الصحيح المسند من دلائل النبوة  113

الصحيح المسند من دلائل النبوة 113

الدرس الثالث عشر بعد المائة:من( قال الإمام ابن حبان رحمه الله كما في الموارد أخبرنا عبدالله بن محمد ...أعلم الناس بابن وهب قاله الدوري عن ابن معين كما في تهذيب التهذيب ).

غزوة تبوك ودعاء النبي صلى الله عليه وسلم

في غزوة تبوك، دعا النبي صلى الله عليه وسلم ربه لاستجابة المطر، فاستجاب الله دعاءه ونزل المطر. هذا الحدث يعد من دلائل نبوته صلى الله عليه وسلم.

دلائل النبوة وفضل الصحابة

يبرز المقطع دلائل نبوته عليه الصلاة والسلام، مثل كونه مجاب الدعوة، ويشيد بصبر الصحابة وحسن بلائهم في سبيل الله. نيل فضل الله يتطلب الصدق والإخلاص والعمل الصالح.

أهمية العمل الصالح والدعاء

يؤكد على أهمية بذل الأسباب للوصول إلى ما عند الله، مثل الحرص على العلم ومجالس العلم. كما يبين أن الابتلاء ليس دليلاً على الإهانة أو الكرامة، ويشدد على أهمية الدعاء.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، أشهدوا أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهدوا أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. قال شيخنا أبو عبد الرحمن بن هادي الوادعي رحمه الله تعالى في كتابي الصحيح المسند من دلائل النبوة: قال الإمام بن حبان رحمه الله، كما في الموارد: أخبرنا عبد الله بن محمد بن سلم. قال الشيخ: لم أجد له ترجمة، وقد أكثر عنه ابن حبان رحمه الله، لكن في المقدمة للموارد أنه المقدس الخطيب. فرجعت إلى الأنساب فوجدت عبد الله بن سالم، فالظاهر أنه نسب إلى جده، وتحرف السلم إلى سالم، وقد وصف بأنه مكثر، وذكر من الرواة عنه ابن حبان، يعني لعله هو والله أعلم. قال: حدثنا حرملة بن يحيى، قال: حدثنا بن وهب، قال: أخبرني عمر بن الحارث عن سعيد بن أبي هلال عن نافع بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما، أنه قيل لعمر بن الخطاب رضي الله عنه: حدثنا عن شأن العسرة. قال: خرجنا إلى تبوك في قيظ شديد -يعني حر شديد، والحر إذا اشتد سمي قيظا- قال: فنزلنا منزلا أصابنا فيه عطش حتى ظننا أن رقابنا ستنقطع -يعني من شدة العطش- حتى إن كان الرجل لا يذهب يلتمس الماء فلا يرجع حتى نظن أن رقبته ستنقطع -يعني من شدة العطش- قال: حتى إن الرجل لا ينحر بعيره فيعصر فرثه فيشربه ويجعل ما بقي على كبده. فمن شدة العطش شربوا حتى فرث ما يعتصر من الإبل -أي ما يخرج من بين اللحم وما كان بمعناه في البطن- قال: ويجعل ما بقي على كبده. فقال أبو بكر الصديق رضي الله عنه: يا رسول الله، قد عودك الله في الدعاء خيرا فادعُ -يعني أنت مستجاب الدعوة، وهذا من دلائل نبوته، وهو الشاهد- فقد كان نبينا عليه الصلاة والسلام مجاب الدعوة، وكما قلنا هذا مما يقع فيه الاشتراك بين الأنبياء والأولياء، لكن الفرق بين معجزة النبي ودليل نبوته وكرامة الولي: أن ما يجعل الله عز وجل من آيات الأنبياء تكون على وجه الاستفاضة والكثرة التي يتحقق معها أن هذا لا يكون إلا من نبي، بخلاف كرامة الولي، فإنه قد يقع على يده شيء، لكنه ليس بذاك الاستفاضة والكثرة. قال رحمه الله: قال: أتحب ذلك؟ قال: نعم. والقائل النبي عليه الصلاة والسلام -يعني هل ترى أن أدعو- قال: نعم. القائل أبو بكر. قال: فرفع يديه صلى الله عليه وسلم فلم يرجعها حتى أظلت سحابة مع شدة الحر ولا وجود لسحاب، قال: ثم سكبت فملأوا ما معهم -يعني من أوعية- ثم ذهبنا ننظر فلم نجدها جاوزت العسكر -يعني سحابة اقتصرت على المكان الذي فيه العسكر فقط-. قال: حديث صحيح، وحرمل بن يحيى أعلم الناس بابن وهب، قاله الدوري عن ابن معين كما في تهذيب التهذيب. أورد شيخنا رحمه الله هذا الحديث في سياق ذكره لدلائل نبوته عليه الصلاة والسلام وما يتعلق بإجابة دعائه، فإن من دلائل نبوته كونه عليه الصلاة والسلام مجاب الدعوة، وهذا له مواضع كثيرة وشواهد كذلك عديدة تدل كلها على أنه رسول الله صلى الله عليه وسلم حقا وصدقا. فإن مثل ذلك لا يكون إلا من نبي ورسول مؤيد من عند الله سبحانه وتعالى، وهذا الموضع يدل على ذلك، فكيف ومعه مواضع كثيرة مر معنا الكثير وسيمر الكثير، وما ذكر ليس هو فيه استيعاب لكل تلك المواضع، ولكنه ذكر لأهم تلك المواضع التي أجاب الله عز وجل دعاء نبيه عليه الصلاة والسلام. وفي الحديث مسائل أخرى، من هذه المسائل كذلك في هذا الحديث بيان صبر الصحابة رضي الله تعالى عنهم أرضاهم وحسن بلائهم مع هذا الدين، وبه نعرف فضلهم وسابقتهم، فإنهم رضي الله عنهم وأرضاهم بلوا البلاء الحسن في هذا الدين. وبه نعرف كذلك أن فضل الله عز وجل في الدنيا والآخرة لا ينال براحة الجسد، فإنه ينال بصدق وإخلاص مقترن بعمل، فهم صدقوا مع الله وحرصوا على العلم النافع والعمل الصالح بكل ما يملكون، فكان لهم ما كان من فضل الله الواسع الذي أعطاهم إياه في الدنيا، وهكذا كذلك ما وعدهم به سبحانه وتعالى في الآخرة. وهكذا كل من أراد بنفسه الخير، فعليه أن يحرص على أبواب الخير الكثيرة، وأن يصدق مع ربه سبحانه وتعالى. أنت مسلم، احرص على هذا الإسلام، احرص على هذا الإسلام في تعلمه، احرص على هذا الإسلام في العمل به. فأنت ألست تريد ما أراد الله عز وجل لك من الخير؟ إذن، أسلك أبواب الخير. الصحابة رضي الله عنهم صدقوا مع الله، علموا أن من أبواب الخير الجهاد في سبيل الله، والجهاد ليست كلمة سهلة، بل تحتها من البلاء والشدة ما يدلك عليه هذا الموضع، وهو موضع من مواضع كثيرة بلي فيه الصحابة رضي الله عنهم البلاء الحسن. فكذلك أنت تريد ما عند الله، فلا تكن من العاجزين. تريد الجنة، تريد رحمة الله، تريد توفيق الله، تريد الثبات على الاستقامة، كل ذلك لا ينال بالأمان، ولكنه ينال بشيء تبذله. فأنت إذا اتقيت زادك الله عز وجل بتقواك هدى، وأنت إذا أطعت زادك الله عز وجل بطاعته طاعة، وباستقامتك استقامة، وبثباتك ثباتا. وما تقربت إلى الله عز وجل شبرا إلا وتقرب الله عز وجل إليك ذراعا، ولا تقربت ذراعا إلا وتقرب الله إليك باعا، وإذا أتيت الله عز وجل تمشي أتاك سبحانه وتعالى هرولة. كل ذلك من باب الجزاء من جنس العمل. فمن أراد ما عند الله وهو متقاعص وهو مقصر وهو مفرط وهو يتمنى الأمان ولا يعمل العمل، هذا كاذب فيما يدعي وهو كذلك خاسر فيما يرجو. ولهذا فعلامة الصدق أن يظهر ذلك في عمل الإنسان. إذا أراد الإنسان الصحيح في هذا الباب الخير لنفسه ولأهله ولمن يحب، فعليه أن يبذل أسبابه. وليس شيء أنفع للإنسان من ذلك من ثلاثة أشياء: صدق وحرص على العلم وحرص على العمل. فإنك إذا حرصت على هذه الخصال الثلاث وفقك الله عز وجل بإذنه سبحانه وتعالى وتوفيقه وفضله إلى ما فيه الخير لك في دنياك وفي آخرتك. وبه نعرف خطأ مسلك الكثير من الناس من المسلمين ممن يرجون الأمان الطيبة، ولكنهم لم يسلكوا مسالك تلك النوايا والمقاصد بما يبرهن صدق ما أرادوا. أنت تريد ما عند الله، إذن ابذل ما يوصلك إلى ما عند الله سبحانه وتعالى. تريد الاستقامة، إذن خذ أسباب الاستقامة، ومن أسباب الاستقامة الحرص على العلم، الحرص على مجالس العلم، هذا يعينك على الاستقامة. وأما أن تزهد في مجالس العلم وتنخلع منها وتعرض عنها، فهذا ليس مما يعينك على الخير، بل على العكس. مع أن المجلس يسير قصير لا يأخذ منك إلا شيئا يسيرا، تستفيد منه شيئا كثيرا. ومثله أبواب الطاعات، فأنت لن تعمل طاعة إلا وزادك الله عز وجل منه قربا. وهكذا كذلك فيه من المسائل سنة الله عز وجل في الابتلاء، فإذا كان هذا بحق النبي عليه الصلاة والسلام وهو من نعلم، ومن معه من الصحابة الكرام وهم من نعلم، فمن دونهم من باب أولى، حتى لا يظن أنه أرفع من الابتلاء، فقد ابتلي من هو خير منه. فمن سنة الله عز وجل الابتلاء ليحصل بذلك التمحيص، ولتكفر به السيئات وترفع به الدرجات، وهذا من حكمة الله عز وجل ولطفه بعباده جل وعلا. كما أن ذلك فيه كذلك أن البلاء ليس دليل للكرامة كما أنه ليس دليل على الإهانة. فالله عز وجل يبتلي الطيب والخبيث، كما أنه يبتلي المؤمن والكافر والبر والفاجر. فليس كون فلان من الناس يبتلى بشدة في العيش أو بمحن وعوارض ومحن معناه أنه لا يحبه الله، لا، بل ربما العكس. فقد صح عن النبي عليه الصلاة والسلام من حديث أبي هريرة أن الله عز وجل يرفع العبد المنزلة بغير عمل يعمله، ولكن ببلاء يبتليه. بعض الناس ليس عندهم من الأعمال الصالحة ما يرتفع به المنازل العلية، فمن حكمة الله ورحمته وفضله على ذلكم العبد يبتليه ببلاء يرفعه الله عز وجل به المنازل العلية، بما كان من ذلكم البلاء، ما دام أنه أريد به الخير. وليس عنده من العمل الصالح ما يرفعه إلى تلك المنازل العلية، ولله حكمة بذلك. بل ربما يكون الرجل عنده أعمال ومع ذلك يريد الله عز وجل به خيرا أن يزيده فضلا فوق فضله، فيرفعه سبحانه وتعالى ويعظم له الأجر. ومن هذا الباب وفيه من المسائل كذلك فضل الدعاء وهميته، وأنه من أعظم أسلحة المؤمن. ولهذا قال الله عز وجل: ﴿وَيَرْجُونَ مِنْ رَبِّهِمْ مَا لَا يَرْجُونَ﴾، قال بعض أهل العلم في تفسير هذه الآية: أنه الدعاء، فهو حسن الظن بالله والتوكل عليه والثقة به، وهو كذلك الدعاء. فالمسلم بدعائه لربه سبحانه وتعالى وحسن ظنه به وعظيم توكله عليه ينال ويرجو ما لا يرجو الكافر والفاجر. ولذلك لا ينبغي أن يفتر المسلم عن الدعاء إذا أنابك شيء من شدة الدنيا والدين، فعليك بالدعاء، فإنه من أعظم أسلحة المؤمن. يفتح الله عز وجل به عليك خيرا كثيرا لا تعلمه ولا تحتسبه، ولو لم يكن إلا أن يحتسب لك ما دعيت حتى إذا لم تأتك الإجابة كان لك فيه أجر وادخر لك يوم القيامة كما صح معناه عن النبي عليه الصلاة والسلام. وفي الغالب لا يحرم المؤمن من دعاء خيرا أبدا، ولكن لله حكمة قد يؤخر الإجابة وقد يعجل بالإجابة سبحانه وتعالى. ولا يعني ذلك ترك الأسباب، فالصحابة رضي الله عنهم بدلوا الأسباب كما ترون، خرجوا وبحثوا عن الماء حتى كادت رقابهم تنقطع، وكذلك دعوا ربهم سبحانه وتعالى. نكتفي بهذا القدر، وإلى هنا والله تعالى أعلم.