الدرس في الفروق والتقاسيم البديعة النافعة 60، الدرس الستون:من( ومنها:ما لا يكفي فيه إلا رجلان عدلان كالحدود ... وعند شيخ الإسلام أن ذلك عند كل ضرورة ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يتناول هذا الفصل أقسام الشهادة في الفقه الإسلامي وضوابطها، مشيراً إلى عدد الشهود وعدالتهم. يُبين المؤلف رحمه الله تعالى أحكام الشهادة ومدى قبول شهادة المرأة في مختلف الحالات.
يشرح هذا الفصل أحكام شهادة المرأة في القضايا المالية، ويبين الحالات التي تقبل فيها شهادتها عند الضرورة، مثل قضايا المال عند عدم وجود شاهد آخر مع الرجل.
يتناول هذا الفصل أحكام الشهادة في مختلف الحالات، مثل قبول شهادة المرأة في أمور خاصة بالنساء، وشهادة الأطباء والبيطريين في المجالات الطبية، وشهادة الكفار في حالات الضرورة.
يختتم هذا الفصل بالحديث عن انتهاء الموضوع المطروح مع التعبير عن تعظيم الله تعالى، مؤكداً على علم الله وإعلاء كلمته.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، صلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. مر معنا في الدرس الماضي ما تيسر ذكره من الأقسام التي ذكرها المؤلف رحمه الله فيما يتعلق بالشهادة. نعم، آخر ما أخذناه في الفروق الصحيحة في أمر المشهود عليه. واخذنا القسم الأول: ما لا يقبل فيه إلا أربعة رجال عدول، والقسم الثاني: ما لا يقبل فيه إلا ثلاثة رجال من ذوي الحجاء، والقسم الثالث: ما لا يكفي فيه إلا رجلان. هذا ما أخذناه. قال رحمه الله تعالى: ومنها ما لا يكفي فيه إلا رجلان عدلان، كالحدود والقصاص والنكاح، قال: والعتق والرجعة ونحوها، لما ورد من أدلة ذلك وتفاصيله في هذه الأبواب في كتب الفقه. وقد قال الله عز وجل: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِّنكُمْ﴾ يعني في الطلاق. وكذلك هو في هذه الأبواب كما بيّنها العلماء بأدلتها العامة والخاصة في مواضعها. وقوله: ﴿ذَوَيْ عَدْلٍ﴾ فيه أن شرط هؤلاء الشهود أن يكونوا من أهل العدالة. ومن العدالة: ما معنى العدل؟ من هو العدل؟ نعم، العدل: من اتقى الكبائر ولم يصر على الصغائر ولم يقع منه خوار من المرؤة. نعم، هكذا عرفوا العدل. ولهم معاني حول هذه الألفاظ حول هذه المعاني الثلاثة. ومع ذلك، فإن معنى الفسق الذي هو ينافي العدالة يختلف. وهكذا كذلك الضرورات تبيح المحظورات، لأن بعض الحقوق قد تضيع وتتعطل مع فشو وابتلاء الناس بفشو بعض المعاصي. فمثلاً: حلق اللحية كان في يوم من الأيام من أسباب رد الشهادة؛ حالق اللحية لا تقبل شهادته لأنه فاسق؛ فعل خلاف ما أمر الله به في كتابه ورسوله عليه الصلاة والسلام بسنته، إذ أمر المسلم بإعفاء لحيته. لكن لما كثر ذلك وابتلي الناس به، لو ترك شهادة حالق اللحية تعطلت حقوق الناس؛ عندهم أموال يثبتونها بشهود، لا يوجد إلا هم. وحقوق يريدون أداءها وتأديتها، لا يجدون إلا هؤلاء. فالمشقة تجلب التيسير، فالإثم على هؤلاء أي الفاعلين. وأصحاب الشهادة لا تضيع شهاداتهم. قال رحمه الله تعالى: ومنها ما يقبل فيه رجلان عدلان أو رجل وامرأتان أو شاهد ويمين المدعي، وهو المال وما يقصد به المال. يعني من أقسام الشهادة فيما يتعلق بالمشهود عليه والشهود: ما يقبل فيه رجلان عدلان أو رجل وامرأتان أو شاهد ويمين؛ يعني يخير بين ثلاثة، أو لا ينتقل إلى الثاني إلا إذا لم يوجد الأول. قال: وهذا في باب الأموال وما يقصد به المال؛ ما كان في باب المال وما يقصد به المال. لماذا قال ذلك؟ لأنه ورد مخصصاً في الأدلة الشرعية كذلك. فعلم أن هذا الحكم خاص بهذا المعنى. فإن الله عز وجل لما ذكر أمر المداينة في كتابه سبحانه وتعالى ذكر أمر شهادة المرأتين مع الرجل إذا لم يكن رجلان: ﴿فَإِن لَّمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّن تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَن تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى﴾. فقوله جل وعلا: ﴿فَإِن لَّمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ﴾ وذكر ذلك في محل المداينة؛ دل على أن هذا الحكم خاص بذلك. لأنه في المواضع الأخرى لم يذكر إلا الرجلين؛ فعلم أن غير الرجلين في غير هذا الموضع لا يجوز. ولهذا فالمرأة لا تشهد في القصاص، ولا يجوز أن تشهد في الحدود، لا يجوز أن تشهد في الحدود وغير ذلك من الأحكام التي هي في غير المال. لماذا؟ قال العلماء: لأن المرأة ضعيفة، ومن ضعفها أنه قد تغلب عاطفتها أو يغلبها الخوف؛ فلا تؤدي الشهادة على وجهها. ولأنها محل فتنة، فإذا عرضت للشهادة في هذه المواضع وفتح الباب لها؛ كان ذلك مدعاه لجلبها إلى الشهادة وجلبها للشهادة في هذه المواضع فتنة لها. وقد أمرت المرأة أن تحصن، وهذا ينافي التحصين. وغير ذلك من المعاني الأخرى التي لأجلها منع الإسلام شهادة المرأة في هذه المواضع؛ فهو لحفظ المرأة ورفعتها، وليس لذمها وتنقصها. وأما كونها ناقصة بطبيعة خلقتها؛ فهذا لا ينكره ولا يجحده أحد. دل عليه دليل الشرع والحس والعقل. فإن المرأة لا تدعي أنها أقوى من الرجل. هل يوجد امرأة تدعي أن جنس النساء أقوى من جنس الرجال؟ ما أحد يقول هذا من العقلاء؛ لا من الذكور ولا من الإناث؛ لا من المسلمين ولا من الكفار. بل الكل يعلم أن المرأة ضعيفة بطبيعة خلقتها؛ لأنها لم تخلق للقوة، وإنما خلقت لشيء آخر. فأنوثتها تستدعي وتستلزم عدم قوتها مقارنة بالرجل. ومع ذلك، هذا مدح نقص؛ هذا بالنسبة لأنها امرأة مدح. والعكس: لو كانت المرأة قوية قوة الرجال؛ هل هذا يعد وصف مدح في المرأة أم ذم؟ من يريد أن يتزوج امرأة مرجلانية؛ ما أحد يريدها. ما أحد يريد مثل هذه المرأة؛ فهو ليس مدحاً، بل ذماً. وهكذا كذلك غلبة عاطفتها؛ هذا مدح للمرأة. القاسية التي فيها فكر الرجال؛ يشق أن تكون زوجة، ويشق أن تكون أماً، ويشق أن تكون ربة بيت. فمن رحمة الله عز وجل فطر المرأة بغلبة العاطفة؛ غلبة العاطفة التي هي بالنسبة للرجل ضعف ونقص، ولكن بالنسبة للنساء وللإناث: مدح وكمال؛ لأنها خلقت لشيء آخر. ومثله قل في أشياء كثيرة. وهذا فقط تقريباً للمعنى؛ ورد لبعض العقلانيين والمستشرقين وأعداء الدين الذين يزعمون أن الإسلام ظلم المرأة في هذا الباب؛ وهم الذين ظلموا المرأة. أما الإسلام؛ فأعطاها حقها الحقيقي الذي تستحقه، ولا يليق لها المقام إلا به. فقلنا: هذا في الحقيقة هو كمال بالنسبة للمرأة؛ فلهذا لا تقبل شهادتها في هذه المواضع؛ ليس استهانة بها، ولكن حفظاً لها. حفظاً لها. ومع ذلك؛ عند الضرورة؛ هل تقبل شهادتها أم لا؟ الجواب: تقبل. الضرورات تبيح المحظورات، وهذه قاعدة شرعية عامة. وفي الشهادات خاصة؛ وفي الشهادات خاصة. ويستدل له بدليل خاص، ودليل عام في باب الشهادات، وفي غير باب الشهادات. أما الأدلة العامة في غير باب الشهادات: عموم الأدلة التي تدل على إباحة الضرورة عند المحظورة؛ فمن اضطر غير باغ ولا عاد؛ فلا إثم عليه. وأما في باب الشهادات خاصة؛ فمن الدليل العام الذي يستأنس به: أن الله عز وجل -كما سيأتي معنا إن شاء الله بيانه- أذن للمسلمين أن يقبلوا شهادة الكافرين من أهل الكتاب؛ شهادة الكافرين عند عدم وجود غيرهم في مسألة الوصية. مع أن الشهادة -كما رأينا في أبواب كثيرة- لا يقبل فيها إلا شهادة مسلمين عدلين؛ ليس مسلم عموم المسلمين، لكن أهل الإسلام وعدول. ومع ذلك؛ في باب الوصية عند الموت؛ إذا لم يكن هناك من أهل الإسلام؛ وجد كفار؛ قبل شهادة الكفار بشروط -كما سيأتي الكلام عليه-. هذا يدل على ماذا؟ يدل على أن الضرورات تبيح المحظورات، وأن المشقة تجلب التيسير؛ أن المشقة تجلب التيسير. وإذا كان هذا في باب الوصية؛ فما بالك بباب الحدود؟ إذا كان الحد سيضيع؛ فإذن يستأنس به. يستأنس به. وتكون قرينة. والشرع لا يجمع بين مفترق، ولا يفرق بين مجتمع. ليس معنى أننا نقبل شهادة النساء؛ لكن نستأنس بشهادة النساء. ومن الدليل الخاص الدال على ذلك: قصة المرأة أو الجارية التي قتل لها اليهود -كما في الصحيح- ورضخ رأسها بين حجرين. من سأل النبي صلى الله عليه وسلم؟ سألها هي، وهي جارية، وهي معتدة عليها. مع أن هذا ينافي أبواب الشهادة؛ تعرفون أن الخصم لا يقبل قوله في خصمه -كما مر معنا قريباً في ذلك-. لكن في مثل هذا المقام؛ للضرورة؛ أخذ النبي عليه الصلاة والسلام بقولها، وهي امرأة. ومع ذلك؛ هي المعتدى عليها. من قتلك؟ سموا له أناس، وهي لا تستطيع الكلام؛ فقالوا لها: فلان اليهودي؛ أشارت برأسها: النعم. فأتوا به؛ فشددوا عليه حتى اعترف. فصار شهادتها مدخلاً للتشديد عليه؛ مدخلاً للتشديد عليه. فكذلك شهادة النساء؛ إذا وقعت؛ مثلاً امرأة قالت: رأيت فلاناً يسرق؛ هل لا يبال بهذه الشهادة؟ ويقال: هذه الشهادة ساقطة؟ نقول: لا؛ هذه قرينة يستأنس بها. صحيح؛ المرأة لا تقبل شهادتها في الحدود؛ لكن يستأنس بها؛ فيشدد على هذا الرجل السارق حتى يعترف. فإذا اعترف؛ أخذ باعترافه. قال رحمه الله تعالى: ما يقبل فيه رجلان عدلان -كما سمعنا للآية- أو رجل وامرأتان -كذلك- أو شاهد ويمين. والشاهد واليمين؛ عند عدم وجود الشاهد الثاني؛ فإنه يقبل يمين المدعي -كما قال النبي عليه الصلاة والسلام- أو كما صح عن النبي عليه الصلاة والسلام فيما رواه أحمد والترمذي وابن ماجة بإسناد صحيح عن ابن عباس أنه قال: قضى النبي صلى الله عليه وسلم باليمين مع الشاهد. وجاء عند ابن ماجة وغيره من حديث جابر بن عبد الله: قضى باليمين مع الشاهد -كذلك- بمعناه. وقال بعض أهل العلم: أنه ثبت عن أكثر من ثمانية من الصحابة هذا الحديث عن النبي عليه الصلاة والسلام. وقد صححه الشيخ الألباني؛ حديث ابن عباس وحديث جابر بن عبد الله في مواضع من كتبه رحمه الله تعالى. فقضى النبي صلى الله عليه وسلم باليمين مع الشاهد في الأموال خاصة؛ يدل أن هذا يكون فيه؛ لا يكون في غيره. مثلاً: رجل أعطى فلان من الناس مالاً؛ فجحد فلان؛ قال: لا؛ ما أعطاني. قال: هات عندك شهود يا فلان. قال زيد من الناس: ما عندي شهود إلا شاهد واحد. قالوا: الشاهد ما يكفي؛ لأن هذا الباب باب الأموال؛ لا بد من شاهدين -كما قال الله عز وجل في الآية-: ﴿فَإِن لَّمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ﴾. فكيف أن نقبل رجلاً واحداً؟ فماذا نفعل؟ هل يسقط الحق؟ لا؛ يقال له: احلف يمين مع هذا الشاهد يمين. قضى النبي صلى الله عليه وسلم باليمين مع الشاهد؛ هذا هو. وقوله رحمه الله: وهو المال؛ يعني أن هذا النوع وهذا القسم في المال وما يقصد به المال. أما المال معروف: المداينات؛ البيع والشراء؛ الإيجارة؛ ونحو ذلك من الأموال. وما يقصد به المال كذلك؛ مثل ماذا؟ ما يقصد به المال؛ مثل الوكالة. الوكالة: هو ليس من المال؛ قد يوكل في أشياء غير المال؛ لكن إذا كانت الوكالة في المال؛ فإنه يقصد بها المال؛ فيجوز بهذه الخصلة الثلاثة. يعني إذا حصل أو احتيج إلى شهادة؛ وحصل تنازع في ذلك؛ فإنه يقبل. قال رحمه الله تعالى: ومنها ما يقبل فيه شهادة امرأة عدل؛ وهو ما لا يطلع عليه الرجال غالباً من عيوب النساء والرضاع والجراحات ونحوها؛ في المواضع التي لا يحضرها إلا النساء. فما كان من خصائص النساء؛ قبل فيه شهادة النساء؛ ولو امرأة واحدة. ودليله: ما جاء في البخاري وغيره من حديث عقبة بن الحارث أنه تزوج ابنة لأبي إيهاب بن عزيز رضي الله تعالى عنهم. ثم جاءت امرأة سوداء؛ فقالت: قد أرضعتك والتي تزوجت. فغضب؛ وجاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم يخبره بأن فلانة تزعم أنها أرضعتني وزوجتي. فأمره النبي صلى الله عليه وسلم أن يفارقها؛ وقال له: كيف وقد قيل؟ يعني وقد قيل ذلك. والمرأة ليست بمتهمة؛ فإنه يقبل حكمها؛ فيجب مفارقتها. ومسألة الرضاع؛ وشهادة المرأة عموماً؛ يحتاج فيها إلى أمور؛ من أهم هذه الأمور ثلاث خصال. أولها: عدالة هذه المرأة؛ وهذا هو قوله: شهادة امرأة عدل. وثانيها كذلك مع هذه العدالة: إتقان هذه المرأة لشهادتها؛ لأن بعضها تتساهل، ولا يكون عندها معرفة لوصف الرضاع الشرعي الصحيح. والرضاع الشرعي الصحيح: ما كان خمس رضاعات مشبعات. فإذا لم يكن عندها إتقان لذلك؛ ربما أتت بأحكام ليست صحيحة. أو كذلك ممن عرفت مثلاً بالتساهل في إطلاق حكم الإرضاع؛ ربما من باب الفخر، أو ربما لكثرة من رضع عندها؛ فيحصل عندها تساهل. والأصل هو بقاء ما كان على ما كان. فإذا شككت؛ فالأصل بقاء ما كان على ما كان؛ أي أن الرجل هذا أجنبي، والمرأة أجنبية؛ حتى تتأكد من هذا وتستيقن منه. وقوله: وهو ما لا يطلع عليه الرجال غالباً من عيوب النساء؛ مثلاً: هذه المرأة مربية، أو يعني تقوم بتوليد النساء؛ فشهدت أن البنت الفلانية ولدت وهي بغير بكارة. فشهادتها مقبولة. واتهام الزوج لها بعدم بكارتها؛ لا يقبل مع وجود شهادة هذه المرأة. وهكذا كذلك الرضاع؛ هو واضح. والجراحات: الجراحات؛ يعني كون أن المرأة جرحت في مكان معين؛ لا يصلح أن يطلع عليه إلا امرأة مثلها؛ فشهادة المرأة في ذلك مقبولة. ونحوه مما لا يحضره إلا النساء. قال: ومنها ما لا يقبل فيه إلا طبيب مسلم أو بيطار؛ كالأمراض؛ أمراض الآدميين والدواب. انتقل إلى قسم آخر من الشهادات؛ فيما يحتاج إلى تخصص. فإن كان في باب الطب؛ فلا تقبل إلا شهادة الطبيب مسلم. كرجل يحتاج إلى مثلاً إعانة في علاج؛ لابد من شهادة الطبيب مسلم. أو إلى إجازة؛ أو كذلك خصومة وقعت؛ فيبين هذا الطبيب حقيقة هذا الجرح بما يقتضي الموازنة والمعادلة في هذه القضية؛ ونحو ذلك. أو بيطار؛ يعني المتخصص بالدواب من البهائم وغيرها؛ بنحو ما ذكر. والله عز وجل يقول: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾. وهذا من سؤالهم والرجوع إليهم وقبول شهادتهم في ذلك. قال: ومنها ما يقبل فيه شهادة الكفار؛ كالوصية في السفر إذا تعذر وجود غيرهم. قال: وعند شيخ الإسلام: أن ذلك عند كل ضرورة؛ أن هذا ليس خاص بالوصية؛ بل هذا في كل ضرورة. وهذا هو الصحيح -كما تقدم-. ففي الوصية؛ قال الله عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنكُمْ أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ﴾ يعني من غير المسلمين؛ من الكفار. ﴿إِنْ أَنتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَأَصَابَتْكُم مُّصِيبَةُ الْمَوْتِ﴾ تحبسونهما من بعد الصلاة؛ فيقسمان بالله إن ارتبتم: ﴿لَا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَىٰ وَلَا نَكْتُمُ شَهَادَةَ اللَّهِ﴾. فإذا لم يوجد أهل الإسلام؛ فتقبل شهادة غير المسلمين من أهل الكتاب؛ أو من غيرهم من أهل الكتاب. بل إذا لم يوجد أهل الكتاب؛ حتى من غيرهم. فإن ارتبنا في شهادة هؤلاء؛ فنجعلهم يقسمون من بعد الصلاة. فإن كان مسلماً؛ فمن بعد صلاة العصر؛ لما ورد من الأدلة الخاصة في ذلك. وإن كان غير مسلم من أهل الكتاب؛ من بعد صلاته التي يصليها له؛ صلاة يصليها نصراني أو يهودي. وخفنا أن الرجل شهد بشهادة غير حقيقية؛ نأمره أن يحلف بالله بعد الصلاة التي صلاها: أنه صادق؛ وأنه لا يكتم شهادة؛ وأنه لا يشتري بذلك ثمناً قليلاً؛ يعني لا يطمع به طمع لدنيا؛ ولم يعطى في ذلك شيء لأجل يشهد هذه الشهادة. فإذا شهد كذلك؛ قُبلت شهادته. فإن ارتيب؛ أتي بغيرهم. إن وقعت الريبة؛ أتي بغيرهم. وهل هذا خاص في الوصية؟ يقول: أن جمهور أهل العلم على ذلك. ولكن جماعة من أهل العلم؛ ومنهم شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله؛ يرى أن هذا عند كل ضرورة؛ ليس بالوصية فحسب؛ بل في جميع أبواب الشهادات؛ يقبل الأدنى؛ ولو كان مثله؛ لا تقبل شهادته في هذا الموضع للضرورة. فالضرورات تبيح المحظورات. طيب. نكتب بهذا القدر. وإلى هنا. والله تعالى أعلم. الله أكبر، الله أكبر.