الدرس في التعليق على رفع الملام عن الأئمة الأعلام 3، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يشرح أسباب الخلاف بين الأئمة الأعلام ويتطرق إلى مسألة عدم بلوغ الحديث لبعض الصحابة، ويبين أن هذا يعد عذرًا لهم في عدم العمل ببعض السنن. يشير إلى أن حتى كبار الصحابة قد خفي عليهم بعض الأحاديث.
يذكر أمثلة على عدم علم عمر بن الخطاب ببعض الأحكام حتى بلغه إياها بعض الصحابة، ويبين أنه كان يعمل بما يبلغه من سنة النبي صلى الله عليه وسلم. يشمل ذلك مسائل إرث المرأة من دية زوجها وحكم المجوس في الجزية.
يذكر أمثلة على صحابة أفتوا أو قضوا بغير ما ثبت في السنة النبوية، ثم رجعوا إلى ما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم عند بلوغه لهم. يشمل ذلك مسائل دية الأصابع واعتداد المتوفى عنها زوجها.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. أما بعد، مر معنا في الدرس الماضي ما ذكره المؤلف رحمه الله من مسائل تتعلق ببعض أسباب الخلاف بين الأئمة الأعلام، مما يرفع عنهم الملام. ومما مر معنا من الأسباب على وجه الإجمال أن الأسباب قد تتعلق بأحد جهات أربع. ما هذه الجهات؟ أولاً: صحة الدليل. ثانيًا: مدلول الدليل. ثالثًا: حال المستدل. رابعًا: حال القضية وعدم المعارض لها. نعم، هذه أربعة أسباب على وجه الإجمال. ثم مر معنا أن المؤلف رحمه الله تعالى ذكر أعدارًا ثلاثة جامعة، وسيأتي شيء من التفصيل لها. فمن هذه الأعذار الجامعة: عدم اعتقاد أن النبي صلى الله عليه وسلم قال. والثاني: اعتقاد أنه منسوخ. والثالث: عدم اعتقاده أنه أراد عين المسألة. طيب، ثم ذكر أسبابًا تدخل بهذه الأصناف، أن هذه الأصناف الثلاثة تتفرع إلى أسباب كثيرة. من هذه الأسباب: أنه لم يبلغه الحديث. مثال عدم بلوغ الحديث: قصة أبي بكر في الجدة رضي الله عنه. وكذلك من الأسباب: أن يكون لم يبلغوا الحديث، أو أن يكون هناك أخذ بظاهر آية خالفه حديث لم يبلغه. مثاله: قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ﴾، الظاهر من الآية أنه لا يشترط فيه الوطن، ثم جاءت السنة فبينت اشتراط الوطن، فمن لم تبلغه السنة كان ذلك سببًا في اقتصاره على ظاهر القرآن. ولهذا اختلفت الفتوى بسبب هذا. طيب، مثال لحديث آخر: حديث الحائض في طواف الوداع. أحسن، فعبد الله بن عباس بلغه أمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يكون آخر عهد الحاج الطواف بالبيت، ثم سئل عن الحائض، ولم يكن عنده علم، فأمر من يسأل بعض النساء اللواتي أدركن الحائض في زمن النبي صلى الله عليه وسلم، أي في حجة الوداع، فجاءه الخبر أنه رخص للحائض ألا تطوف، فصار بعد ذلك يروي الحديث مع زيادة قوله: «إلا أنه خفف عن الحائض». قال المؤلف رحمه الله تعالى: «قال وقد بلغت هذه السنة عمران بن حصين أيضًا، وليس هؤلاء الثلاثة مثل أبي بكر رضي الله عنه وغيره من الخلفاء، ثم قد اختصوا بعلم هذه السنة التي قد اتفقت الأمة على العمل بها، ويريد بهذا ما تقدم من ميراث الجدة... فلم يبلغ أبا بكر رضي الله عنه وارضاه، وبلغ من بلغه من الصحابة، فبلغوا ذلك أبا بكر، فعمل أبو بكر رضي الله عنه وارضاه بسنة النبي صلى الله عليه وسلم التي خفيت عليه». فإذا كان هذا أبو بكر على جلالته وعظيم رتبته ومنزلته في الإسلام وقربه من النبي عليه الصلاة والسلام، ومع ذلك خفي عليه بعض حديث النبي صلى الله عليه وسلم، وهو أدركه وأدرك حياته وعصره، فكيف بمن بعده من الناس؟ إنه من باب أولى أنه قد يخفى على بعض الناس بعض العلم. فلذلك الواجب من بلغه هذا العلم أن يرجع إلى هذا العلم الذي ثبت وصح. قال رحمه الله تعالى: «وكذلك عمر بن الخطاب رضي الله عنه لم يكن يعلم سنة الاستئذان حتى أخبره بها أبو موسى، واستشهد بالأنصار. وعمر رضي الله عنه أعلم ممن حدثه بهذه السنة، فهو أعلم بالجملة، لكن في عين هذه المسألة خفيت عليه. بالجملة علم أبي بكر وعمر أكثر من علم سائر الصحابة، ولكن لا ينافي هذا الذي عندهم من الخير أن تخفى عليهم بعض المسائل من العلم. وفوق كل ذي علم عليم». فهذا مثال آخر يدلك على أن بعض أهل الفضل خفيت عليهم، فمن باب أولى من بعدهم من العلماء. قال رحمه الله: «لم يكن عمر رضي الله عنه أيضًا يعلم أن المرأة ترث من دية زوجها، بل يرى أن الدية للعاقلة، حتى كتب إليه الضحاك بن زفيان - وهو أمير لرسول الله صلى الله عليه وسلم على بعض البوادي - يخبره أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ورث امرأة أشياء من دية زوجها، فترك رأيه لذلك». الكلام على الإرث من الدية خاصة ليس إرث الزوجة من الزوج، هذا جاء بنص القرآن، هذا جاء بنص القرآن والسنة المتواترة. لكن الكلام أن ترث المرأة من دية الزوج، فهنا لم يبلغه هذا الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم، فلما بلغه عمل به. قال: «فترك رأيه لذلك، فقال: لو لم نسمع هذا لقضينا بخلافه». فدل هذا على أن عمر على جلالته رضي الله عنه وارضاه لم يبلغه هذا العلم، وحين بلغه عمل به. قال رحمه الله تعالى: «ولم يكن يعلم حكم المجوس في الجزية حتى أخبره عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «سنوا بهم سنة أهل الكتاب». سنة أهل الكتاب، والحديث أصله في صحيح البخاري. وفيه كما أشار في التعليق أن عمر ما كان يعلم بالجزية من المجوس حتى شهد عبد الرحمن بن عوف أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذها من مجوس هجر، وأنه عليه الصلاة والسلام أمر أن تسن بهم سنة أهل الكتاب». قال رحمه الله: «ولما قدم سرغ، وبلغه أن طاعونًا بالشام - يعني عمر - وسرغ اسم مكان يفصل بين الشام والحجاز، وقيل أنها قرية في وادي تبوك - قال: فأشار كل من معه، ثم الأنصار، ثم مسلمة الفتح، فأشار كل عليه بما رأى، ولم يخبروا أحدًا بسنة - يعني بشيء صح عن النبي صلى الله عليه وسلم - حتى قديمًا عبد الرحمن بن عوف أخبره بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم في الطاعون، وأنه قال: «إذا وقع بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا فرارًا منه، وإذا سمعتم به بأرض فلا تقدموا عليه». وتذاكره هو وابن عباس، فعمل عمر رضي الله عنه أرضاه بهذا الحديث». قال رحمه الله: «وتذاكره وابن عباس رضي الله عنهم أمر الذي يشك في صلاته، فلم يكن قد بلغته السنة في ذلك حتى حدثه عبد الرحمن بن عوف عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه يطرح الشك ويبني على ما استيقن». وقد جامعنا بأحاديث كثيرة منها حديث عبد الله بن زيد، حديث أبي سعيد، وغيرها من الأحاديث الكثيرة عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم بإغلاق باب الشك وعدم الالتفات إليه. قال رحمه الله تعالى: «وكان مرة بالسفر، فهاجت ريح، وجعل يقول: من يحدثنا عن الريح؟ قال أبو هريرة: فبلغني وأنا في أخريات الناس، فحثثت راحلتي حتى أدركته وحدثته بما أمر به النبي صلى الله عليه وسلم عند هبوب الريح - يعني من الدعاء وعدم سبها وعدم سبها - وقد جاء في الصحيح مسلم الحديث عائشة: «اللهم إني أسألك خيرها وخير ما فيها وخير ما أرسلت به، وأعوذ بك من شرها وشر ما فيها وشر ما أرسلت به». وفي حديث أبي هريرة المشار إليه الذي رواه الحاكم وغيره، وفيه أن الريح من روح الله تأتي بالرحمة وتأتي بالعذاب، فإذا رأيتموها فلا تسبوها، وسلوا الله خيرها واستعيذوا به من شرها. فهذا الحديث عام، وفي حديث عائشة تفصيل الدعاء». قال رحمه الله: «فهذه مواضع لم يكن يعلمها حتى بلغه إياها من ليس مثله - يعني في العلم والفضل والرتبة - ومع ذلك كان عنده من العلم ما ليس عنده. قال: ومواضع أخر لم يبلغوا ما فيها من السنة، فقضى فيها وأفتى فيها بغير ذلك، مثل ما قضى في دية الأصابع أنها مختلفة بحسب منافعها». وقد كان عند أبي موسى وابن عباس - وهم دونه بكثير في العلم - علم بأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «هذه وهذه سواء» - يعني الإبهام والخنصر - فأخذ باجتهاده أي عمر رضي الله عنه أرضاه. والصحابة بلغتهم سنة النبي صلى الله عليه وسلم أن كل أصبع فيها عشر من الإبل. قال: «فبلغت هذه السنة لمعاوية، فبلغت هذه السنة لمعاوية رضي الله عنه في إمارته، فقضى بها، ولم يجد المسلمون بدًا من اتباع ذلك. ولم يكن هذا عيبًا في عمر رضي الله عنه حيث لم يبلغ الحديث، فقضى عمر بحسب علمه، وقضى معاوية رضي الله عنه بحسب ما بلغه من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم». بل في أول الأمر كان يقضي بقضاء عمر، فلما بلغته سنة النبي صلى الله عليه وسلم أفتى أن يعمل الناس بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم. وهذا كذلك بسبب أنه لم يبلغهم هذا العلم، فلما بلغهم ماذا صنعوا؟ لم يقولوا: لن نترك قول عمر، وهو إمامنا وخليفتنا، وهو ما هو من الفضل. ولكن تركوا قول عمر واجتهاده رضي الله عنه وارضاه لحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم. وهذا هو الواجب مع أئمة الأعلام إذا خالفوا في أقوالهم سنة النبي عليه الصلاة والسلام، فنأخذ بما ثبتت وصحت به السنة. قال رحمه الله: «وكذلك كان ينهى المحرم عن التطيب قبل الإحرام وقبل الإفاضة إلى مكة بعد رمي جمرة العقبة، هو وابنه عبد الله رضي الله عنهما، وغيرهما من أهل الفضل. ولم يبلغهم حديث عائشة رضي الله عنها أنها طيبت رسول الله صلى الله عليه وسلم لحره قبل أن يحرم - الله عليه وسلم لحرمه قبل أن يحرم - يعني لإحرامه - ولحله قبل أن يطوف بالبيت». وكان يأمر، والعبرة بالدليل. وقد صحت السنة من حديث عائشة وغيرها أن النبي صلى الله عليه وسلم تطيب قبل الإحرام، فبقاء الطيب للمحرم لا ينافي نهي النبي صلى الله عليه وسلم عن مس الطيب، لأن المقصود هو مسه ابتداء في حال كونه محرمًا. وأما ما بقي من أثر الطيب قبل إحرامه فلا شيء عليه. قال رحمه الله: «ولم يكن يعلم أن المتوفى عنها زوجها تعتد في منزل الموت، حتى حدثته الفريعة ابنت مالك أخت أبي سعيد الخدري بقصتها لما توفي زوجها، وأن النبي صلى الله عليه وسلم قال لها: «كثي في بيتك حتى يبلغ الكتاب أجله». فأخذ به عثمان رضي الله عنه. والحديث بالسنن، وهو حديث صحيح. وفيه قصة طويلة، وخلاصتها أن النبي صلى الله عليه وسلم أمرها أن تعتد في البيت الذي بلغها فيه الكتاب والأجل الذي بلغت فيه الوفاة، حتى تكمل عدة الوفاة». ومع ذلك صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أن المرأة يجوز لها أن تنتقل إذا احتاجت أن تنتقل لدفع مفسدة عن نفسها ومضرة. والعمل بهذه السنة هو الصواب كما صحت بها عن النبي صلى الله عليه وسلم الأحاديث. قال: «وأهدي له مرة صيد، كأنه كان قد صيد لأجله، فهم بأكله حتى أخبره علي رضي الله عنه أرضاه أن النبي صلى الله عليه وسلم رد لحمًا أهدي له. وظاهر القرآن أن الذي يحرم على المحرم هو أن يصيد، وليس في نص القرآن ما يدل أن ما صيد للمحرم فهو ممنوع عن المحرم. ولكن دلت السنة على هذا الحكم شيئًا زائدًا على ما جاء به نص القرآن». فلم يبلغ عثمان رضي الله عنه أرضاه هذه السنة، فبلغ بعض الصحابة، فبلغوه، فعمل بما صحت به السنة عن النبي صلى الله عليه وسلم. نقف إلى هنا ونترك الباقي إن شاء الله إلى درس لاحق.