القول السديد في مقاصد التوحيد  67

القول السديد في مقاصد التوحيد 67

الدرس في القول السديد في مقاصد التوحيد 67، الدرس السابع والستون:من( باب قول الله تعالى:ومن الناس من يتخذ من دون الله أنداداً يحبونهم كحب الله ... وقال ابن عباس في قوله تعالى:وتقطعت بهم الأسباب قال المودة ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

مفهوم الشرك في المحبة وتأثيره على التوحيد

يتناول هذا الفصل مفهوم الشرك في المحبة وتأثيراته السلبية على التوحيد، معتمدًا على الآيات القرآنية والأحاديث النبوية. يُظهر أن الشرك يمكن أن يحدث في المحبة كما يحدث في الخوف.

أنواع المحبة وأحكامها الشرعية

يقسم هذا الفصل المحبة إلى نوعين: محبة مأذون بها ومحبة مذمومة، ويوضح أن المحبة المذمومة هي التي تناقض حب الله ورسوله وتؤدي إلى اتباع الشهوات.

تطبيقات الحب في الله وتقديمه على ما سواه

يركز هذا الفصل على معنى الحب في الله وأهمية تقديم حب الله ورسوله على أي حب آخر، ويبين أن كل ما يُحبب يجب أن يكون لله.

أحكام فقهية متعلقة بالصلاة وقراءة القرآن

يناقش هذا الفصل حكم تكرار آية واحدة في الصلاة، ويبين آراء العلماء حول جواز التكرار أو عدمه، مع التركيز على الأفضلية في القراءة.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، قال شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى بكتابه «كتاب التوحيد»، باب قول الله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ﴾، قال: وقوله: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ إِلَى قَوْلِهِ أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾، وعن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين»، أخرجه البخاري ومسلم. ولهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرأة لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر بعد إذ أنقذه الله منه كما يكره أن يقذف في النار»، وفي رواية: «لا يجد أحد حلاوة الإيمان حتى...» إلى آخره، أي: حتى يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما. قال: وعن ابن عباس قال: «من أحب في الله وأبغض في الله ووال في الله وعاد في الله فإنما تنالوا ولاية الله بذلك، ولن يجد عبد طعم الإيمان وإن كثرت صلاته وصومه حتى يكون كذلك، فقد صار عامة مآخاة الناس على أمر الدنيا، وذلك لا يجدي على أهله شيئا»، رواه ابن جرير. وقال ابن عباس في قوله: ﴿وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ﴾، قال: المودة. أورد الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى هذا الباب في سياق ذكره لأبواب هذا الكتاب العظيم «كتاب التوحيد»، وما تضمنه من مسائل، فقوله: باب قول الله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ﴾، إشارة منه إلى وقوع الشرك في المحبة، فهو يسوق في هذه الأبواب المواضع التي يقع فيها الشرك مما ينافي التوحيد، فكأنه قال: باب الشرك في المحبة، فإن الشرك يقع في المحبة كما يقع في الخوف. وقوله: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ﴾، صريح في الإشارة إلى هذا المعنى بهذه الآية، فإن الله سمى من وقع في الغلو في محبة غيره حتى وقعه بالشرك أنه اتخذه ندا من دون الله، وهذا هو الشرك، وهذا الذي وقع فيه من نزل فيهم الآية، وقع فيه كذلك مثله أو نظيره في زمن المؤلف رحمه الله، فإن من الناس من غل في المحبة حتى أوصله ذلك إلى الشرك. ولهذا قسم العلماء المحبة إلى قسمين: محبة مأذون بها، ومحبة منهي عنها، فالمنهي عنها ما يفضي إلى الشرك ويوقع فيه أو ينقصه، ما ينافي التوحيد ويوقع في الشرك أو ينقص هذا التوحيد مما هو شرك أكبر أو أصغر يفضي إلى الأكبر، ومن الأصغر ما يكون مما ينافي الطاعة ويوقع في المعصية. وأما المأذون فيه فهي المحبة التي لا تنافي الطاعة والتوحيد، بل منها ما يعين على الطاعة والتوحيد، فهذا مأذون فيه، ومنه كذلك الجبلي الفطري الذي قد لا يسع الإنسان تركه ولا يمكنه دفعه، فمثل هذا يعدر فيه. وبه يفهم كذلك معنى الآية التالية في سورة التوبة: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾. فالمقصود ها هنا أن المحبة التي تنافي حب الله ورسوله وطاعته من الجهاد وغيره، هذه المحبة مدمومة، وهو ما يسميه العلماء بالحب الاختياري، الحب الاختياري: أي الذي يكون سببا لتتبع شهوة النفس وهواها، فيفقده ملازمة الطاعة وتقديمها، ويجعله مؤثرا لهوى نفسه وشهوة هذه النفس، فهذا الحب الاختياري هو الذي يكون مناط العذاب والعقاب أو الثواب، وكذلك الإكرام من الله سبحانه وتعالى بحسن توجيه صاحبه له، أو كذلك بسوء توجيهه له. أما الحب الجبلي والفطري الذي لا ينافي الطاعة والتوحيد، فهذا مما يُعذر فيه الناس؛ لأنه مما لا يمكن تركه ويتعذر على الناس دفعه في الغالب. حب مثلا الوالدين أمر الله عز وجل به، ليس فقط مأذون به، بل أمر الله عز وجل به، حتى أن الله سبحانه أمر بطاعتهما وبرهما مع الأمر بتوحيده، قال العلماء: تنبيها إلى أن أعظم حقوق الرب التوحيد، وأعظم حقوق الخلق حق الوالدين. ومع ذلك فهذه المحبة تنقسم إلى قسمين: محبة يقع فيها معنى الحب الجبلي الفطري، فهذا يُعذر فيه الإنسان، حتى ولو كان هذا الأب كافرا أو كانت هذه الأم كافرة أو فاجرة؛ لأن الإنسان فطر على حب من أحسن إليه، فضلا عن الأب والأم. لكن الحب الذي يكون لهما أو لأحدهما منافيا لما أمر الله عز وجل به من توحيده وطاعته، هذا الذي هو محل الثواب والعقاب، وهو الذي يحاسب عليه العبد، وهو ما يسمى بالحب الاختياري، فهذا الحب الاختياري ينبغي أن يضبط الإنسان نفسه فيه. كونك تحب أباك وأمك لأجل الأبوة والأمومة الفطرية، هذا أنت معذور فيه، لكن كونك تجعل هذا الحب سببا لتأخرك وتخلفك عما أمرك الله عز وجل به من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ومن الاستقامة على دين الله وشرعه في نفسك وفي غيرك، هذا ليس بعدر؛ لأن من الناس بسبب عدم تمييزه بين هذين المعنيين من الحب قد يوقعه حبه لطاعة المخلوق في معصية الخالق. ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: «لا طاعة للمخلوق في معصية الخالق»، لا طاعة للمخلوق في معصية الخالق، ليس كونك تحب الوالدين معناه أن تطيعهما في معصية الله، ولا أن تعينهما على معصية الله، بل ولا أن تقر معصية الله فيهما، والآيات والأحاديث في هذا المعنى كثيرة. وهذا المعنى يطبق على ما كان بمعناه من سائر معاني الحب، ومباحث الحب كثيرة وفيها مسائل دقيقة، لكن في هذا الباب كما يقال أصول هذه المسائل مما سيأتي، ومن أراد التوسع في هذا فليقرأ في كتابات المتعمقين في هذه المسائل من أهل العلم الراسخين، ككتابة الإمام الجليل ابن القيم رحمه الله في مواضع من كتبه، ككتابه العظيم «روضة المحبين ونزهة المشتاقين»، وهكذا كتابه الآخر «الجواب الكافي»، وكتابه الثالث «طريق الهجرتين وحادي الأرواح»، وكذلك «مدراج السالكين»، ففيه مباحث دقيقة لطيفة مهمة ينبغي لمن يعتني بالعلم أن يمر عليها ولو مرورا. وقوله: عن أنس الحديث، وجه الدلالة منه على الباب ظاهرة على ما سبقت الإشارة إليه، فإنه لا يتم إيمان مؤمن حتى يكون الله سبحانه وتعالى ورسوله أحب إليه مما سواهما، كما أتى في الحديث الآخر، وفي هذا الحديث: «لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين». ولهذا قسم العلماء المحبة في هذا المعنى إلى قسمين، فكل شيء يحب لغيره إلا الله سبحانه وتعالى فإنه يحب لذاته، ثم كذلك يقسم بمعنى آخر بتقسيم آخر، فيقال: حب الله ورسوله مما يقدم على حب ما سواه، فكل ما سوى الله وما سوى رسول الله صلى الله عليه وسلم فمحبته لله، حتى الرسول عليه الصلاة والسلام محبة لله، لكن باعتبار ما بعثه الله عز وجل به من شرع ودين وأمر اتداء واتساء، فإنه يقدم حبه على سائر ما يحب الإنسان من ولد ووالد والناس أجمعين. وسيأتي إن شاء الله الإشارة إليه في الشرح فيما يتعلق بهذا المعنى، وأثر ابن عباس فيه إشارة إلى ما تقدم، وأن من معاني المحبة الحب لله والبغض في الله، وبه نعرف أنه مما يدخل في معنى المحبة المأمور بها المحبة لأجل الطاعة، وهكذا في مقابله البغض لأجل المعصية. ولهذا قال بعض أهل العلم في الآية الثانية: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ﴾، أنها تشبه قول الله عز وجل في سورة آل عمران: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾، فكما أن هذا في حق النبي عليه الصلاة والسلام، فكذلك في حق كل ما يحب فإنه يحب لله، فإذا كان كذلك ففي هذا تأكيد لما سبق أنه من أوثق عرى الإيمان الحب في الله والبغض في الله. وقوله رحمه الله: «وعاد في الله فإنما تنال ولاية الله بذلك» إلى آخر ما ذكر، حتى قال: «وقد صار عامة مؤاخاة الناس على أمر الدنيا»، يعني أن الناس لما لم يراقبوا هذا الأصل صارت أخوتهم مهزوزة بسبب أنها قامت أو ضعيفة بسبب أنها قامت على غير ما أمر الله عز وجل به من الحب في الله ولله والبغض في الله ولله سبحانه وتعالى. وهذا الأثر كما أشار أخرجه ورواه ابن جرير، وأشار المعلق إلى تصحيحه فيما نقله عن ابن رجب وغيره، والأحاديث السابقة في الصحيحين كما أشار إليها. وقوله: في رواية، هي رواية الإمام البخاري رحمه الله. طيب، نكتفي بهذا ونترك الباقي إلى درس لاحق، والله تعالى أعلم. يقول بعض الأئمة: يقرأ الآية التي فيها «قل» عند التكرار بحد في «قل»، فيعيد مثلا الآية فيقرأ: ﴿وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا﴾، ﴿رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا﴾، فما حكم ذلك؟ الجواب: إذا كان هو مواصل في القراءة فجائز، والأفضل ألا يداوم كلمة واحدة أو يعني لفظ واحد فيأتي بهذا، وأما إذا كان هذا عن المعنى السابق من حد في «قل» وأن ذلك مما ينبغي في القرآن، فهذا خطأ ولا يقر على هذا، بل يعلم ويوجه، وإلا لا يصلى خلفه. إلى هنا والله تعالى أعلم. شكرا.