المحاضرة بعنوان الإجتماع على الكتاب والسنة، ألقاها الشيخ عبدالرحمن بن مرعي العدني
يستهل الشيخ درسه بحمد الله تعالى والصلاة والسلام على النبي محمد صلى الله عليه وسلم وعلى آله وصحبه أجمعين، متبوعاً بالتمهيد لأهمية التمسك بالكتاب والسنة.
يستعرض الشيخ حال العرب في الجاهلية من فرقة وشرك، مبيناً كيف جمعهم الإسلام وأعزهم بالتمسك بكتاب الله وسنة نبيه. ويؤكد أن الاقتداء بالصحابة في العقيدة والعبادة والأخلاق هو الطريق الوحيد للسعادة والنجاة من الانحرافات.
يبيّن الخطيب أن الأخوة الدينية قائمة على القرآن والسنة لا على الحزبية، موضحاً أن الصلوات الجماعية شُرعت لتوثيق الألفة بين المسلمين. ويحذر من التفرق والتنازع الذي يورث الفشل ويُمكن الأعداء، داعياً للاعتصام بحبل الله جميعاً.
يؤكد المقطع وجوب وحدة المسلمين والتحذير من التفرق كما فعلت الأمم السابقة، مستدلاً بآيات قرآنية وأحاديث نبوية تأمر بلزوم القرآن والسنة. ويبين أن التحاكم إليهما واتباع منهج السلف الصالح هو السبيل لجمع الكلمة ورفع الاختلاف.
موقع دار الحديث بالفيوش يقدم هذه المادة: الاجتماع على الكتاب والسنة، محاضرة قيمة لفضيلة شيخنا العلامة عبد الرحمن بن مرعي العدني رحمه الله تعالى. بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا. من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، أيها الناس: إنا وفقنا إلى دين الله، وإنا هدينا إلى سنة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وإنا وفقنا بفضل من الله سبحانه وتعالى إلى طلب العلم النافع. فهنيئًا للمسلم الذي وفقه الله عز وجل في هذا الزمن الذي ملئ بالفتن وأنواع المغريات والشهوات والشبهات إلى دعوة رسول الله عليه الصلاة والسلام، فتمسك بها وعضّ عليها، وكان في عداد أهلها. شرف للعبد في الدنيا والآخرة، وسعادة ورفعة في الدنيا والآخرة. نعم عباد الله، فنحن في أمس الحاجة في مثل هذه الأوقات أن نتواصى بذلك الخير؛ كل الخير في اتباع رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وفي لزوم غرز أهل العلم. فإننا عباد الله في زمن الفتن والبلايا والمحن، والناجي من نجاه الله، والمعصوم من عصمه الله. ولا عاصمة لنا من هذه الضلالات والانحرافات، ولا حافظ لنا من هذه الفتن إلا بما جعله الله عز وجل لنا حافظًا وعاصمًا، ألا وهو التمسك بكتابه وسنة نبيه محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم. ولنا عبرة عباد الله بأحوال أصحاب رسول الله عليه الصلاة والسلام، ورضي الله تعالى عنهم، كيف كانوا يعيشون الفرقة والاختلاف والتنازع والتناحر. كان حال العرب قبل البعثة حالًا يرثى له، في حال سيئة، وفي حال فاشلة، وفي حال وضيعة، كما ذكرنا ربنا تبارك وتعالى في كتابه الكريم: ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ أَنتُمْ قَلِيلٌ مُّسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ تَخَافُونَ أَن يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُم بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾. وهكذا يقول الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ * وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا * وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا * وَكُنتُمْ عَلَىٰ شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا ۗ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ * وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ ۚ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِن بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ ۚ وَأُولَٰئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ * يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ ۚ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ * وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾. هكذا عباد الله يذكرنا ربنا تبارك وتعالى بما كان عليه حال هذه الأمة قبل البعثة، وبما صار إليه حال هذه الأمة بعد بعثة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. كانوا في جاهلية جهلاء، وبلالة عمياء، كانوا يعيشون الجاهلية: تغير القبيلة على القبيلة، تغير القبيلة على القبيلة، يأكل القوي الضعيف، يستحلون الدماء وينتهكون الأعراض، ويسبون النساء والأولاد، ويتفاخرون بالثارات وبالغارات وبالظلم وبالسلب والأخذ وبغير ذلك. نعم عباد الله، كانوا في أسوأ حالة، إضافة إلى ما كانوا عليه من الشرك بالله وعبادة الأصنام وعبادة الأحجار والأشجار، وعبادة الشمس والقمر. تفرقوا، لم تكن لهم دولة تجمعهم، ولم تكن عندهم رابطة تربطهم، ولم يكونوا على عبادة صحيحة وسليمة، وكانوا في عداء، وكانوا في تناحر، وكانوا في تنافر، وكانوا في ذلة، وكانوا في ضعة. فلما أراد الله سبحانه وتعالى أن يعلي كلمتهم وأن يرفع رؤوسهم، أرسل إليهم رسول الهدى محمدًا صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فجمعهم الله عز وجل بعد الفرقة، وأعزهم بعد الذلة، وأغناهم بعد العيلة، وجعلهم خير أمة أخرجت للناس. نعم عباد الله، فهكذا عباد الله علينا أن نحرص على أن نكون كأولئك الذين شرفهم الله وأكرمهم الله وأعزهم بدينه والتمسك بسنة رسوله محمد عليه الصلاة والسلام. فهذا سبيل النجاح، وهذا سبيل السلامة من الفتن ما ظهر منها وما بطن: أننا نتمسك بديننا حق التمسك، أننا نتعرف على ما بعث الله عز وجل به نبيه محمدًا صلى الله عليه وسلم من الهدى ودين الحق، وهذه العقيدة السليمة، وهذه العبادة الصحيحة، وهذه الأخلاق الفاضلة، وهذه الشريعة العادلة. وهكذا عباد الله نتمسك بما كان عليه سلف هذه الأمة، فإن الله سبحانه وتعالى امتدحهم ورضي عنهم وزكاهم. قال الله سبحانه وتعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَّضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ۚ ذَٰلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾. نعم عباد الله، وأن نعتني بتنمية الأخوة فيما بيننا، وأن نعتني بتنمية وتقوية هذه الرابطة الإسلامية وهذه الأخوة الدينية التي هي بإذن الله سبحانه وتعالى سبب في حصول القوة والنصر على الأعداء، وتفويت الفرصة على الأعداء. هذه نعمة لا يستهان بها عباد الله: أننا نجتمع على كتاب الله وعلى سنة رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. فإن الفرد الواحد لا يستطيع أن يفعل شيئًا، لكن إذا اجتمعت القلوب المؤمنة واجتمعت الجماعة الواحدة المتمسكة بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، تآخوا فيما بينهم وتحابوا فيما بينهم، لا لأجل دنيا من قضيّة، ولا لأجل حطام من حطام الدنيا، ولا لأجل حزبية، ولا لأجل مذاهب، ولا لأجل عصبية، ولا لأجل جمعية، وإنما يجتمعون في الله ومن أجل الله سبحانه وتعالى. لا تسأل يا عبد الله عن الثمار الحسنة والنتاج الطيبة التي تحصل وتكون بعد هذه الأخوة وهذا الاجتماع. ولهذا عباد الله، من قرأ كتاب الله سبحانه وتعالى وجد الآيات الكثيرة التي تحث على التآخي والتآلف والتحابب والترابط والتعاون على البر والتقوى والاجتماع على الحق المبين. نحن لا ندعو أنفسنا ولا ندعو إخواننا ولا ندعو مجتمعنا إلى أننا نتآلف على بدع وعلى خرافات، وأننا نجتمع على حزبية وعصبية، وإنما ندعو الجميع، قبل ذلك ندعو أنفسنا والجميع، إلى التآلف والتحابب والترابط على مقتضى كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. انظروا عباد الله كيف شرع الله عز وجل لنا الاجتماع في صلاة الجماعة، اجتماع يومي يتكرر في خمسة أوقات، حرصًا على حصول الألفة والمحبة بين المسلمين. يقف الغني بجانب الفقير، ويقف الرئيس بجانب المرؤوس، ويقف الراعي بجانب الرعية، ويقف الصغير بجانب الكبير، ويقف هكذا -بارك الله فيكم- الشريف مع الوضيع، ويقف جميع الناس باختلاف وظائفهم وأنسابهم ودرجاتهم وجاههم في المجتمع جنبًا إلى جنب. هذا يتعرف على هذا، وهذا يسأل عن حال هذا، تحصل بينهم من الألفة والمحبة. فرب ناس يصلون في مسجد واحد لا يكون بينهم كلام ولا يكون بينهم تواصق، لكن سبحان الله إذا التقوا مثلًا في مدينة أخرى في صنعاء أو في عدن، مهشّ بعضهم إلى بعض، وسلم بعضهم على بعض. ما الذي جمع بينهم؟ كانوا يتمعنون في يوم من الأيام في بيت من بيوت الله. وهكذا شرع الله سبحانه وتعالى لنا الاجتماع الأسبوعي الذي هو أوسع من اجتماع الأيام أو اليومي، وهو الاجتماع في صلاة الجمعة. يتركون مساجدهم الصغيرة ويجتمعون في المسجد الجامع، فيتعرف أهل المساجد بعضهم على بعض، ويسمعون إلى من يذكرهم بالله، وتتحصل الألفة والمحبة. وهكذا اجتماع سنوي في صلاة العيدين: عيد الفطر وعيد الأضحى. وهكذا في الحج يجتمع المسلمون من المشارق والمغارب على لباس واحد وفي مكان واحد، ويطوفون حول بيت واحد، وهكذا يؤدون العبادات في أوقات متقاربة، مزدحمة أجسادهم، متآلفة قلوبهم. هذا عباد الله فيه الإرشاد العظيم لنا على أهمية العناية بتوحيد الصف وجمع الكلمة وتوطيد أواصر الأخوة والمحبة فيما بيننا، وأننا نمتثل ما أمرنا الله سبحانه وتعالى به في كتابه الكريم: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾. هذا نداء لأهل الإيمان: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ﴾. لم يقل الله: اعتصموا واجتمعوا على البدع، أو على الخرافات، أو على المذاهب، أو على المناهج التي على خلاف كتاب الله وسنة رسوله عليه الصلاة والسلام. ولكن اجتماع على حبل الله، وهو دين الإسلام، وهو سنة المصطفى عليه الصلاة والسلام، وهو عهد الله عز وجل. ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾. إنه حبل واحد، وإنه طريق واحدة، ﴿وَأَنَّ هَٰذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ ۖ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ۚ ذَٰلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾. هكذا يأمرنا الله تبارك وتعالى، وهكذا يحذرنا الله عز وجل في كتابه الكريم من التفرق والاختلاف والتنازع الذي لا يورث إلا الفشل، والذي لا يورث إلا الخسارة، والذي لا يورث إلا تغلب الأعداء علينا. كم يبذل عباد الله، كم يبذل عباد الله أعداؤنا من اليهود والنصارى، وقبلهم الشيطان الرجيم، يبذلون الطاقات ويجندون الجيوش الجرارة في سبيل صد المسلمين وتفريق كلمة المسلمين وزرع الشحناء والبغضاء فيما بينهم. فربنا تبارك وتعالى أنزل كتاب هدى ورحمة للمؤمنين، يحثنا على الاجتماع، ويحذرنا من الافتراق، ويحذرنا أن نسلك مسالك القوم الضالين من اليهود والنصارى وعموم المشركين الذين تفرقوا واختلفوا. قال الله سبحانه وتعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَّسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ ۚ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُم بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾. ويقول الله: ﴿وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ * مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا ۖ كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾. ويقول الله: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِن بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ ۚ وَأُولَٰئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾. وهكذا يقول الله: ﴿فَتَفَرَّقُوا﴾. وهكذا يقول الله عز وجل: ﴿فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُم بَيْنَهُمْ زُبُرًا ۖ كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾. هكذا يخبر الله أنهم تفرقوا وخالفوا ما أمرهم الله عز وجل به، ثم تجدهم بعد هذا الاختلاف فرحين، فرحين راضين بما هم عليه. هذه عقوبة من الله سبحانه وتعالى. قال الله في الآية الأخرى: ﴿فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُم بَيْنَهُمْ زُبُرًا ۖ كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾. ﴿فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُم بَيْنَهُمْ زُبُرًا ۖ كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾. نعم عباد الله، فعلينا أن نحرص على الاجتماع وعلى التواصل. فإن النبي صلى الله عليه وسلم، وهو الذي وصفه الله بقوله: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ﴾، هو القائل كما قال الصحابي العرباض بن سارية: «وعظنا رسول الله صلى الله عليه وسلم موعظة بليغة، وجلت منها القلوب، وذرفت منها العيون». تأثروا وحصل لهم التذكر والاتعاظ بهذه الموعظة البليغة، قال: «فذرفت منها العيون، ووجلت منها القلوب، فقلنا: يا رسول الله، كأنها موعظة مودع». عرفوا بالقرينة كأنها من آخر الوصايا، «فأوصنا». ماذا أوصاهم النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم؟ قال: «أوصيكم بتقوى الله عز وجل». هذه أول وصية: أن الإنسان يصلح فيما بينه وبين الله عز وجل. تقوى الله، كلنا في حاجة إلى أن نذكر بها، فما منا من أحد إلا عنده من التقصير، وعنده من الخطأ والزلل. فقال: «أوصيكم بتقوى الله سبحانه وتعالى، والسمع والطاعة، وإن تأمر عليكم عبد». وهكذا في توحيد القيادة: أن يكون المسلمون على قيادة واحدة. أما إذا اختلفوا، هذا في حزب، وهذا على فكرة، وهذا له قائد، وهذا له أمير، فلا شك أنه تدب الفوضى في مجتمعات المسلمين، ويحصل الشر العظيم والمستطير. فلهذا أهل السنة من أحرص الناس على دعوة المجتمع إلى طاعة ولاة أمور المسلمين بالمعروف، وهذا مما يحبه الله ويرضاه. قال: «والسمع والطاعة، وإن تأمر عليكم عبد، فإنه من يعيش منكم فسيرى اختلافًا كثيرًا». وقد وقع ما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم من حصول الفرقة والاختلاف. ومع ذلك فإن النبي عليه الصلاة والسلام أرشد إلى الدواء ودل على العلاج: «فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين، عضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور». هكذا أمرنا رسولنا صلى الله عليه وعلى آله وسلم بلزوم القرآن والسنة، وبالسير على ما كان عليه رسول الله وخلفاؤه الراشدون وصحابته الأخيار، وما كان عليه سلف هذه الأمة من الصحابة والتابعين. فهذا عباد الله الذي يوحد بين الصفوف ويجمع بين القلوب، ويحث الألفة والمحبة بين المسلمين. فعلينا أن نتعظ بما وعظنا الله، وعلينا أن نعظم كتاب الله، وأن نعظم سنة رسول الله، وأن نعظم منهج سلف هذه الأمة. لا أن الإنسان إذا دعي إلى كتاب الله، إلى سنة رسوله، ذهب يحاكمك إلى رأي فلان، وإلى قول فلان، وإلى طريقة فلان. هذا منافٍ للإيمان، إما لأصله وإما لكماله. أليس الله يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنكُمْ ۖ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ۚ ذَٰلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾. فهذا عباد الله الذي أمرنا الله عز وجل به: أننا نتحاكم إلى شرعنا، ففيه ما يكفل بحل مشاكلنا وإزالة آثار الشحناء والاختلاف فيما بيننا. فنحن ندعو أنفسنا والمسلمين إلى تقوى الله، وإلى الاجتماع على الحق المبين، وإلى التآلف والتوادد والتزاور في الله ومن أجل الله. من دعاك إلى حزبية، أو دعاك إلى بدعة، أو دعاك إلى فرقة، فرد عليه دعوته في وجهه. أما من قال: هلموا إلى كتاب الله وإلى سنة رسوله صلى الله عليه وسلم، فإنما ينبغي علينا أن نقول: أهلًا وسهلًا ومرحبًا بالاجتماع على كتاب الله وعلى سنة رسوله. وفق الله الجميع لما يحب ويرضى. والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى صحبه أجمعين.