المحاضرة بعنوان الإستعانة على ثبات الدين بالزهد في الدنيا والرغبة في اﻵخرة، ألقاها الشيخ عبدالرحمن بن مرعي العدني
تؤكد المحاضرة على نعمة الهداية للإسلام والسنة النبوية وسط مكائد الأعداء، وتحث على الثبات بالتمسك بالقرآن والسنة والإكثار من الصالحات. كما تذكر بزوال الدنيا وغرورها، وتدعو إلى الزهد فيها والرغبة في دار الآخرة الباقية دار النعيم الدائم.
يحذر الخطيب من حب الدنيا المفرط والمنافسة عليها، مذكراً بيوم القيامة حيث تُعرض السرائر ولا ينفع مال ولا جاه. ويدعو المسلمين إلى الثبات على الدين، والقناعة بما قسم الله، والفرح بنعم الإسلام والهداية والأمن.
يحذر المقطع من الاغترار بتقلب الكفار في البلاد لأن متاعهم قليل ومصيرهم جهنم، ويبين أن السعادة الحقيقية لا تكون بمجرد الانتساب للإسلام. بل بتحقيق التوحيد والعقيدة الصحيحة والتعلم والعمل بالعلم، وأن النصر من الله لمن اعتنى بالتوحيد وسار على منهج الرسل.
يختتم المتحدث الجلسة بالدعاء للجميع بالتوفيق من الله تعالى، ويحمد الله رب العالمين، ويصلي ويسلم على النبي محمد وآله وصحبه أجمعين. مع الإشارة إلى أن الترجمة من إعداد نانسي قنقر.
موقع دار الحديث بالفيوش يقدم هذه المادة: الاستعانة على ثبات الدين بالزهد في الدنيا والرغبة في الآخرة، محاضرة قيمة لفضيلة شيخنا العلامة عبد الرحمن بن مرعي العدني رحمه الله تعالى. إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد: فهذه الكلمة النافعة الجامعة المفيدة التي ذكر فيها الجميع بعظيم نعمة الله عز وجل علينا، أن الله سبحانه وتعالى حفظنا من هذه الملل المحرفة، وهذه الأديان المنسوخة، وحفظنا ربنا تبارك وتعالى من هذه المذاهب المبتدعة، وهذه الطرق المعوجة، ثم أدانا إلى دين الإسلام، وأدانا إلى سنة المصطفى عليه الصلاة والسلام. نعمة عظيمة، عباد الله، يحيى بها المسلم حياة طيبة وحياة كريمة وحياة سعيدة. نعم، عباد الله، أن يكون الله عز وجل قد اصطفاك واجتباك، أن يكون الله تبارك وتعالى وفقك وعداك إلى كتابه وإلى سنة نبيه صلى الله عليه وعلى آله وسلم، مع كثرة الخطاطيف، وكثرة العوائق، وكثرة المنغصات، وكثرة الأعداء الذين يتربصون بك الدوائر، والذين يعملون في الصباح والمساء على صدك عن دينك، وعلى إبعادك عن منهج رسولك محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم. ما أكثر المخططات، عباد الله، وما أكثر المكائد، وما أكثر الطاقات، وما أكثر الأموال التي تبذل في سبيل صد المسلم عن دينه وإبعاده عن سنة نبيه محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم. ومع ذلك، الفضل لله تبارك وتعالى، نرى كثيرًا من المسلمين، من العرب ومن العجم، من أهل المدن والقرى والحاضرة والبادية، من يقبلون على دين الله تبارك وتعالى إقبالًا عظيمًا، يتسارعون إلى هذا الخير، ويتسابقون إلى رحاب هذا الدين، ويتسابقون في الوصول إلى أفياء هذه الدعوة المباركة. هذه نعمة عظيمة، عباد الله، عليك أن تستشعر من قرارة قلبك عظيم نعمة الله عز وجل عليك، وعليك أن تسأل ربك تبارك وتعالى الثبات على دينه والثبات على سنة نبيه صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فإن عدوك الأكبر الشيطان الرجيم حريص غاية الحرص على إبعاد الناس. قال الله سبحانه وتعالى مخبرًا عنه: ﴿ثُمَّ لَآتِيَنَّهُم مِّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَن شَمَائِلِهِمْ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ﴾ [الأعراف: 17]. وهكذا يقول الله مخبرًا عنه: ﴿لَأَغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾ [الحجر: 39-40]. وهكذا يقول مخبرًا عنه: ﴿لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: 62]، ﴿لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلًا﴾. نعم، عباد الله، هذه أمنية الشيطان الرجيم، وهذه أمنية أعوانه وأنصاره وجنوده من شياطين الإنس والجن، الذين عباد الله يبذلون ويسعون ويعملون في الصباح والمساء لأجل إبعاد المسلم عن دينه. يحسدوننا، عباد الله، غاية الحسد وأعظم الحسد على هذا الخير الذي وفقنا الله عز وجل إليه. فهم كما قال الله: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُم مِّن بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِّنْ عِندِ أَنفُسِهِم مِّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ﴾ [البقرة: 109]. نعم، عباد الله، فاحمدوا الله سبحانه وتعالى على هذا الخير الذي يوفقكم الله إليه، واحرصوا عباد الله جميعا على الثبات على هذا الدين، وعلى هذه السنة المطهرة، وعلى هذه الدعوة المباركة، حتى يتوفاكم الله تبارك وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ * وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنتُمْ عَلَىٰ شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ [آل عمران: 102-103]. نعم، عباد الله، تستعين بالثبات على دينه وعلى سنة نبيه صلى الله عليه وسلم بالاعتصام العظيم بكتاب الله وسنة نبيه عليه الصلاة والسلام. فإن من ثبت على القرآن والسنة واعتصم بالقرآن والسنة يهدي إلى صراط مستقيم، ﴿وَمَن يَعْتَصِم بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ [آل عمران: 101]. ويقول الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَن تَبِعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى * وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى * قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنتُ بَصِيرًا * قَالَ كَذَٰلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَٰلِكَ الْيَوْمَ تُنسَى * وَكَذَٰلِكَ نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ وَلَمْ يُؤْمِن بِآيَاتِ رَبِّهِ وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَى﴾ [طه: 123-127]. نعم، عباد الله، كتاب الله سبحانه وتعالى فيه الهدى والنور، فيه العظة، وفيه الذكرى، فيه الشفاء، وفيه الرحمة، فيه أسباب الثبات على الخير، فيه أسباب الثبات على الخير. عباد الله، فإن الله عز وجل يقول في كتابه الكريم: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُم مَّوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِّمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ﴾ [يونس: 57]. وهكذا يقول الله: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَٰلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ﴾ [يونس: 58]. وهكذا، عباد الله، نستعين على ثبات على دين الله بالإكثار من الأعمال الصالحة، وبالزهد في الدنيا والرغبة في الآخرة. فإن هذه الدنيا جرارة، وهذه الدنيا غرارة، وهذه الدنيا زائلة ومؤقتة، وإنما الحياة الباقية والحياة الدائمة والحياة السرمدية هي حياة الآخرة. أليس الله يقول في كتابه الكريم: ﴿وَمَا هَٰذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [العنكبوت: 64]، ﴿وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾. هذه حياتك يا عبد الله التي ينبغي أن تسارع إليها، والتي ينبغي أن تحرص على الفوز فيها، والتي ينبغي أن تحرص على عمارتها. فالله تبارك وتعالى أن أرسل الرسل، وأنزل الكتب، وجعل للعباد هذه الأسماع، وهذه الأبصار، وهذه الأفئدة، وهذه الجوارح لينتفعوا بها، وليستفيدوا منها، ولتقودهم إلى أعظم نعيم وأغلى سلعة، ألا وهي جنة الله تبارك وتعالى. ثم جعل لنا موعدًا جميعًا ننتقل ونرد إلى الله تبارك وتعالى: ﴿ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ أَلَا لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ﴾ [الأنعام: 62]. تنتقل إلى الله تبارك وتعالى فريدًا وحيدًا، لا زوجة، ولا مال، ولا ولد، ولا قبيلة، ولا عشيرة، ولا وظيفة، وإنما كما قال الله تبارك وتعالى في كتابه الكريم: ﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَىٰ كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُم مَّا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ وَمَا نَرَىٰ مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنكُم مَّا كُنتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ [الأنعام: 94]. نعم، عباد الله، يوم القيامة لا ثياب جميلة ولا زينة ظاهرة، إنما يوم القيامة تعرضون، لا تخفى منكم خافية. فعلى المسلم أن يسعى بالثبات على دين الله، على الثبات على دين الله بالزهد في الدنيا والرغبة في الآخرة. فإن هذه الدنيا كثير من الناس قد أحبها حبًا جمًا، وحرص على جمعها، وحرص على تحصينها، كما قال الله: ﴿كَلَّا بَلْ تُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ * وَتَذَرُونَ الْآخِرَةَ﴾ [القيامة: 20-21]. وكما قال الله في كتابه الكريم: ﴿كَمَا قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ جَمَعَ مَالًا وَعَدَّدَهُ﴾ [الهمزة: 2]. وكما قال الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم مخبرًا عن حال كثير من الناس: ﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا * وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ [الأعلى: 16-17]. هذه الدنيا، كثير من الناس لأجل محبته لها وحرصه عليها ومسابقته إليها، مستعد أن يبيع دينه بعرض من الدنيا قليل، مستعد أن يبيع كتاب الله وسنة رسوله، مستعد أن يقاتل من أجلها، مستعد أن يسرق من أجلها، مستعد أن يتقاطع مع أرحامه ويترك والديه ويهجر أصدقاءه لأجل هذه الدنيا. وصدق النبي صلى الله عليه وسلم إذ يقول: «والله ما الفقر أخشى عليكم، ولكن أخشى عليكم الدنيا أن تبسط كما بسطت على من كان قبلكم، فتنافسوها كما تنافسوها، فتهلككم كما أهلكتهم». وهكذا يقول النبي صلى الله عليه وسلم مخاطبًا الصحابة: «كيف أنتم إذا فتحت عليكم فارس والروم؟» قال عبد الرحمن بن عوف: نكون كما أمرنا الله، نحمده ونشكره ونسأله من فضله. قال: «وغير ذلك؟ تتقاتلون، ثم تتنافسون، ثم تتباغضون، ثم تتدابرون». وهكذا وقع، عباد الله، ما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم في كثير من هذه الأمة. نعم، لا يرى دينًا شيئًا يذكر، ولكن الدنيا وحطامها وشهواتها وملذاتها، فإنه حريص على تحصيلها، فإنه حريص على الوصول إليها. فالله الله، عباد الله، بالاستعداد للقاء الله تبارك وتعالى. الله الله، عباد الله، بالحرص على النجاة غدًا، يوم أن تقف الخلائق كلها، لا قريب ولا صديق، ولا شفيع مطاع، لا مال ولا زوجة ولا ولد. ﴿وَيَوْمَئِذٍ تَعْرِضُونَ لَا تَخْفَىٰ مِنكُمْ خَافِيَةٌ﴾ [الحاقة: 18]، ﴿يَوْمَئِذٍ تَعْرِضُونَ لَا تَخْفَىٰ مِنكُمْ خَافِيَةٌ﴾. ﴿يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ﴾ [الطارق: 9]، ﴿وَيَوْمَ يُنْكَشِفُ مَا فِي الْبَغَائِطِ﴾ [القلم: 42]، ﴿وَيَوْمَ يُخْرَجُ مَا فِي الصُّدُورِ﴾ [العاديات: 10]. ﴿أَفَلَا يَعْلَمُ إِذَا بُعْثِرَ مَا فِي الْقُبُورِ * وَحُصِّلَ مَا فِي الصُّدُورِ * إِنَّ رَبَّهُم بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّخَبِيرٌ﴾ [العاديات: 9-11]. فأحرص، عبد الله، على الثبات على دينك بالقناعة، بالفرح بنعمة الله، أن تفرح بنعمة الإسلام، أن تفرح بنعمة الهداية، أن تفرح بنعمة الأمن والاستقرار، أن تفرح بنعمة هذه الجوارح التي أعطاك الله، أن تفرح بنعمة الأخوة الدينية والتواصل في الله ومن أجل الله، أن تفرح بكتاب الله، وأن تفرح بسنة رسول الله، وأن تفرح بالمعافاة والسلام من الفتن والشرور والمفاسد التي ملأت مجتمعات المسلمين. هذا هو الفرح الذي يحبه الله، وهذا هو الفرح الذي يدعو الله إليه: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَٰلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ﴾. الفرح بالدين، والفرح بالهدى، والفرح بالعلم النافع، والفرح بالتوفيق إلى سنة رسول الله، الفرح بالسنة، الفرح بالأخوة الدينية، هذا هو الفرح الذي ينبغي أن نفرح به، لأننا نفرح بالدنيا وحطامها. نعم، عباد الله، النبي صلى الله عليه وسلم هو القائل: «قد أفلح من أسلم، ورزق كفافًا، وقنعه الله بما آتاه»، رواه مسلم. «قد أفلح من أسلم، ورزق كفافًا، وقنعه الله بما آتاه». كن قنوعًا بما آتاك الله، كن راضيًا بما قسم الله لك، كن مطمئنًا لقسمة الله، كن واثقًا بوعد الله، كن طامعًا فيما عند الله تبارك وتعالى. وإلا، ففي هذه الدنيا حالها كما قال الله: ﴿إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعَامُ حَتَّىٰ إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَن لَّمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ كَذَٰلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [يونس: 24]. ﴿وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَىٰ دَارِ السَّلَامِ وَيَهْدِي مَن يَشَاءُ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ [يونس: 25]. من الذي يدعون الله إليه؟ والله يدعو إلى دار السلام. الله يدعوك على أن تحرص على عمارة آخرتك، على أن تكون من الناجين، وعلى أن تكون من السعداء في ذلك اليوم الذي يخسر فيه ناس، ويخفق فيه ناس، ويفشل فيه ناس. يوم يعض الظالم على يديه، يقول: ﴿يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا * يَا وَيْلَتَىٰ لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا * لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنسَانِ خَذُولًا﴾ [الفرقان: 27-29]. يوم يقول المفرط: ﴿يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي﴾ [الفجر: 24]. ما هي الحياة، عباد الله، التي تمنى المفرط أن يكون قدم لها، وأن يكون أمرها؟ إنها حياة الآخرة. فاحرصوا، عباد الله، على القناعة والرضا والفرح بحمد الله تبارك وتعالى. فالله سبحانه وتعالى أكرمك بنعم ظاهرة وباطنة، لا تكن في غفلة عن هذه النعم، لا تكن محتقرًا لها، لا تكن مزدريًا لها. فالله يقول: ﴿وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً﴾ [لقمان: 20]. ويقول: ﴿وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ [النحل: 53]. ويقول سبحانه وتعالى: ﴿وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾ [إبراهيم: 34]. أكرمك الله بالإسلام، وأكرمك بسنة المصطفى عليه الصلاة والسلام، أو أكرمك ببيئة طيبة لا ترى فيها منافسة بين صومعة ومسجد، لا ترى فيها منافسة بين مسجد وكنيسة، بل الأمر لله والدين لله. هذه نعمة عظيمة. انظر، عباد الله، إلى الكفار الذين يتخبطون في الشركيات، والذين يعيشون الضلالات، الذين يحيون حياة البهائم لأجل البطون والفروج. وصدق الله إذ يقول: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَّهُمْ﴾ [محمد: 12]. نعم، عباد الله، الله حذرنا في كتابه الكريم من الاغترار بما عليه الكفار. كثيرًا من المسلمين اليوم إذا نظر إلى ما هو عليه احتقر وازدرى، ورأى أن غيره في سعادة، وأن غيره في نعمة. ما أثر المسلمين، عباد الله، الذين يتمنون الطيران والقفز والهرولة إلى بلاد الكفر؟ يتمنى كثيرًا من المسلمين أن يكون هناك في بلاد الكفر، في أوروبا أو في أمريكا، يتمنى أن يسر الله سبحانه وتعالى له كيفية الوصول إلى تلك البلاد. ينظر إلى هؤلاء نظرة إجلال، ونظرة إعظام، ونظرة احترام، وأننا في جهل، وأننا في تخلف، وأننا في رجعية، وأننا في فقر، وأننا في أمراض، وأنهم في حياة طيبة وفي حياة سعيدة. اسمع، عبد الله، إلى قول الله عز وجل محذرًا لنا: ﴿لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَادِ * مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾ [آل عمران: 196-197]. ﴿لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَادِ * مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾. نعم، عباد الله، إنما هي أيام قلائل ثم الموعد مع الله سبحانه وتعالى. قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر، الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر». أما بالنسبة للمؤمن فإنها تعتبر سجنًا؛ لأنه مقيد بالشرع، يمتثل أوامر الله، وينتهي عما نهى الله سبحانه وتعالى، يترك الشهوات اللذيذة والمحبوبة إلى بعض النفوس لله سبحانه وتعالى، ويجاهد نفسه على إقامة طاعة الله، فيصلي ويجاهد ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، ويصوم في رمضان ولو في شدة الحر، والمرأة تلتزم دينها وتقوم بأوامر ربها وتلتزم حجابها ولو كانت في مجتمعات حارة، ولو وجدت من السخرية والأذية. وهكذا تعب ومشقة وتقلب في ألوان من المصائب والبلايا والمحن والفتن، ثم إذا مات فإنه يستريح، وإنه ينتقل إلى الحياة السعيدة. قال النبي صلى الله عليه وسلم وقد مرت به جنازة: «مستريح ومستراح منه». قالوا: يا رسول الله، ما مستريح ومستراح منه؟ قال: «أما العبد المؤمن فإنه يستريح من نصب الدنيا وأذاها وينتقل إلى رحمة الله، وأما العبد الكافر فإن يستريح منه الشجر والحجر والدواب والبلاد والعباد». هكذا، عباد الله، هكذا، عباد الله، ينبغي أن نفرح بنعمة الله، وينبغي أن تكون هممنا عالية، وأن تكون هممنا رفيعة، وأننا ننظر إلى هؤلاء الكفار نظرة احتقار ونظرة ازدراء، أن الله سبحانه وتعالى قد أهانهم بالكفر. والله يقول: ﴿وَمَن يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِن مُّكْرِمٍ﴾ [الحج: 18]. لكن، يا عبد الله، لا تكتفِ بمجرد الانتساب إلى الإسلام. ما أثر الذين ينتسبون إلى الإسلام وهم لا يعرفون من الإسلام إلا اسمه، لا يعرفون من الإسلام إلا رسمه؟ لكن هل عرفوا حقيقة هذا الدين؟ هل عرفوا ما بعث الله عز وجل به نبيه صلى الله عليه وعلى آله وسلم؟ السعادة والسلامة والنجاة والفلاح ليس فقط بمجرد الانتساب، بدون عمل، بدون مجاهدة، بدون تطبيق. لكن أن يظهر عليك أثر تمسكك بدين الله تبارك وتعالى. فإن الله عز وجل بعث نبيه بهذه الشريعة العادلة، وبهذه العقيدة الصحيحة، وبهذه العبادة السليمة، وبهذه الأخلاق الفاضلة، وبهذا المنهاج العظيم، وبهذا الدين الكامل: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: 3]. نعم، عباد الله، فعليك أن تحقق العقيدة السليمة التي لأجلها أرسل الله الرسل، التي لأجلها أنزل الله الكتب، التي لأجلها خلق الله السماوات والأرض، التي لأجلها خلق الله الإنس والجن، التي لأجلها خلق الله الجنة والنار. نعم، عباد الله، بقي نوح في قومه ألف سنة إلا خمسين عامًا، وهو يدعوهم إلى عبادة الله وحده لا شريك له، والتخلي والبعد والبراءة من كل معبود سوى الله سبحانه وتعالى. وآكد نبي الله إبراهيم، وآكد هود، وآكد صالح، وآكد شعيب، وآكد لوط، وآكد موسى وعيسى، وآكد نبينا محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم. ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: 36]. وكما قال الله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء: 25]. وآكد دعوة نبينا صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فإنه ظل كما تعرفون في مكة ثلاث عشرة سنة، وهو يدعوهم إلى تحقيق العقيدة وإقامة التوحيد وإخلاص العبادة لله، والبعد والنأي عن الشرك بالله تبارك وتعالى. فآكدوا، عباد الله، كل دعوة تأثني بالتوحيد، وكل دعوة تأثني بالعقيدة، فإنها دعوة ناجحة ودعوة مثمرة، يجعل الله سبحانه وتعالى لها القبول، ويجعل الله لها التمكين: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَىٰ لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا﴾ [النور: 55]. هكذا إذا نظرتم في التاريخ، وقلبتم صفحات التاريخ، لوجدتم أن الدولة وأن الأمة التي تعتني بالتوحيد، فالله ينصرها على أعدائها، والله يمكن لها، والله يجعل لها الاستخلاف في الأرض. بخلاف الدعوات التي لا تعتني بالتوحيد، فإنها دعوات فاشلة ومنقضعة وهابطة. وهكذا إذا نظرتم، عباد الله، إلى هذه الدعوات الموجودة، كيف أنها تفشل وتخفق، عمن الذين ساروا على ما سار عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فالله ينفع بدعوتهم. فأتوا، عباد الله، بالتوحيد، واحرصوا على التمسك بالقرآن والسنة، واحرصوا، عباد الله، على تعلم العلم النافع. فالمسألة ليست بالأماني، وليست بالعواطف، وليست بالحماسات: «أنا أحب دين الله، أنا أحب كتاب الله، أنا أحب سنة رسول الله»، وهو في جهل، قد لا يميز بسبب الجهل بين التوحيد والشرك، بين السنة والبدعة، بين النافع والضار، بين الغث والسمين، بين الصواب والخطأ، بين الحلال والحرام، بين الهدى والضلال، بسبب الجهل. لكن تعلم، يا عبد الله، وادفع بأولادك إلى تعلم الدين، واحرص على أن تكون على بصيرة من أمرك، وعلى أن تكون على بينة في دينك. فإن النبي صلى الله عليه وسلم هو القائل: «من يرد الله به خيرا يفقه في الدين»، وهو القائل: «طلب العلم فريضة على كل مسلم»، وهو القائل: «ومن سلك طريقا يلتمس فيه علما سهل الله له به طريقا إلى الجنة». والله عز وجل يقول: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ [المجادلة: 11]. ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾. فاحرصوا، عباد الله، في هذا المجتمع على تعلم العلم، وعلى حضور مجالس الذكر، وعلى التحلق في حلق القرآن، والفقه في الدين، وحلقات التفسير، وحلقات اللغة العربية، وغير ذلك. وابعثوا بأولادكم، وأرسلوا فلذات الأكباد، لأن يتفقهوا ويتعلموا، حتى يعودوا منذرين أو معلمين. فالله يقول: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَائِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ [التوبة: 122]. نحن، عباد الله، نحمد الله في هذا المجتمع، في بلاد اليمن، أن كثيرًا من الرجال، وكثيرًا من النساء، وكثيرًا من شرائح المجتمع، من يحبون كتاب الله، ويحبون سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم. فهذه نعمة عظيمة. فعلينا أن نجتهد، وأن نجد في تعلم العلم وبثه ونشره، حتى يتبدد الظلام، وحتى ينكشف الباطل، وحتى تذهب هذه المذاهب المردية، وهذه المناهج المستوردة، وحتى يرجع أعداؤنا من اليهود والنصارى خائبين فاشلين. فنسأل الله تبارك وتعالى للجميع التوفيق، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين. ترجمة نانسي قنقر