الخطبة بعنوان الاستقامة على الصراط المستقيم، ألقاها الشيخ عبدالرحمن بن مرعي العدني
تناولت الخطبة أمر الله بالاستقامة على صراطه المستقيم مستشهدة بآيات وأحاديث تبين فضائلها، وعرّفت الاستقامة بلزوم طاعة الله في النيات والأقوال والأعمال. كما حذر الخطيب من كيد الشيطان الذي يصد العباد إما بالتفريط أو بالغلو والتنطع.
أكد الخطيب أن دين الله سر بين طريقين، وحث على لزوم الاستقامة باتباع سنة النبي صلى الله عليه وسلم محذرًا من الغلو والتفريط. ضرب المثل بالثلاثة الذين أرادوا التشدد فبين لهم النبي أن هديه هو الأكمل، مستشهدًا بتحذير النبي من الخوارج.
استعرض المقطع هدي النبي صلى الله عليه وسلم في التخفيف عن المصلين والأمر بالسداد والمقاربة، مبينًا أن الاستقامة الحقيقية تجمع بين الاعتقاد الصحيح والعمل الصالح مع المداومة وفق الطاقة. أكد على الاستعانة بأوقات النشاط والراحة، والتوبة عند التقصير.
اختتم المتحدث بدعاء لله بالتوفيق والسداد للجميع، وحمد الله وصلى وسلم على النبي محمد وآله وصحبه أجمعين.
موقع دار الحديث بالفيوش يقدم هذه المادة: الاستقامة على الصراط المستقيم، خطبة الجمعة لفضيلة شيخنا العلامة عبد الرحمن بن مرعي العدني رحمه الله تعالى. إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا. من يهد الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾. أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. أيها المسلمون، عباد الله: إن الله عز وجل أمر نبيه صلى الله عليه وعلى آله وسلم بالاستقامة، وهكذا أمر المؤمنين وحثهم عليها ورغبهم فيها ووعدهم بجزيل الأجر والثواب. قال الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾. وقال ربنا عز وجل: ﴿فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ﴾. وقال ربنا تبارك وتعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾. وهكذا يقول الله تبارك وتعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾. ويقول الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿وَأَنْ لَوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا﴾. ويقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «سددوا وقاربوا، واعلموا أنه لن يدخل أحد منكم الجنة بعمله». قيل: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: «ولا أنا، إلا أن يتغمدني الله برحمة منه وفضل». رواه مسلم. وفي مسلم من حديث سفيان بن عبد الله أنه قال: يا رسول الله، قل لي في الإسلام قولًا لا أسأل عنه أحدًا بعدك. قال: «قل آمنت بالله ثم استقم». أحاديث من أحاديث رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وآيات من كتاب الله عز وجل، فيها الأمر والحث والترغيب لنا عباد الله بلزوم طاعة الله والاستقامة على منهج الله. هذه الاستقامة: أن تلزم طاعة الله سبحانه وتعالى، وأن تسير على الصراط المستقيم الذي رسمه الله عز وجل ووضعه لعباده ودلهم وبينه لهم، وهكذا بينه لهم نبينا صلى الله عليه وعلى آله وسلم. الاستقامة هي الاعتدال والسير على طاعة الله عز وجل في المقاصد والنيات، في الأقوال والأفعال، في الأخلاق والآداب، في السلوك والدعوة والمنهاج، في المعاملة مع الآخرين، في جميع شؤون حياتك. تستقيم على طاعة الله وتلزم صراط الله عز وجل المستقيم. فإن الصراط المستقيم هو الطريق الذي لا عوج فيه ولا انحراف فيه ولا زيغ فيه، بل كما قال ربنا تبارك وتعالى في كتابه الكريم: ﴿أَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾. هذا صراط المستقيم الذي هو صراط الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، كما قال ربنا تبارك وتعالى في كتابه الكريم: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا * ذَلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ عَلِيمًا﴾. صراط الله عز وجل هو كما تقدم: الذي لا حريف فيه ولا زيغ فيه ولا ظلمة فيه، بل هو طريق ظاهر وطريق بين وطريق نير وطريق آمن، لا خوف على من سلك، ولا خطر على من مشى فيه. بخلاف طرق الغواية والضلالة، ففيها الميل وفيها الزيغ وفيها الإعوجاج والانحراف، وفيها الخوف على من سلك هذه الطرق المضلة والمناهج المعوجة. أما صراط الله عز وجل فهو كما وصفه الله تبارك وتعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾. والشيطان عباد الله حريص على صد المسلمين والعباد أجمعين عن هذا الصراط المستقيم الذي أمر الله عز وجل عباده بلزومه والسير عليه، فهو حريص على أن يبعدهم عن هذا الصراط المستقيم، سواء كان إلى طريق الإضاعة والتفريط، أو كان إلى طريق الغلو والمجاوزة والتشدد، فلا يبالي إلى أي شقين صار العباد. كما قال ربنا تبارك وتعالى في كتابه الكريم: ﴿ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ﴾. وهو القائل: ﴿قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾. فالشيطان أخذ على نفسه أن يقف في طريق العبد وأن يصده عن سبيل ربه وطريق فلاحه. فهو ينظر إلى العبد، فإذا رأى عنده نشاطًا... ينظر إلى العبد فإذا وجد عنده تقصيرًا ووجد عنده تساهلًا عن طاعة الله سبحانه وتعالى شجعه على التساهل وشجعه على الإضاعة والتفريط، وزين له طريق المحرمات والشهوات، وأغراه وأغواه، وأتاه من بين يديه ومن خلفه وعن يمينه وعن شماله. هكذا عباد الله: الشيطان إذا وجد العبد مضيعًا ومسرفًا على نفسه فإنه يحرص على أن يضيعه في متاهات الضلال والغواية والمعاصي والشهوات، على أن يقطعه عن سبيل ربه وطريق فلاحه، على أن يضيع في الشهوات والظلمات والمعاصي والمهلكات. وأما إذا رأى العبد مقبلًا على الله حريصًا على طاعة الله سبحانه وتعالى، فإنه يأتيه من طريق التشديد على الخير، فيقول له: زد اجتهادًا، وقدم إلى الله، فإن هذا محبوب عند الله سبحانه وتعالى، لا تنم مع أهل النوم، ولا تكسل مع أهل الكسل، وامضِ وامشِ وسارع إلى مرضاة ربك، حتى يخرجه إلى طريق الغلو والتشدد والتجاوز، حتى يوقعه في التنطع والمبالغة. فالشيطان حريص على أن يغوي العبد، وعلى أن يصرف العبد عن طاعة الله وعن صراط الله عز وجل المستقيم. قال بعض العلماء: دين الله عز وجل سَرٌّ بين الغالي فيه والجافي عنه، وما أمر الله بأمر إلا كان للشيطان اعتراض فيه، إما إلى جهة الإفراط أو إلى جهة التفريط، ولا يبالي إلى أي شقين صاروا. هكذا عباد الله: فدين الله عز وجل سَرٌّ، وهذه الدعوة المباركة سَرٌّ بين طريقين، وهدى بين ضلالتين. فلنجتهد عباد الله على لزوم الاستقامة التي أمر الله عز وجل بها، وعلى السير المعتدل. فإن الخير كل الخير في الاجتهاد في طاعة الله، لكن الاجتهاد المقرون بالسنة والمقرون بمتابعة الأدلة، هذا هو الخير وهذه السعادة. والشر كل الشر هو في الخروج عن صراط الله المستقيم، إما إلى جهة الإضاعة والتفريط واتخاذ الدين لهوًا ولعبًا وتهالكًا، وإما إلى جهة الغلو والتشدد والتعنت والتجاوز والتنطع. فكلاهما مذموم، كلاهما مذموم عباد الله، وكلاهما انحراف، وكلاهما ضلال، وكلاهما خروج عن هدي النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. فاحرصوا عباد الله على لزوم طاعة الله عز وجل على ما كان عليه الأنبياء، على ما كان عليه إمام المتقين وسيد الأولين والآخرين، فإنه أكرم الخلق وسيد الخلق، وهو الذي بعثه الله عز وجل رحمة للعالمين، وهو الذي جعله الله عز وجل لنا قدوة وإمامًا وأسوة ومربيًّا. فقال ربنا تبارك وتعالى في كتابه الكريم: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾. طريق النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: طريق آمنة، طريق الهدى، طريق السداد، طريق الاستقامة على دين الله الحق، طريق الوصول إلى رحمة الله تبارك وتعالى والفوز بجنته. وكل من أراد أن يصل إلى الله سبحانه وتعالى من غير طريق رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فإنه يسلك أعسر الطرق وأظلم الطرق وأبعد الطرق عن الوصول إلى المراد والسعادة والنعيم في الدنيا والآخرة. النبي عليه الصلاة والسلام، وقبل ذلك ربنا تبارك وتعالى، حذرنا من الطريقين: طريقي الانحراف، سواء كان من جهة التساهل أو من جهة التشدد، وذم أهل الكتاب وعابهم بسبب ذلك، وأخبر أنه أنزل مقته ولعنته وغضبه وسخطه على أهل الكتاب بسبب ذلك. فقال ربنا عز وجل: ﴿وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ * ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ﴾. ذلك بما عصوا بالمعاصي والشهوات، وكانوا يعتدون بالمجاوزة والغلو والإفراط. وربنا عز وجل ذم أهل الكتاب فقال: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ﴾. وقالوا: ﴿رَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ﴾. فالعبد الموفق هو الذي يلزم طريق رسول الله، وهو الذي يخشى على نفسه طريق التساهل والإضاعة والتفريط، وطريق المجاوزة والغلو والتشدد. جاء ثلاثة نفر إلى بيوت أزواج النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم يسألون عن عبادة النبي عليه الصلاة والسلام، فلما أخبروا بها كأنهم تقالوها، رأوا عبادة النبي صلى الله عليه وسلم قليلة. ثم ذهبوا يعتذرون للنبي عليه الصلاة والسلام بقولهم: إنه قد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر. فجاء النبي عليه الصلاة والسلام إلى بيوت أزواجه فأخبروه بخبر هؤلاء النفر الثلاثة، فجاء إليهم فقال: «أنتم الذين قلتم كذا وكذا؟» قالوا: نعم يا رسول الله. قال: «أما إني لأخشاكم لله وأتقاكم له، ولكني أصلي وأرقد». نعم، هم قالوا كأنهم تقالوها، ثم اعتذروا للنبي عليه الصلاة والسلام وقالوا: إنه قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر. فقال الأول: «أما أنا فأصلي الليل ولا أرقد». وقال الثاني: «وأما أنا فأصوم الدهر ولا أفطر». وقال الثالث: «وأما أنا فلا أتزوج النساء». وفي رواية: «فلا آكل اللحم». جاء إليهم النبي عليه الصلاة والسلام وقال لهم: «أنتم الذين قلتم كذا وكذا؟» قالوا: نعم يا رسول الله. قال: «أما إني لأخشاكم لله وأتقاكم له، ولكني أصلي وأرقد، وأصوم وأفطر، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني». هكذا عباد الله: عالج النبي صلى الله عليه وسلم هذا الانحراف، هذا التجاوز. ظن هؤلاء الثلاثة أن الذي يقرب إلى الله سبحانه وتعالى هو المشقة على النفس، وهو المجاوزة، وهو كثرة العمل، ولو كان على خلاف مراد الله سبحانه وتعالى. فبين لهم النبي عليه الصلاة والسلام أنه أعظم الناس خشية لله وأعلم الناس بربه سبحانه وتعالى وبما يوصل إليه: «إني لا أخشاكم لله وأتقاكم له». في رواية: «لا أعلمكم بالله». فإذن طريق النبي عليه الصلاة والسلام ليس في طريق أهل الإضاعة والتفريط، وليس في طريق أهل الجهل والجفاء، وإنما هي طريق العلم وطريق السداد والهدى والطريق المرضية التي توصل إلى الله سبحانه وتعالى: «إني لا أخشاكم لله وأتقاكم له، ولكني أصلي وأرقد، وأصوم وأفطر، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني». فاحذروا عباد الله التنطع والتشدد والغلو، فإن هذا ليس مما يقرب إلى الله سبحانه وتعالى. بل سلوك طريق التنطع والتشدد والغلو أعظم خطرًا على المسلم من سلوك طريق الإضاعة والتفريط، وكلاهما خطير. لماذا؟ لأن الذي يسلك طريق المعاصي يعلم من نفسه التقصير ويوشك أن يتوب ويراجع نفسه، بخلاف طريق التنطع والتشدد، فإنه يلبس لباس الدين، ويكون باسم الغيرة، ويكون باسم التقرب إلى الله سبحانه وتعالى، فيقل ما يتوب. ويقول سفيان الثوري رحمه الله تعالى: «إن إبليس ليفرح بالبدعة أعظم من فرحه بالمعصية، لأن المعصية يتاب منها، والبدعة قل ما يتاب منها». ولنعبرة بالخوارج الذين احتقر سلف هذه الأمة من الصحابة ومن بعدهم صلاتهم إلى صلاتهم، وصيامهم إلى صيامهم، وقراءتهم إلى قراءتهم. ومع ذلك يقول النبي صلى الله عليه وسلم فيهم: «يمرقون من الدين مروق السهم من الرمية، يقاتلون أهل الإسلام ويدعون أهل الأوثان، لئن أدركتهم لأقتلنهم قتل عاد». انظروا عباد الله كيف أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم حذر هذه الأمة من سلوك هذه الطريق، طريق الغلو والتشدد. الخطاب لأصحابه الذين هم أكمل الناس هديا وأعظم الناس رغبة في طاعة الله وأشد الناس مسارعة إلى فعل الطاعات والانتهاء عن المعاصي والمخالفات. يقول النبي صلى الله عليه وسلم مخاطبًا لهم: «تحقرون صلاتكم عند صلاتهم، وصيامكم عند صيامهم، وقراءتكم عند قراءتهم». المجتهد من الصحابة من كثرة عبادة هذا الخارج، ومن كثرة تعبد وصوم هذا الخارج، ومن كثرة تلاوة هذا الخارج، يحتقر أهل الصلاح والاستقامة وأهل المسارعة أنفسهم عند هذه القراءات وعند هذه الصلوات وعند هذا الصيام وعند هذا الاجتهاد. ومع ذلك لم يستحسن فعلهم النبي صلى الله عليه وسلم لأنهم جاوزوا الحد وتنطعوا وبالغوا وغلوا في دينهم. قال: «يمرقون من الدين مروق السهم من الرمية، يمرقون من الدين مروق السهم من الرمية». فاحذروا عباد الله سلوك طريق الإضاعة أو طريق التشدد والغلو، بل علينا أن نلزم الصراط المستقيم. دخل النبي صلى الله عليه وسلم كما في الصحيحين من حديث أنس المسجد، فإذا حبل ممدود بين الساريتين. فقال: «ما هذا؟» قالوا: هذا حبل لزينب، تصلي فإذا فترت تعلقت به. قال: «حلوه، ليصل أحدكم نشاطه، فإذا فتر فليرقد». ودخل النبي عليه الصلاة والسلام على عائشة رضي الله عنها ووجد عندها امرأة، فقال: «يا عائشة، من هذه؟» قالت: هذه فلانة، تذكر من صلاتها - أي تذكر من كثرة صلاتها. فقال: «ما عليكم بما تطيقون، فإن الله لا يمل حتى تملوا، وكان أحب الدين إليه ما داوم عليه صاحبه». وهكذا في وقائع كثيرة: النبي صلى الله عليه وسلم يرشد إلى سلوك الصراط المستقيم، وأن يحسن الإنسان كيف يعالج نفسه وكيف يقبل على ربه سبحانه وتعالى. فهو القائل عليه الصلاة والسلام: «إن هذا الدين يسر، ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه، فسددوا وقاربوا، وأبشروا، واستعينوا بالغدوة والروحة وشيء من الدلجة». نعم عباد الله: هذا الذي ينبغي علينا، أن نحذر من جانب التساهل والمعاصي، فإن لها آثارًا سيئة وآثارًا عظيمة: سبب للختم على القلب، سبب للطمس على البصائر، سبب لمزول نقمة الله ولعنة الله وغضب الله، سبب لحرمان العلم والهدى، سبب لسد أبواب الرزق، سبب للوصول إلى النار، سبب للحرمان من الجنة، سبب للفرقة والتنازع، سبب لكثير من الآثار السيئة. واعكفوا عباد الله على جانب الغلو والتشدد، فهذه دعوة أهل الإسلام، وهذه دعوة أهل السنة والجماعة: وسط بين غلوين وانحرافين، وهدى بين ضلالتين. نسأل الله للجميع التوفيق. بسم الله الرحمن الرحيم. والحمد لله، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد: فكما تقدم في قول الله عز وجل: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾. وهكذا في حديث النبي صلى الله عليه وسلم: «قل لي في الإسلام قولًا لا أسأل عنه أحدًا بعدك»، قال: «قل آمنت بالله ثم استقم». فالاستقامة عباد الله ليست كلمة تُقال، وليست أماني وحماسات وعواطف، وإنما هي اعتقاد واتباعه بالعمل والجد والاجتهاد في طاعة الله سبحانه وتعالى. ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾. هؤلاء هم الآمنون، وهؤلاء هم السعداء، وهؤلاء هم الذين يسلمون من الحزن. الذين قالوا ربنا الله: اعترفوا واعتقدوا بأن معبودهم وخالقهم وإلههم ومليكهم، والذي يدبر شؤونهم، والذي يملك لهم النفع ودفع الضر، هو الله سبحانه وتعالى. حققوا الإيمان بالله وأخلصوا العبادة لله، ثم أتبعوا هذا الاعتقاد بالعمل الصالح. ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾. فاحرصوا عبد الله على أن تلزم طاعة الله وتكون من أهل الاستقامة والصلاح بالاعتقاد الصحيح وبالعمل الصالح. فهذا يدلنا على أن الاستقامة ليست بالآراء، وليست بالأهواء، وليست بالأماني والدعاوى، وإنما هي اجتهاد في طاعة الله سبحانه وتعالى. والمسلم كما قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «سددوا وقاربوا»، هو الذي يحرص على السداد، فإذا لم يصل إلى السداد فإنه يحرص على مقاربة السداد. وهذا في مثل بالذي يرمي إلى هدف، قد اتخذ لنفسه هدفًا يرميه ويحاول أن يصيب هذا الهدف. فالدرجة الأولى: الذي يصل إلى إصابة الهدف - سددوا. والذي يعجز عن إصابة الهدف فإنه لا يزال محاولًا للوصول إلى السداد، وإن لم يصل إلى السداد فإنه يرمي بجوار الهدف. كلاهما على خير مع الجد والاجتهاد، ومع الحرص والمداومة والتشمير. كلاهما في خير: الذي وفقه الله سبحانه وتعالى إلى الاستقامة في الأقوال وفي العقيدة وفي الأعمال وفي الأخلاق وفي الآداب وفي المعاملات وفي غير ذلك. وهكذا الذي يحاول لأنه بشر يحصل عنده شيء من التقصير، فهذا أيضًا لا يلام مع جده واجتهاده. قال النبي صلى الله عليه وسلم كما في مسند الإمام أحمد من حديث الحكم بن حزن: «أيها الناس، إنكم لن تطيقوا - أو لن تستطيعوا - أن تفعلوا كل ما أمرتكم به، فسددوا وأبشروا، فسددوا وأبشروا». احرص على السداد، وإن حصل عندك شيء من التقصير، فاسأل الله العفو، واعلم أنك تعامل ربًّا عفوًّا غفورًا. فالذي يسدد، والذي يقارب الهدف، كلاهما على خير. أما الذي يبتعد عن الهدف ويبتعد عن المقاربة، فهذا هو المفرط وهذا هو المضيع. «سددوا وقاربوا وأبشروا، واستعينوا بالغدوة والروحة وشيء من الدلجة». انظروا عباد الله إلى هذا النبي الكريم عليه الصلاة والسلام الذي لا ينطق عن الهوى، كيف يربي وكيف يوجه: «سددوا وقاربوا، وأبشروا، واستعينوا بالغدوة والروحة وشيء من الدلجة». كأنه يخاطب مسافرًا يمشي في سفر من سفر الدنيا. فإن الذي يحرص على سلامة بدنه والوصول إلى هدفه وسلامة بعيره، هو الذي يمشي في أوقات النشاط والقوة، وأوقات الراحة للراحلة. أغدوا وروحوا: الغدو هو السير في أول النهار، والروحة هو السير بعد الزوال، والدلجة هو السير في آخر الليل. هذه أوقات القوة وأوقات النشاط وأوقات الراحة للبدن وللراحلة. وهكذا ينبغي على المسلم أن يسير إلى الله سبحانه وتعالى، أنه ينظر أوقات نشاطه وفراغ قلبه، فيقبل في وقت الإقبال، ويعطي لنفسه شيئًا من الراحة في وقت الفتور. والنبي صلى الله عليه وسلم هو القائل: «إن لكل عمل شرة، ولكل شرة فترة، فمن كانت فترته إلى سنتي فقد اهتدى، ومن كانت فترته إلى غير ذلك فقد هلك، ومن كانت فترته إلى غير ذلك فقد هلك». هكذا يقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. فاحرصوا عباد الله على السير إلى الله سبحانه وتعالى ملازمين للسنة، حذرين من البدعة. فكما تقدم: الخير كل الخير في اتباع سنة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. واعلموا أن الله عز وجل يقول: ﴿فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ﴾. ما من شخص إلا عنده تقصير وعنده خطأ، لأن الله عز وجل يقول: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ﴾. ويقول النبي صلى الله عليه وسلم: «إنكم لو لم تذنبوا لذهب الله بكم ولجاء بقوم آخرين يذنبون فيستغفرون الله فيغفر لهم». فعندك - يعني - المخرج من هذا التقصير بالتوبة والاستغفار والرجوع إلى الله سبحانه وتعالى. أسأل الله، أسأل الله عز وجل للجميع التوفيق والسداد، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.