الدرس في شرح كتاب الصيام من صحيح الإمام البخاري 6، ألقاها الشيخ عبدالرحمن بن مرعي العدني
يشرح المقطع حديث «إذا رأيتم الهلالة فصوموا» مبيناً أن الراجح إفطار يوم الشك وعدم وجوب صومه احتياطاً. كما يفسر حديث «الشهر تسع وعشرون ليلة» بأنه ليس على إطلاقه ويناقش مسألة اتحاد المطالع أم تعددها.
يناقش المقطع القول الراجح بتوحيد المطالع للبلاد المتقاربة واختلافها للمتباعدة فلا تلزم رؤية إحداهما الأخرى. ويبين أن دخول رمضان يثبت برؤية عدل واحد بينما لا يثبت دخول شوال وسائر الشهور إلا برؤية عدلين.
يبيّن المقطع الفرق بين إثبات دخول رمضان برؤية عدل واحد وإثبات سائر الشهور برؤية عدلين مع تفصيل حكم من رأى الهلال وحده. كما يوضح أن العبرة برؤية الهلال بعد الغروب لا نهاراً وينقض الاعتقاد بتقدير الشهر بظهور الهلال صبيحة الثامن والعشرين.
يؤكد المقطع أن اختفاء الهلال صبيحة الثامن والعشرين لا يعني نقص الشهر وظهوره لا يعني تمامه. بل العبرة برؤيته الفعلية استناداً إلى حديث النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا رأيتموه فصوموا، وإذا رأيتموه فأفطروا، فإن غم عليكم فأقدروا له».
موقع دار الحديث بالفيوم يقدم لكم شرح كتاب الصيام من صحيح الإمام البخاري، شرح فضيلة شيخنا العلامة عبد الرحمن بن مرعي العدني، رحمه الله تعالى، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد: فمن قول النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا رأيتم الهلالة فصوموا، وإذا رأيتموه فأفطروا». وأخذنا البارحة الكلام على أن الراجح من أقوال أهل العلم أن يوم الشك يجب فيه الإفطار، ولا يجب فيه صوم احتياطاً لرمضان؛ لنهي النبي صلى الله عليه وسلم عن صوم يوم الشك، ولأن الأصل هو بقاء شعبان، فلا ينتقل إلى رمضان إلا برؤية أو بإكمال العدة. وأيضاً مما يستفاد من هذا الحديث الذي ذكره المصنف - وهو قول النبي صلى الله عليه وسلم: «الشهر تسع وعشرون ليلة، فلا تصوموا حتى تروا» - ظاهر الحديث أن الشهر دائماً وأبداً يكون تسعة وعشرين يوماً. فليس هذا المراد، بل كما هو معلوم أن الشهر العربي تارة يكون تسعة وعشرين يوماً، وتارة يكون ثلاثين يوماً. فهذا الحديث: «الشهر تسع وعشرون ليلة»، إما أن يحمل على شهر معين فتكون الألف واللام للعهد، أو أن المراد أن الأكثر والأغلب يكون الشهر تسعة وعشرين يوماً، أو أن هذا السياق - كما ذكر الشارح رحمه الله: «الشهر تسع وعشرون يوماً» - أن يكون تسعة وعشرين يوماً، وقد يكون ثلاثين يوماً بحديث الأخرى. وقوله أيضاً في الحديث الذي بعده: «الشهر هكذا وهكذا» - وخنس الإبهام - أي: قبض على الإبهام. الشهر يكون تسعة وعشرين يوماً، ويكون ثلاثين يوماً. والحديث الذي بعده: «صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته». يعني: هل يستفاد منه أن الهلال إذا رُئي في بلد وجب على سائر البلاد الموافقة؟ أم أن لكل بلد رؤيتهم؟ هذه مسألة خلافية بين أهل العلم. فمنهم من قال: إذا رأى أهل بلد الهلال وجب على سائر البلاد الموافقة. يعني: أهل اليمن إذا رأوا الهلال دخول رمضان أو خروج رمضان، يجب على الناس جميعاً في جميع الدنيا أن يصوموا لرؤية أهل اليمن، أو يفطروا لرؤية أهل اليمن؛ لعموم الحديث: «إذا رأيتموه فصوموا». يعني: لا يمكن أن يراه جميع المسلمين، لكن الخطاب للمسلمين، فإذا رآه بعضهم لزم الآخرين أن يوافقوهم في الرؤية. ومنهم من قال: لكل بلد رؤية. أهل اليمن إذا رأوا الهلال فلا يكون ملزماً لأهل الخليج، أو لأهل السودان ومصر، أو لأهل الهند وباكستان، أو لأهل أوروبا وأمريكا؛ لأنه يقول: «إذا رأيتموه فصوموا، وإذا رأيتموه فأفطروا». واستدلوا بحديث ابن عباس، حينما رأى الهلال كريب مولى ابن عباس، مشى إلى الشام في زمن معاوية رضي الله عنه، فرأى الهلال بعينه، ورآه الناس ليلة الجمعة، فرجع في آخر الشهر للمدينة، فسأله ابن عباس: «متى رأيتم الهلال؟» قال: «رأيناه ليلة الجمعة». قال: «أرأيتَه؟» قال: «نعم، أنا رأيته، ورآه الناس، وصام معاوية والناس». قال: «لكننا رأيناه ليلة السبت في المدينة». قال: «ألا تكتفي؟» قال: «فلا نزال نصوم حتى نرى الهلال أو نكمل العدة». فقال له: «ألا تكتفي برؤية معاوية؟» قال: «لا، هكذا أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم». هنا قول ثالث، وهو أنه إذا اتحدت أو اتفقت المطالع فتجب الموافقة، وإلا فلا. يعني: أهل المعرفة بأن المطالع تتفق وتختلف. فمتى ما اتفقت المطالع، تقاربت البلاد، فمن رآه يعتبر رؤية للبلاد المجاورة. أما إذا تباعدت المطالع، واختلفت، وتباعدت البلاد، فلا يلزم أهل أمريكا إذا رأوا الهلال أن يصوم أهل اليمن برؤية أهل أمريكا مثلاً. وهذا القول الراجح، وأعدل الأقوال: أنه إذا تقاربت البلاد وصار المطالع واحداً، أن تكون الرؤية واحدة وملزمة للبلاد المجاورة. مثلاً: الآن إذا رأى أهل اليمن الهلال في دخول رمضان، يجب على البلاد المجاورة الموافقة، مثل المملكة والخليج والصومال والسودان، وهذه الدول القريبة؛ لأن المطالع واحد. أما إذا رأى أهل إندونيسيا الهلال - مسافة طويلة بين إندونيسيا واليمن - فتختلف المطالع، لا يجب على أهل إندونيسيا الصوم برؤية أهل اليمن، ولا العكس. لماذا؟ لأن الوقت مختلف بيننا. مثلاً: بيننا وبين إندونيسيا كم؟ أربع أو خمس ساعات، أربع ساعات. إذن هم مثلاً قد يمسكون قبلنا ويفطرون قبلنا، وأيضاً مواقيت الصلاة تختلف. فإذا اختلف مواقيت الصلاة، ووقت الإفطار، ووقت الصوم والإمساك، فاختلاف مسألة رؤية الهلال. هذا أعدل الأقوال وأقربها. وقوله: «إذا رأيتموه فصوموا، إذا رأيتموه فأفطروا». هل يلزم أن يراه جميع الناس؟ أو إذا رآه شخص واحد يحصل الصوم، ويحصل الإفطار؟ هل إذا رآه واحد يلزم الصوم برؤية واحد، أو الإفطار في آخر رمضان برؤية واحد؟ الجواب: أن هذه المسألة خلافية بين أهل العلم، والراجح من أقوال أهل العلم أن دخول رمضان يكتفى فيه برؤية عدل واحد. دخول رمضان يكتفى فيه برؤية عدل واحد. ما الدليل؟ ما رواه أبو داود من حديث ابن عمر قال: «تراءى الناس الهلال، فرأيته، وأخبرت النبي صلى الله عليه وسلم، فصامه وأمر الناس بصيامه». فهذا يدل على أن رؤية هلال دخول رمضان يكتفى فيه برؤية عدل واحد. إذا رأى واحد يكفي. أما دخول شوال، وانتهاء رمضان، وسائر الشهور، فلا يكتفى إلا برؤية عدلين. لا بد من رؤية عدلين. من حديث الحارث بن حاطب أنه قال: «أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نتحين الرؤية»، قال: «فإن غم عليكم فأكملوا العدة ثلاثين». وشهد ابن عمر في ذلك. فما عدا دخول رمضان، سائر الشهور لا يكفي في إثبات دخول الشهر إلا برؤية اثنين فأكثر. أما دخول شهر رمضان، فعندنا حديث ابن عمر فيه الاكتفاء برؤية رجل واحد. أما سائر الشهور، فلا يثبت دخوله إلا برؤية عدلين فأكثر، لحديث الحارث بن حاطب، وحديث ابن عمر. فإذا قال قائل: إذا رأيت الهلال وحدي، هل أصوم؟ وهل أفطر برؤية الهلال وحدي؟ الجواب: كما تقدم معنا في المسألة التي قبلها. بالنسبة لمن رأى هلال دخول رمضان وحده، فيلزمه أن يصوم، وإن لم يعلنوا عن دخول رمضان؛ لأنه يكفي في إثبات دخول شهر الصوم برؤية عدل واحد. أما إذا كان في آخر شهر رمضان، ورآه وحده، ولم يشهد أحد برؤيته، فلا يفطر؛ لا يفطر لأن الشهر غير رمضان لا يدخل إلا برؤية عدلين. فهذا الفصل فيه كثير من الفوائد. ومنها الفائدة الأخيرة: قول النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا رأيتموه فصوموا، وإذا رأيتموه فأفطروا». هل إذا رُئي الهلال في النهار يثبت به دخول الشهر؟ إذا رُئي الهلال في النهار، في خلاف طويل بين أهل العلم، والراجح أن العبرة برؤية الهلال بعد الغروب. العبرة برؤية الهلال بعد الغروب. إذا رُئي الهلال نهاراً، فلا يعتبر شيئاً، لا يعتبر شيئاً. فالعبرة برؤية الهلال ليلاً. هذا الذي عليه أهل المذهب، والذي استقر عليه كلام أهل العلم: أنه إذا رُئي الهلال نهاراً لا يعتبر شيئاً. فمتى يعتبر برؤية الهلال؟ إذا رُئي بعد الغروب. إذا رُئي بعد الغروب، فحينئذ يثبت به دخول الشهر أو خروج الشهر. فلا داعي لترائي الهلال قبل الغروب. فدخول الشهر وخروجه، العبرة في الهلال إذا رُئي بعد الغروب. وبعض الناس هنا فائدة ذكرها شيخ الإسلام ابن تيمية: يرون أن الهلال إذا ظهر في صبيحة الثامن والعشرين يقولون: الشهر تام، وإذا لم يظهر في صبيحة الثامن والعشرين يقولون: الشهر ناقص. وبيّن شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله أن هذا غير مطرد، وهذا غير صحيح. وهذا الذي عليه العوام عندنا: إذا رأوا الهلال في صبيحة الثامن والعشرين من رمضان مثلاً، أو من شعبان، فيقولون: هذا الشهر تام، يعني سيكمل ثلاثين يوماً. وإذا لم يُرَ في الصبيحة، فيقولون: الشهر ناقص، سيكون رمضان في هذا العام مثلاً تسعة وعشرين يوماً. وأبان رحمه الله أن هذا غير صحيح؛ لأنهم بنوه على أن استسرار الشهر لا يكون إلا ليلة. قال: لا، قد يستسر يوماً أو ليلة، وقد يكون ثلاث ليال. فلذلك إذا اختفى الهلال في صبيحة الثامن والعشرين، لا يدل على أن الشهر ناقص. وإذا ظهر، لا يدل على أن الشهر تام. بل العبرة برؤيته، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا رأيتموه فصوموا، وإذا رأيتموه فأفطروا، فإن غم عليكم فأقدروا له». إلى هنا والحمد لله.