الخطبة بعنوان أهمية التوحيد وحمايته، ألقاها الشيخ عبدالرحمن بن مرعي العدني
تؤكد الخطبة أن تحقيق توحيد الله وإخلاص العبادة له وحده هو الشرط الأساسي لنزول نصر الله وتمكين المؤمنين في الأرض، مستشهدة بآيات قرآنية تربط الاستخلاف والأمن بتحقيق التوحيد واجتناب الشرك. وتوضح أن غاية خلق الجن والإنس هي عبادة الله وحده، وأن جميع الأنبياء اتفقوا على الدعوة إلى التوحيد رغم اختلاف شرائعهم، فهو أصل الدين وأعظم الواجبات وأساس الملة.
يبيّن المقطع أن الله خلق الجن والإنس لعبادته وحده لا شريك له، وأن الرسل جميعهم دُعوا إلى تحقيق التوحيد وإفراد الله بالعبادة، مستعرضاً دعوة النبي صلى الله عليه وسلم في مكة لكلمة "لا إله إلا الله" وربط الفلاح بها، وموضحاً أن الإقرار بالربوبية فطري لكن الشرك هو المانع من تحقيق العبادة الصحيحة.
يبيّن المقطع أن التوحيد ثلاثة أنواع، وأن توحيد الألوهية هو محور دعوة الرسل وسبب المفاصلة مع المشركين، محذراً من الأئمة المضلين الذين يلبسون الشرك ثوب التوحيد. ويؤكد أن العناية بتوحيد الله وسلامة القلوب هي آكد الحقوق وأعظم الواجبات، وأن موت القلب بالخسارة في الدنيا والآخرة.
يختتم المتحدث بدعاء يسأل الله فيه البصيرة بالحق والثبات عليه حتى الممات، ويختم بالحمد لله والصلاة والسلام على النبي محمد وآله وصحبه.
موقع دار الحديث بالفيوش يقدم هذه المادة: أهمية التوحيد وحمايته، خطبة الجمعة لفضيلة شيخنا العلامة عبد الرحمن بن مرعي العدني رحمه الله تعالى. إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾. أما بعد، فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. أيها المسلمون، عباد الله، يقول الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾، ويقول الله عز وجل: ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ * إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ * وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ﴾، ويقول ربنا عز وجل: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ﴾، ويقول ربنا تبارك وتعالى في كتابه الكريم: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا﴾. ففي كتاب الله عز وجل وعد بأنه يجعل النصر والتمكين والاستخلاف في الأرض لعباده المؤمنين، وأنه ناصر عباده الصالحين. ولو نظرنا، عباد الله، إلى أحوال المسلمين لوجدنا الهزائم والنكبات والذل والمهانة التي يعيشها كثير من المسلمين، مع أن وعد الله حق، ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا﴾، ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا﴾. فلا بد أن يكون هناك سبب يؤخر نزول نصر الله سبحانه وتعالى للمؤمنين. وإذا نظرنا وتأملنا آيات كتاب الله عز وجل، لوجدنا أن الله عز وجل علق هذا النصر بأهله، ووصفهم بصفات كثيرة حتى يكونوا مستحقين لنزول نصر الله تبارك وتعالى. ففي هذه الآية الكريمة: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا﴾، لكن بشرط: ﴿يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا﴾. فإذا كانت عبادة الله سبحانه وتعالى خالصة، كان نصر الله عز وجل لعباده المؤمنين الصالحين الموحدين. نعم، عباد الله، فمن هنا نعرف أهمية تحقيق توحيد الله، تحقيق التوحيد لرب العالمين سبحانه وتعالى، واجتناب الشرك. فإن الذين ينصرهم الله تبارك وتعالى هم الذين تحققت فيهم هذه الصفات. فنصر الله لا يقوم إلا على مثل هذه الركائز، وعلى وجود مثل هذه الصفات في هؤلاء المنصورين: يعبدون الله عز وجل حق عبادته، عبادة الله تبارك وتعالى التي تشمل الصلاة والصوم، والتي تشمل الزكاة وبر الوالدين، والتي تشمل الركوع والسجود، والتي تشمل عبادة القلوب من الخوف والرجاء والرغبة والرهبة والتوكل والاستعانة، وغير ذلك من أنواع العبادات. فالله يقول في كتابه الكريم: ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ * الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ﴾. بهذه الصفات، عباد الله، ينزل نصر الله تبارك وتعالى لعباده المؤمنين إذا قاموا بعبادة الله، حققوا التوحيد لله عز وجل، التوحيد الذي لا يصح معه عمل، ولا تنفع معه عبادة، ولا يدخل عبد الجنة، ولا ينجو من النار إلا إذا حقق التوحيد وأخلص العقيدة. ولهذا كان النصيب الأوفر من كتاب آيات الله عز وجل، من آيات كتاب الله تبارك وتعالى، لهذا الأمر العظيم، وعاكب الجانب الأكبر من دعوة الأنبياء، ونبينا صلى الله عليه وسلم، لهذا الأمر العظيم: التوحيد، عباد الله، الذي هو أساس الدين والملة، أهم المهمات وأوجب الواجبات، وأعظم الحقوق: عبادة الله سبحانه وتعالى وحده لا شريك له. ولهذا فإن الأنبياء جميعا اتفقوا وأجمعوا على الدعوة إلى توحيد الله تبارك وتعالى. اختلفت شرائعهم لحكمة ربنا تبارك وتعالى، أما أصل الدين وهو التوحيد فإنهم مجتمعون عليه. ولهذا سماهم النبي صلى الله عليه وسلم إخوة لعلات، سمى الأنبياء إخوة لعلات، الإخوة لعلات هم الإخوة لأب، فأبوهم واحد وأمهاتهم شتى، فهم متفقون في أصل الدين وهو توحيد الله، واختلفوا في الشرائع كما قال الله عز وجل: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾. فأول ما يبعث النبي إلى قومه أن يقول لهم، كما أخبر الله عز وجل في آيات كتابه: ﴿أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾. وهكذا أخبر الله عز وجل في كتابه الكريم بقوله: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾. إذن سبب إرسال الله عز وجل للرسل هو أن يدعو الخلق إلى عبادة الله تبارك وتعالى. وهكذا يخبر الله عز وجل في كتابه الكريم عن الحكمة التي لأجلها خلق الخلق، فقال: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ * مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ * إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾. ما خلق الله عز وجل الخلق، ما خلق الجن والإنس لحكمة من الحكم، ولا لغاية من الغايات، ولا لوظيفة من الوظائف إلا للقيام بهذه الوظيفة والقيام بهذه العبادة: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾، إلا ليوحدوني، إلا ليفردوني، إلا ليقوموا بعبادتي وحدي لا شريك لي. هكذا يأمر الله سبحانه وتعالى عباده. فقوله: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ حصر للحكمة التي لأجلها أوجد الله سبحانه وتعالى الخلق، وسخر لهم ما في السماوات وما في الأرض ليقوموا بهذه المهمة ويؤدوا هذه العبادة. ما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون، ما خلقهم لأجل الفلاحة، وما خلقهم لأجل الزراعة، وما أوجدهم لأجل الصناعة، وما أوجدهم لأجل تنمية الأبدان والأجسام وتطوير الاقتصاد والتنافس في المآكل والمشارب والشهوات والملذات، إنما أوجدهم الله سبحانه وتعالى لهذه الحكمة العظيمة: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ * مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ * إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾. لم يخلقهم الله سبحانه وتعالى ليتكثر بهم من قلة، ولا ليتعزز بهم من ذلة، وإنما ربنا تبارك وتعالى الغني الحميد سبحانه وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾. نعم، فطاعة العبد إنما منفعتها ترجع إليه، وهكذا معصيته مضرتها ترجع عليه: ﴿إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا﴾، ويقول الله: ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِأَنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ﴾. وفي الحديث القدسي: «يا عبادي، لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أتقى قلب رجل واحد منكم ما زاد ذلك في ملكي شيئا. يا عبادي، لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أفجر قلب رجل واحد منكم ما نقص ذلك في ملكي شيئا... ثم قال في آخر الحديث القدسي: يا عبادي، إنما أعمالكم أحصيها لكم ثم أوفيكم إياها، فمن وجد خيرا فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه». فالله يقول: ﴿مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾. إذن أوجدنا الله سبحانه وتعالى لتحقيق هذه الحكمة العظيمة التي هي شرف، والتي هي سعادة، والتي هي عزة وكرامة للعبد: أن ينفرد بعبادة الله، وأن يكون في عداد عباد الله المؤمنين الموحدين الصادقين. وهكذا يقول ربنا تبارك وتعالى في كتابه الكريم: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾. الله أمر أن لا يعبد إلا هو سبحانه وتعالى، فلا يعبد معه غيره. الله عز وجل يريد منك أن تكون عبدا له بكل معاني العبودية، كما أنه سبحانه هو ربك بكل معاني الربوبية. فمن الخلق من استجاب لنداء الله وامتثل أمر الله فحقق العبادة لله عز وجل، ومنهم من عبد الله وعبد معه غيره من الأصنام والأنداد والأوثان والأحجار والأشجار والملائكة والأنبياء والصالحين والأولياء. هكذا منهم من استجاب ومنهم من لم يستجب. والله يقول: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ﴾. هذه دعوة الأنبياء والمرسلين، وهذه خلاصة دعوة نبينا صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وهذا كتاب الله عز وجل من أوله إلى آخره، من فاتحته إلى خاتمته، وهو يشيد بهذا الأمر ويدعو إليه. فأول أمر وقع على ترتيب المصحف هو الأمر بالعبادة، كما قال الله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾. وهكذا أول فعل وقع على ترتيب المصحف هو فعل العبادة: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾. وهكذا، عباد الله، كانت دعوة نبينا صلى الله عليه وسلم. أرسله الله وبقي سنين كثيرة في مكة وهو يدعو الناس إلى تحقيق العبادة لله عز وجل، قبل أن يأمرهم بأداء الصلاة أو إيتاء الزكاة أو الحج والعمرة أو اجتناب كثير من المحرمات. دعاهم أولا إلى إفراد الله بالعبادة وإجتناب الشرك بالله سبحانه وتعالى. تخلل الأسواق وغشى المجالس وبذل وقته ومهجته ونفسه في سبيل تحقيق هذه العبادة لله سبحانه وتعالى. كان يأتي إلى أسواقهم فينادي بأعلى صوته: «يا أيها الناس، قولوا لا إله إلا الله تفلحوا. يا أيها الناس، قولوا لا إله إلا الله تفلحوا». فعلق عليه الصلاة والسلام الفلاح بقول هذه الكلمة العظيمة التي هي كلمة الإخلاص والتوحيد، وكلمة التقوى، والعروة الوثقى، والفاصلة بين الإسلام والكفر: «يا أيها الناس، قولوا لا إله إلا الله تفلحوا». فيتعجبون، وهم أهل اللسان العربي، فيقولون: ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾. عرفوا أن النبي صلى الله عليه وسلم يدعوهم إلى أن يتخلوا عن جميع الأنداد، وعن جميع الأصنام، وعن جميع المعبودات سوى الله سبحانه وتعالى، فأبوا إلا أن يعبدوا الله ويشركوا معه غيره: اللات والعزة ومناة الثالثة الأخرى. ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾. هذه طريقة المشركين من لدن نوح إلى زمن نبينا صلى الله عليه وسلم: أنهم إذا دعوا إلى عبادة الله وحده نادوا أو تنادوا فيما بينهم بالبقاء على عبادة الأوثان والأصنام، وقالوا: ﴿لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا﴾. هكذا يتنادون بالبقاء على هذه العبادة الباطلة. وهكذا اليوم، إذا دعي كثير من الناس إلى عبادة الله وحده لا شريك له، قالوا: لا تذرن البدوي، ولا تذرن الجيلاني، ولا تذرن الهاشمي أو العيدروس، لا تذرن ابن علوان، لا تذرن الحسن والحسين، لا تذرن أبا طيل، وهكذا من هؤلاء الذين عبدوا من دون الله سبحانه وتعالى. عباد الله، إن النبي صلى الله عليه وسلم كانت دعوته إلى تحقيق هذه الكلمة العظيمة، بعد الدعوة إلى تحقيق هذه الكلمة. وكما في حديث معاذ: «إنك تأتي قوما من أهل الكتاب»، أرسله إلى اليمن، قال له: «إنك تأتي قوما من أهل الكتاب، فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله»، وفي رواية: «إلى أن يوحدوا الله». وهكذا هو القائل عليه الصلاة والسلام: «وأمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله». فالنبي عليه الصلاة والسلام ما أمره الله عز وجل ليقاتل الناس لأجل أن يقروا بالربوبية، فإن الإقرار بالربوبية كان عليه عامة الخلق، كان عليه عامة الخلق، فعامة الخلق مقرون بالفطرة بربوبية الله سبحانه وتعالى، إلا الشذاذ من البشرية أنكروا الربوبية لله عز وجل تكبرا وعنادا، وإلا في قرارة أنفسهم يعترفون بأن الله سبحانه وتعالى هو الخالق وهو الرازق وهو المحيي والمميت، كما قال الله عنهم: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾، وكما قال الله في شأن موسى وفرعون، قال له موسى: ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلَاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بَصَائِرَ وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا فِرْعَوْنُ مَثْبُورًا﴾. هكذا أخبر الله سبحانه وتعالى. فالله عز وجل أرسل الرسل لأجل تحقيق التوحيد، وهو إفراد الله بالعبادة. ومعلوم أن أنواع التوحيد ثلاثة: توحيد الربوبية والألوهية والأسماء والصفات. أما توحيد الربوبية وهو إفراد الله بأفعاله من الخلق والرزق والإحياء والإماتة والنفع والضر وغير ذلك، فهذا كان عليه المشركون: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾، ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾، ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ﴾. لكن النوع الثاني وهو توحيد الألوهية هو الذي بسببه كانت الخصومة وكانت المفاصلة بين الرسل وأقوامهم. إذا دعوهم إلى عبادة الله وحده قالوا: ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾. فهكذا، عباد الله، ينبغي علينا جميعا أن نعتني بهذا التوحيد، وأن نحقق التوحيد لرب العالمين، فهو آكد الحقوق وأعظم الواجبات. الذي عليك لوالديك عليك حق، ولأولادك عليك حق، ولزوجتك عليك حق، ولإخوانك المسلمين عليك حق، لكن آكد وأوجب هذه الحقوق هو حق الله سبحانه وتعالى، وهو عبادة الله واجتناب عبادة غيره. كما في حديث معاذ بن جبل، قال له النبي عليه الصلاة والسلام: «أتدري ما حق الله على العباد؟» قال: «الله ورسوله أعلم». قال: «فحق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا، وحق العباد على الله أن لا يعذب من لا يشرك به شيئا». فظهر لنا، عباد الله، أن هذا من أهم الأمور التي يجب على المسلم أن يعتني بها، فلا حياة ولا طمأنينة ولا سعادة إلا بأن تعرف القلوب ربها سبحانه وتعالى ومعبودها وإلهها عز وجل بأسمائه وصفاته. نسأل الله عز وجل للجميع التوفيق. الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، عباد الله، فكما أن تقدم، فأعظم ما أمر الله به التوحيد، وهو إفراد الله بالعبادة، وأعظم ما نهى عنه الشرك، وهو دعوة غيره معه وصرف شيء من العبادات لغير الله سبحانه وتعالى. فنحن في زمن، عباد الله، قد كثر فيه الأدعياء وقل فيه العلماء، كثر فيه دعاة الشر والضلالة والخرافة والسحر والكهانة، وقل فيه دعاة التوحيد والحق والهدى. فما أكثر الناس الذين يقبلون على الباطل أكثر من قبولهم للحق، ويهرولون إلى الغرابة أكثر من تمسكهم بالتوحيد والهدى. ولهذا حصر النبي صلى الله عليه وسلم خوفه على هذه الأمة في هؤلاء: دعاة الضلالة وأئمة الباطل. قال النبي صلى الله عليه وسلم كما جاء في حديث جماعة من الصحابة: عمر وثوبان وأبي ذر وغيرهم: «أخوف ما أخاف على أمتي الأئمة المضلون، أخوف ما أخاف على أمتي الأئمة المضلون». هؤلاء الذين يظهرون التوحيد في صورة الشرك، ويظهرون الشرك في صورة التوحيد، ويلبسون على الناس دينهم، ويكتمون الحق بعدما تبين. هؤلاء الذين يدعون الناس إلى الشرك والخرافة، وإلى البدع والضلالات، ويحسنون لهم هذا الباطل بكيفيات يتبعونها وشبهات يلقونها وكلمات معسولة يأتون بها. فالواجب على المسلمين الاعتناء بهذا الأمر العظيم الذي فيه الفوز بالجنة والنجاة من النار: توحيد الله سبحانه وتعالى. ما أكثر الجهل، عباد الله، بتوحيد الله عز وجل في هذه الأيام! ما أكثر الذين يدعون الإسلام وينسبون أنفسهم إليه، لكن بسبب جهلهم به يريدون أن يجمعوا بين الإسلام والكفر، يريدون أن يجمعوا بين التوحيد والشرك. ما أكثر الذين يقولون: نحن مسلمون، وهم يرون أن حكم غير الله تبارك وتعالى أفضل وأحسن من حكم الله عز وجل، مع أن الله سبحانه وتعالى يقول في كتابه الكريم: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا * وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا﴾. ثم ختم الله عز وجل هذه الآيات بإنكار تناقضهم، فقال: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾. وهكذا، عباد الله، ما أكثر الذين يدعون الإسلام وهم يتوجهون إلى غير الله، وهم يعبدون غير الله سبحانه وتعالى من هذه القبور وهذه الأضرحة، يأتون إلى أصحابها فيسألونهم المدد والولد، يسألونهم إجابة الدعوات وكشف الكربات ورفع الملمات. نعم، عباد الله، بحجة التوسل والتشفع ومحبة الصالحين، فيكونون كما قال الله عز وجل في أولئك المشركين الأولين: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُهُمْ وَلَا يَضُرُّهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾. ويكونون كما قال الله سبحانه وتعالى في أولئك الأولين: ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ﴾. نعم، عباد الله، بسبب الجهل بالتوحيد والجهل بالشرك، يتمسك بالشرك ويظن أنه متمسك بالتوحيد، ويحارب التوحيد وينفر عنه، وينفر عنه، ويظن أنه يحارب الشرك والبدعة والخرافات. فهنا، عباد الله، واجب عظيم على الجميع أن يعتنوا بالتوحيد عملا واعتقادا وتعلما ودعوة ونشرا. فهذه مسؤولية عظيمة ملقاة على عواتق المسلمين، ملقاة على عواتق أهل العلم وطلاب العلم، أن يهتموا بهذا الأمر العظيم: توحيد الله سبحانه وتعالى. نعم، عباد الله، فينبغي علينا جميعا أن نحرص على سلامة قلوب المسلمين من المرض، أعظم من اهتمامنا بصحة أجسادهم من الأمراض. الاهتمام بسلامة القلوب أهم وأوجب من الاهتمام بالأجساد والأبدان، فإن البدن إذا مرض فإن مآله إلى الموت، والموت قدر يحصل لكل إنسان: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾. أما إذا مات القلب فإنه يؤدي إلى خسارة الدنيا والآخرة: ﴿قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ﴾. أسأل الله عز وجل أن يبصرنا وإياكم بالحق، ويرزقنا الثبات عليه حتى الممات، إنه سميع الدعاء وأكرم مجيب. والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.