كتاب الإيمان  28

كتاب الإيمان 28

الدرس في كتاب الإيمان 28، باب بيان خصال المنافق . ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

مقدمة في خصال المنافق وشرح الأحاديث النبوية

يبدأ الدرس بشرح حديثين نبويين عن خصال المنافق، الأول لعبد الله بن عمر والثاني لأبي هريرة، ويبين أن الاختلاف في عدد الخصال بين الحديثين يدل على الأهمية وليس تعارضًا.

شرح صفات المنافقين والنفاق العملي ودلالته

يشرح المقطع صفات المنافقين والنفاق العملي، ويحذر من ظهور صفات المنافقين على المسلم، ويوضح معاني الخصال الأربع المذكورة في الحديث: الخيانة، الكذب، الغدر، والفجور.

تتمة الكلام عن صفات المنافقين ودلالة الأحاديث عليها

يستمر الشرح في بيان معاني الفجور في الخصومة وصفات المنافقين كما وردت في الأحاديث النبوية، ويبين دلالة هذه الأحاديث على أهم العلامات التي تدل على النفاق.

اختتام الدرس واستعراض النقاط الرئيسية

يتم اختتام الدرس باستعراض بعض الأحاديث السابقة التي تشرح المعنى المطلوب، وتنتهي بنهاية مبينة على العلم الإلهي.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. قال المؤلف رحمه الله تعالى: باب بيان خصال المنافق. قال حديث عبد الله بن عمر: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أربع من كن فيه كان منافقًا خالصًا، ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها: إذا أُتُمن خان، وإذا حدث كذب، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر». قال: أخرجه البخاري رحمه الله في كتاب الإيمان، باب علامة المنافق. قال حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا أُتُمن خان». أخرجه البخاري بكتاب الإيمان، باب علامة المنافق. أورد رحمه الله هذين الحديثين في باب بيان خصال المنافق، وهي من الأحاديث الصحيحة التي اتفق عليها الشيخان البخاري ومسلم. وعلى قاعدة المؤلف رحمه الله: أنه يذكر التبويب بما بوب له في صحيح مسلم، ويذكر ألفاظ الأحاديث بما جاء في صحيح البخاري. فالحديث الأول كما أشار هو لفظ الإمام البخاري في كتاب الإيمان، باب علامة المنافق. وقد أخرجه رحمه الله من طريق شيخه قبيصة بن عقبة، قال: حدثنا سفيان عن الأعمش عن عبد الله بن مر عن مسروق عن عبد الله بن عمر، فذكر الحديث بلفظه. وسفيان هاهنا هو الثوري؛ لأن قبيصة إذا روى عن سفيان فهو الثوري. وإن كان في رواية قبيصة عن الثوري كلام، إلا أن البخاري رحمه الله انتقى من أحاديثه كما تقدم معنا في دروس سابقة. وأما الحديث الثاني فهو كذلك لفظ الإمام البخاري. وقد أخرجه الإمام البخاري رحمه الله في الباب المشار إليه، فقال رحمه الله: حدثنا سليمان بن الربيع، قال: حدثنا إسماعيل بن جعفر، قال: حدثنا نافع بن مالك ابن أبي عامر أبو سهيل عن أبيه عن أبي هريرة رضي الله عنه. وقد أخرجه مسلم رحمه الله من نفس الطريق من طريق نافع بن مالك إلى آخره بنفس اللفظ. وهكذا كذلك الحديث الذي قبله من طريق الأعمش عن عبد الله بن مر عن مسروق. وله طريق أخرى بلفظ الإمام البخاري رحمه الله. وأما الحديث الثاني حديث أبي هريرة فقد زاد مسلم في رواية له من طريق العلاء بن عبد الرحمن، قال: «وإن صام وصلى وزعم أنه مسلم». فهذه الزيادة انفرد بها الإمام مسلم في حديث أبي هريرة رضي الله عنه من طريق العلاء بن عبد الرحمن. هذان الحديثان فيهما مسائل كثيرة، من أهمها في هذين الحديثين ذكر خصال المنافق. وقد جاء في حديث عبد الله بن عمر أنها أربع، وفي حديث أبي هريرة أنها ثلاث. وهل بينهما تعارض؟ الصحيح لا، ليس بينهما تعارض. وقد تقدم معنا في دروس سابقة أن مفهوم العدد في القول الصحيح من قول الأصوليين وأهل العلم: أنه لا يفيد الحصر، ولكنه يدل على الأهمية. فإنما ذكر هو أهم الخصال، وليست الخصال محصورة بهذا المذكور. وبهذا يعلم أن اختلاف ذكر العدد ليس من باب التعارض، ولكن من باب ذكر المهم والأهم. فما ذكر أقل لا ينافيه ذكر الزائد. وعلى هذا كذلك يعلم أن ما ذكر في بعض الروايات لا ينافي ما لم يذكر؛ لأن المقصود هو ذكر الأهم من صفات المنافقين. فإن للمنافقين صفات كثيرة، ومن تتبعها وجدها أنها أكثر من هذه الأربعة أو الثلاث، بل أكثر من سبع، بل أكثر من عشر. فمن صفات المنافقين أنهم تثقل عليهم الصلاة، وإذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى. ومن صفات المنافقين الرياء في العبادات والطاعات، ومنها الصلاة يراؤون الناس ولا يذكرون الله إلا قليلا. ومن صفات المنافقين أنهم لا يذكرون الله إلا قليلا. وغير ذلك من صفات المنافقين. وفي هذا الحديث حديث عبد الله بن عمر بيان أن من اجتمعت فيه هذه الخصال الأربع فهو منافق خالص. وهل يفيد هذا أنه يكون به خارجًا عن دين الإسلام؟ الصحيح الذي عليه جمهور أهل العلم: أنه ليس المقصود به كذلك، ولكن المقصود أنه اجتمعت فيه أكثر خصال النفاق وأهمها وأعلاها. فمن اجتمعت فيه كاد أن يكون منافقًا خالصًا لموافقته للمنافقين في هذه الأعمال والصفات. ولا يعني ذلك أن من اجتمعت فيه هذه الصفات فهو كافر وأنه خرج من دين الإسلام؛ لأن الصحيح أن النفاق المذكور في هذين الحديثين هو النفاق العملي. وقد يكون علامة على النفاق الاعتقادي، لكن ما في القلوب لا يعلمها إلا الله. فنحن لنا الظاهر، فما دام أنه أقام أركان الإسلام وأظهر كذلك أركان الإيمان فهو المسلم المؤمن، لكن إن وجدت فيه خصال النفاق فهو مؤمن ناقص في إيمانه ومسلم قدح في إسلامه بظهور هذه الصفات والخصال من خصال المنافقين. فإذن قوله عليه الصلاة والسلام: «أربع من كن فيه كان منافقًا خالصًا»، المراد بذلك خلوص صفات النفاق العملية، صفات النفاق العملية لا الاعتقادية. وإن كانت قد تكون كذلك عند أهل النفاق الاعتقادي. فمن علامات النفاق الاعتقادي ظهور هذه الصفات التي هي من صفات المنافقين. وكان في ذكر هذا السياق تحذير المؤمن من أن تكون فيه صفات المنافقين، حتى لا يتخلق المسلم بهذه الخصال والخلال. ففي رواية البخاري قال: «خصلة». وفي لفظ لمسلم قال: «خلة». وفيه من المسائل كذلك التحذير من هذه الصفات الأربع على وجه الخصوص، وأنها من أعظم ما ينافي الإيمان، وأنها من أعظم صفات النفاق. أولها: إذا أُتُمن خان، أي الخيانة في الأمانة. وإذا حدث كذب، أي الكذب في الحديث. وإذا عاهد غدر، أي غدر العهد. وإذا خاصم فجر، أي الفجور في الخصومة. وخيانة الأمانة لها صور وكيفيات كثيرة، فكل ما يدخل شرعًا وعرفًا ولغة في معنى الخيانة فهو من الخيانة المذكورة في هذا الحديث. ففي الشرع مثلا الخيانة في الغنيمة يعتبر من الخيانة. وهكذا كذلك في الشرع والعرف وكذلك في اللغة الخيانة في القيام بالمال المستأمن عليه بالانتهاب منه يعد خيانة. وهكذا كذلك قد تكون أشياء في العرف تعد خيانة فيجري الحكم عليها، فيتفاوت الناس في هذه الخيانة، فهم كذلك تفاوتون في صفة هذا النفاق. وهكذا كذلك الكذب في الحديث، وهكذا كذلك الغدر في العهد، والفجور في الخصومة. والمراد بالفجور في الخصومة هو الإصرار على الباطل والمخاصم فيه بغير حق. فإذا كان كذلك فهو فجور في الخصومة، ولو لم يصدر من صاحبه لفظ فاجر أو فعل فاجر. فإذا صدر منه لفظ فاجر كأن يسب ويشتم ويكشف السر فهذا فجور لفظي وفعلي. أو كذلك يفعل ما لا يليق بالبر من معاني الفجور الفعلية، فهو كذلك من معنى الفجور في الخصومة كضرب الضعيف. فإنها من معاني الفجور، ضرب الضعيف من الفجور، وهو كذلك خلق ذميم لا يفعله إلا الأنذال. أما أهل العزة والعفة والبر فإنهم وإن خاصموا فهم لا يفجرون ولا ينزلون إلى خلق يكون فيه نذالة. ولكن كما جاء في الأحاديث: إن وقع شيء من الخصومة فيجتمعان في الله ويفترقان كذلك لله سبحانه وتعالى، إن كان ولابد فبالحق والعدل. والعدل فكل معنى من معاني الخروج عن الحق والإصرار على الباطل فهو من الفجور في الخصومة. فإذا كان معه فاحش القول والفعل فهو أشد وأشد. وهكذا في حديث أبي هريرة قال: «آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب». ونلاحظ في لفظ حديث أبي هريرة ولفظ حديث عبد الله بن عمر افتراق. فقوله: «آية المنافق ثلاث» يعني من آيات المنافقين، وليس هذا حصر. وقوله: «أربع من كن فيه كان منافقًا خالصًا» كذلك لا يدل هذا السياق أبدًا على الحصر، ولكن يدل أن من اجتمعت فيه هذه الخصلة الأربع فهو المنافق الخالص، أي الذي كما تقدم تجتمع فيه صفات المنافقين أو كادت أن تجتمع فيه صفات المنافقين فيكون مثلهم خالصًا. وبهذا يجتمع ما يظن أنه تعارض وليس بتعارض. وهكذا لو جاء في بعض الروايات والأحاديث بل آيات القرآن ذكر شيء من صفات المنافقين، فلا يعني ذلك أنه منافي لما جاء في هذين الحديثين. بل ما ذكر في هذين الحديثين هو من أهم أبرز علامات المنافقين، وإلا فللمنافقين علامات كثيرة. وقد ألف بعض أهل العلم بعض الكتب في ذكر صفات المنافقين؛ يعني للحذر والتحذير منها. وقوله: «إذا حدث كذب» يوافق حديث عبد الله بن عمر. «وإذا وعد أخلف» هذا من مزيد على حديث عبد الله بن عمر. «وإذا أُتُمن خان» هذا يوافق ما تقدم. وهكذا إخلاف الوعد من صفات المنافقين. وهل إخلاف الوعد من صفات المنافقين يعني كل إخلاف يكون مذمومًا؟ الجواب: يستثنى من ذلك أي إخلاف الوعد أحد أمور ثلاثة. أولها: ما كان إخلاف في خير، فهو مدح وليس بذم. كونك مثلًا تعد أن تعذب أو تنتقم أو تجازي السيئة بالسيئة فتعفو وتخلف، فهذا مدح وليس بذم. وإنما المراد بالوعد الذي لا يكون على هذا المعنى. وهكذا كذلك ما كان من إكراه أو كان من خطأ، فإن الله عز وجل تجاوز عن هذه الأمة ما استكره عليه والخطأ والنسيان. فبهذا يعلم أن أهل الإسلام في هذا الباب وصد بين غلو الغالين وبين إفراط المفرطين. فلا يكون كالمنافقين الذين يخلفون في المواعيد وفي الوعود، ولا كذلك يبالغون فلا يعذرون من جعل الله عز وجل له عذرًا. كما لا يعني ذلك أن يتكى على هذه الأعذار فيصير من صفة الإنسان التخلف عن الوعود بحجة هذه الأعذار التي جعلت رخصًا في الشرع. ولكن الأمر كما هو، هذا هو المقصود والمطلوب شرعًا. وفي هذين الحديثين كذلك من المسائل: أسلوب من أساليب التعليم، وهو الإجمال قبل التفصيل؛ فإنه أدعى في حفظ العلم. وفيه كذلك استعمال مفهوم العدد في التعليم؛ فإنه كذلك أعوى في حفظ العلم. وفيه كذلك استعمال ذكر الأهم والمهم تنويهًا وتنبيهًا إلى غيره. وهذا كثير في أحاديث النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وهو يقترن كثيرًا مع استعمال مفهوم العدد. وقد مرت معنا بعض الأحاديث في دروس سابقة توضح وتجلي هذا المعنى. نكتفي بهذا القدر، وإلى هنا والله تعالى أعلم.