عليه وسلم بإكفاء القدور على من طبخ شيئًا من المغنم قبل قسمه. لأنه عد حرامًا، لأنه عد حرامًا على اختلاف ما قيل في هذه الرواية. وهذا أحد وجهين في تفسير ما ذكر، وكل هذا كما نرى له تعلق بزيادة الإيمان ونقصانه. فهو يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية. وما ذكر لا يعني نفي الإيمان، فقوله: «لا يدخل الجنة إلا المؤمنون» الذي جاءت به الأحاديث، لا يعني نفي الإيمان بالمرة. ولكن نقصانه، عدم تمامه على ما سبق ذكره. وهنا حديث انفرد به مسلم من حديث ابن عباس عن عمر رضي الله عنه قال: كان يوم خيبر أقبل نفر من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، فقالوا: فلان شهيد، فلان شهيد، حتى مروا على رجل، فقالوا: فلان شهيد. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «إني رأيته في النار في بردة غلها أو عباءة». ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اذهب فناد في الناس: أنه لا يدخل الجنة إلا المؤمنون». قال: فخرجت وناديت: «ألا إنه لا يدخل الجنة إلا المؤمنون». والمراد ها هنا بالمؤمنين كما تقدم: أهل الإيمان الصادق أو أهل الإيمان الكامل. وليس معناه أن من فعل معصية فحرام عليه الجنة تحريمًا مطلقًا. وإنما المراد الدخول الأولي، فلا يسلم من النار، ولا يدخل الجنة دخولًا أوليًا إلا المؤمنون الذين تحقق فيهم الإيمان وصدق فيهم الإيمان وكمل فيهم الإيمان. والمراد بالكمال ها هنا كما تقدم: الكمال الواجب للكمال المستحب. وقوله: باب هل يؤاخذ بأعمال الجاهلية؟ أورد حديث ابن مسعود، وقد أورده البخاري في الباب المشار إليه بلفظه. وفيه ما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم من أن المرء يكون على ما كان في الجاهلية، فإن أحسن أحسن إليه، وإن أساء أخذ بما كان من سيئته. وقد أشكل هذا الحديث على الكثير من أهل العلم، إذ ورد كما سيأتي في الباب الذي بعده: أن المسلم إذا أسلم، أن الكافر إذا أسلم يغفر له ما سبق. كما قال الله عز وجل: ﴿إِن يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُم مَّا قَدْ سَلَفَ﴾. وكما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «الإسلام يجب ما قبله». وكما قال لحكيم بن حزام: «أسلمت على ما سلف من خير». وعلى هذا ذهب بعض أهل العلم يتأولون هذا الحديث. فقيل: المراد بالإساءة في الإسلام الكفر والنفاق. فإذا كفر أو حصل منه نفاق أخذ بالأول والآخر. وأجابهم بعض أهل العلم بأن هذا ليس بصحيح. فإنه لو وقع منه كفر لم يكن منه أصلا إسلام، أو كان منه نفاق. ولو وقع بعد ذلك كانت ردته. ولكن المراد أدق من هذا. وأتأول بعضهم: فقيل: المراد بالمؤاخذة التوبيخ على الماضي والمعاقبة على الحاضر. والمراد بالماضي ما كان في الجاهلية. والصواب الذي عليه المحققون من أهل العلم، وهو رواية عن إمام أحمد وجماعة من أهل الحديث والحنابلة وجماعة من الشافعية. وهو الصواب الذي تدل عليه الأدلة: أن المراد بالمؤاخذة هاهنا على ظاهرها. ولكن بحسب جنس ما كان منه. فإن كان قد حصل منه في أصل الدين إساءة، فإنه يؤخذ بكل ما كان منه بالجاهلية. كأن يكون نافق بعد ذلك أو ارتد العياذ بالله، فإنه يؤاخذ بالأول والآخر. أو كانت الإساءة في بعض ذنوبه، كأن يكون مبتلى بالزنا، ثم في الإسلام رجع والعياذ بالله إلى الزنا، فإنه لا يغفر له ما قد سبق، بل يؤاخذ بالآخر والأول معًا. وأما إذا تاب وحسن وحسن توبته، فإنه يغفر له ما سبق مما كان في جاهليته. وعموم الأدلة تدل على هذا. ومنها ما سيأتي في البابين اللاحقين. وبعده أتبع بقوله: باب كون الإسلام يهدم ما قبله، وكذا الهجرة والحج. وكما نرى هذه الأدلة الواردة تدل على هذا المعنى من الكتاب ومن السنة. ففي حديث ابن عباس، فقد أورد البخاري هذا الحديث بلفظه في الباب المشار إليه. وفيه ما تقدم من أن الإسلام يجب ما قبله، ولو كان قبله ما كان من الكبائر. حتى ولو كان فيه شيء من حقوق الآدميين، لأنه قال: «قتلوا وأكثروا، وزنوا وأكثروا». ومع ذلك إذا أسلم الكافر وحسن إسلامه، فإن الإسلام يجب ما قبله أي جميعًا. فيخرج كيوم ولدته أمه. وهو والحج كما سيأتي ولهذا قال: «الهجرة والحج». «الإسلام يهدم ما قبله، وكذا الهجرة والحج». لما صحت به الأحاديث وسيأتي في موضعه إن شاء الله. وكذلك يقال ها هنا: أن هذا مقيد بالإحسان. وأما إذا أساء، فإنه كما تقدم يؤاخذ بما كان من إساءته. ومن أساء في الإسلام أخذ بالأول والآخر. ثم أورد باب حكم عمل الكافر إذا أسلم ما بعده، وذكر حديث حكيم بن حزام. وقد أخرجه البخاري بالباب المشار إليه بلفظه. وفي هذا الحديث ما يكون من بقاء حسنات الكافر إذا أسلم. فما كان له من حسنات، فمن عظيم فضل الله وواسع رحمته وعطائه يحفظها له. وهذا حديث حكيم بن حزام ظاهر الدلالة في ذلك. قال: «أرأيت أشياء كنت أتحنث بها في الجاهلية -من صدقة أو عتاقة أو صلة رحم- إلى آخره». فقال: «أسلمت على ما سلف من خير». وهذا هو ما تقدم: فإن الإنسان إذا أحسن في الإسلام لم يؤاخذ بما عمل في الجاهلية. بل يكتب له ما كان من حسن عمله بالجاهلية. وهذا من فضل الله. وأما إذا أساء أخذ بالأول والآخر. وفيه دليل كذلك أن المشركين كانت لهم عبادات على خلاف قول المشركين المتأخرين. إذ زعموا أنهم لم تكن لهم عبادات. فهذا دليل من أدلة كثيرة تدل أن لهم عبادات. وهكذا كذلك فيه دليل على أن إحسان المشركين لم يقبل منهم ولم يثبت لهم بسبب شركهم. فالشرك يحبط جميع الأعمال كما قال سبحانه: ﴿وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُم مَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾. وأخيرًا ما جاء في حديث ابن مسعود في باب صدق الإيمان وإخلاصه. فأخرجه البخاري في الباب المشار إليه بلفظه. والحديث يدل على خطر الشرك وعظم أمره. فالشرك يضر بالإيمان، وكذلك يكون سببًا في حرمان صاحبه إياه. ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ ﴿أُولَٰئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ﴾. ولهذا حمل من حمل من أهل العلم هذه الآية على عمومها: من أن الشرك أصغره وأكبره يضر بالإيمان. يضر بالإيمان. وأما المعاصي فتكفرها أعمال صالحة إذا كانت منها توبة، فهي من باب أولى. وإذا لم تكن توبة، فأصل الإيمان عسى أن يكفرها. وأما الشرك فلا يغفره الله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَٰلِكَ لِمَن يَشَاءُ﴾. وهل الشرك الأصغر يغفر أو لا يغفر أو هو داخل تحت المشيئة؟ فيه خلاف بين أهل العلم. وعمومات الأدلة تدل أنه داخل تحت المشيئة. وذهب جماعة من أهل العلم استدلالًا بهذه الآية وبآية سورة النساء: أنه لا يغفر. فعلى المسلم الحذر من الشرك أكبره وأصغره، فإنه يخشى عليه أن يؤاخذ به في الدنيا فضلًا عن الآخرة. لأن الله وعد بالأمن والاهتداء لمن سلم من الظلم وهو الشرك. كما فسر في هذا الحديث وبآية سورة لقمان. وفي هذا دليل كذلك على أن الشرك يضر بالأعمال ويحبطها إذا كان أكبر. ويضر بصاحبه بالدنيا والآخرة إذا كان أصغر، كما قال على وجه لبعض أهل العلم. وفي مقابل هذا أن سائر الذنوب الأخرى تحت المشيئة على ما تقدم وتقرر من أدلة الكتاب والسنة. هذا خلاصة ما يذكر في هذه الأحاديث. وإلى هنا والله تعالى أعلم. يقول: هل التأبيد في النار يكون في حق المؤمن الذي تحت المشيئة؟ مثل ما جاء فيمن يقتل نفسه؟ وضح السؤال: ماذا تقصد بالتأبيد في النار في حق المؤمن؟ تريد الكبائر وسائر الذنوب ما دون الشرك؟ إن كان كذلك فنعم. وإن قصدت شيئًا آخر فبينه. وإن قد تقدم أن قتل النفس فاعل كبيرة. وكل الكبائر والذنوب سوى الشرك تحت المشيئة. ومع ذلك لا ينبغي لمسلم أن يهون الذنوب والمعاصي. لأننا نرجو للمحسن ونخاف على المسيء. والله تعالى أعلم.