الدرس في الصحيح المسند من دلائل النبوة 145، الدرس الخامس والأربعون بعد المائة:( قال الإمام البخاري رحمه الله:حدثنا محمد أخبرنا الزاري ... وكفى الله المؤمنين القتال وكان الله قويا عزيزا ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
دعا النبي صلى الله عليه وسلم على الأحزاب، واستجاب الله دعاءه، فأرسل عليهم ريحا وجنودا وهزمهم. هذا يدل على نصر الله للمؤمنين على أعدائهم.
المقطع يشرح مشروعية الدعاء واستحبابه والتوسل بالأعمال الصالحة، مستندا إلى آية قرآنية وحديث نبوي، ويبين أن النصر الحقيقي من الله.
يجب على المسلمين أخذ الأسباب والاستعداد مع التوكل على الله، كما حدث في غزوة الأحزاب، حيث حفر الصحابة الخندق ونصروا بفضل الله.
التهاون في أداء الصلاة يؤدي إلى عقوبة شديدة، كما ورد في الحديث أن النبي لعن من شغل عن صلاة العصر حتى غربت الشمس.
الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، أشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. قال شيخنا أبو عبد الرحمن مقبل بن هادي الوادعي، رحمه الله تعالى، في كتابه "الصحيح المسند من دلائل النبوة": قال الإمام البخاري، رحمه الله تعالى: حدثنا محمد، ومحمد هو ابن سلام البيكندي، أحد الحفاظ ممن أخرج لهم الإمام البخاري، رحمه الله، وعرف بشيخه، قال: أخبرنا الفزاري، ومروان بن معاوية الفزاري، كذلك أحد الحفاظ ممن أخرج له في الصحيحين، قال: وعبده، وعبدته ابن سليمان الكلابي -قيل: اسمه عبده، وقيل: هو لقب، واسمه عبد الرحمن، أبو محمد، كان ثقة ثبتا، أخرج له في الصحيح، وفيه كما قال الذهبي، رحمه الله: زيادة الصلاح مع شدة فقر، فيضرب به المثل في شدة الفقر، وما ابتلي به، رحمه الله تعالى، ومع ذلك لم يمنعه هذا من النبوغ في العلم. قال: عن إسماعيل بن أبي خالد، وهو الأحمس البجلي، ابن هرمز، أبو خالد -يقال: أن اسمه هرمز، واشتهر بكنيته- أحد الحفاظ كذلك ممن أخرج له في الصحيحين، قال: سمعت عبد الله بن أبي أوفى، رضي الله عنهما، يقول: دعا رسول الله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم، على الأحزاب، فقال: «اللهم منزل الكتاب، سريع الحساب، أهزم الأحزاب، اللهم اهزمهم وزلزلهم». قال: وقد استجاب الله الدعوة النبوية، قال الله سبحانه وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا * إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا * هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا * وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا * وَإِذْ قَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ يَا أَهْلَ يَثْرِبَ لَا مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَارًا * وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِنْ أَقْطَارِهَا ثُمَّ سُئِلُوا الْفِتْنَةَ لَآتَوْهَا وَمَا تَلَبَّثُوا بِهَا إِلَّا يَسِيرًا * وَلَقَدْ كَانُوا عَاهَدُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ لَا يُوَلُّونَ الْأَدْبَارَ وَكَانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسْئُولًا * قُلْ لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْفِرَارُ إِنْ فَرَرْتُمْ مِنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ وَإِذًا لَا تُمَتَّعُونَ إِلَّا قَلِيلًا * قُلْ مَنْ ذَا الَّذِي يَعْصِمُكُمْ مِنَ اللَّهِ إِنْ أَرَادَ بِكُمْ سُوءًا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ رَحْمَةً وَلَا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا * قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ وَالْقَائِلِينَ لِإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا وَلَا يَأْتُونَ الْبَأْسَ إِلَّا قَلِيلًا * أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ فَإِذَا جَاءَ الْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَإِذَا ذَهَبَ الْخَوْفُ سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ أَشِحَّةً عَلَى الْخَيْرِ أُولَئِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا فَأَحْبَطَ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا * يَحْسَبُونَ الْأَحْزَابَ لَمْ يَذْهَبُوا وَإِنْ يَأْتِ الْأَحْزَابُ يَوَدُّوا لَوْ أَنَّهُمْ بَادُونَ فِي الْأَعْرَابِ يَسْأَلُونَ عَنْ أَنْبَائِكُمْ وَلَوْ كَانُوا فِيكُمْ مَا قَاتَلُوا إِلَّا قَلِيلًا * لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا * وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا * مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا * لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ إِنْ شَاءَ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنْ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا * وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا﴾. والشاهد منه أن الآية فيها تأكيد أن الله عز وجل استجاب دعاء نبيه، عليه الصلاة والسلام. أورد شيخنا، رحمه الله، هذا الحديث في سياق ذكره لدلائل نبوته، عليه الصلاة والسلام، وصدق رسالته، من إجابة دعائه، صلى الله عليه وسلم. وهذا حديث من أحاديث كثيرة تثبت هذا المعنى وتؤكده، فيتبين بهذا عند كل منصف أن مثل هذا لا يدل إلا أنه، عليه الصلاة والسلام، رسول الله حقا وصدقا. وفي الحديث مسائل أخرى، ومن هذه المسائل مشروعية الدعاء واستحبابه، وهكذا كذلك مشروعية الدعاء على الكفار، وكذلك فيه ما أكرم الله عز وجل نبيه، عليه الصلاة والسلام، من إنزال الكتاب، فإنه من المنن التي امتن الله عز وجل بها على هذه الأمة، فهو مما يشكر الله عز وجل عليه. وفيه التوسل إلى الله كذلك بالأعمال الصالحة في الدعاء، وكذلك الثناء على الله عز وجل بما هو أهله، فإنه سبحانه وتعالى اتصف بصفات عظيمة، فيتوسل إلى الله في دعائه بما وصف به نفسه سبحانه وتعالى. وكذلك فيه مشروعية السجع بغير تكلف في الدعاء، قال: «اللهم منزل الكتاب، سريع الحساب، أهزم الأحزاب»، فإن كان بغير تكلف فهو مشروع، وقد صح عن النبي، عليه الصلاة والسلام، في أحاديث. وإن كان بتكلف فهو مذموم، ومن المذموم أن يستعمل لإبطال حق أو إحقاق باطل. وعلى هذا يجمع بين الأدلة الواردة في النهي عن مثل ذلك، كما قال النبي، صلى الله عليه وسلم، في قصة الوليد المرأة التي ضربت الأخرى فأسقطت ما في بطنها، فقال الرجل: ما قال من السجع، فقال: «إنه من إخوان الكهان»، يعني لأجل سجعه لإبطال الحق وإحقاق الباطل. وكذلك يقال في كل سجع يكون فيه هذا المعنى، وكذلك إذا صار فيه تكلف. وأما إذا لم يكن فيه تكلف، ويعرف التكلف كما يقول البلاغيون: بأن تزداد الكلمات وتحشى المعاني، تصير ألفاظ كثيرة ومعاني محشوة فيها تكرار، وكذلك أشياء غير مناسبة في المقام. وأما إذا قلت الألفاظ وعظمت المعاني بغير حشو، فهذا من الكلام البليغ الذي صح مثله عن النبي، صلى الله عليه وسلم. وفيه آية أخرى لكل مؤمن في نصر الله عز وجل لعباده المؤمنين، وهو على كل شيء قدير، فالنصر ليس بالعدد، ولا بالعدة، بقدر من نصر حقيقة هو بنصر الله عز وجل: ﴿إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ﴾، حقيقة النصر أنه من عند الله، فلذلك من أراد النصر فليطلبه من الله، كيف أول ذلك بالاستجابة والطاعة، فإذا تحقق ذلك فإرجوا الخير من الله سبحانه وتعالى. وأما إذا لم يتحقق ذلك، مهما كان العدد ومهما كانت العدة، فالأمر كما قال الله عز وجل: ﴿وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ﴾، ما أحد ينصرك إذا خذلك الله، لكن إذا أنت اتصلت بالله وحفظت حدود الله ووقفت عند أوامره، فأنت بإذن الله معان، ﴿إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾، ولو كان العدد قليل، ولو كانت العدة كذلك قاصرة. وليس معنى هذا التساهل في إعداد العدد والعدة، بل هذا مطلوب، قال الله عز وجل: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾، ولكن لا يعني أن يكون هذا كل شيء، ليس هذا كل شيء، بل هذا سبب، ولا نعتمد على السبب، نحن أمرنا أن نأخذ بالسبب، ولم نؤمر أن نعتمد على السبب. فإذا تخلف السبب، مع بذل الجهد واستلزم الأمر، فعند ذلك تفوض أمرك إلى الله سبحانه وتعالى، وهنا يرجو المؤمن ما لا يرجوه الكافر والفاجر، وهذا أحد معنيي الآية: ﴿وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ﴾، يعني من نصره وتأييده، ومن عظيم أجره وتوابه، فالكافر والفاجر لا يرجو ذلك، يعتمد على السبب فقط. أما المؤمن فهو يأخذ بالأسباب بقدر إمكانه واستطاعته، ومع ذلك هو مفوض أمره إلى الله سبحانه وتعالى. وانظروا إلى هذا المثال الذي يبرهن للمؤمنين هذا الأمر، فقد تحقق ذلك للنبي، صلى الله عليه وسلم، وصحابته، اجتمع الأحزاب حول المدينة حتى ماذا قال المنافقون؟ وما قالوا؟ وكان موقفا عصيبا شديدا، وفعل اليهود ما فعلوا من الخيانة ونقض العهد، فنصر الله عز وجل نبيه، عليه الصلاة والسلام، وصحابته، رضي الله عنهم، وهو سبحانه وتعالى على كل شيء قدير. ومع ذلك هل تركوا الأسباب؟ الجواب: لا، عملوا بأسباب عظيمة، ومن هذه الأسباب العظيمة ماذا؟ حفر الخندق، حفروا خندقا عظيما حول المدينة، ومن يعرف موضع الخندق اليوم في المدينة يتعجب على همتهم، رضي الله عنهم، أرضاهم، اليوم يعجز الواحد يذهب للسوق، لو قيل له: يذهب للسوق، يحك رأسه عشر مرات يفكر كيف يخرج في هذا الوقت حر وظهر وغير ذلك، فضلا يقال له: يحفر حفرة يسيرة، كيف بخندق حفرة حول المدينة، خندق عظيم لا يستطيع الكفار على كثرتهم أن يمروا منه، لم يستطيعوا أن يمروا منه فيدخلوا المدينة، فكان سببا عظيما ليس سبب عادي. وأعانهم الله عز وجل عليه، أعانهم الله عز وجل عليه، حتى أنهم من شدة اجتهادهم في الحفر شغلوا عن الصلوات، جاء بحديث أبي سعيد: أنهم لم يصلوا في ذلك اليوم الظهر ولا العصر إلا بعد المغرب، واصلوا الحفر من أول النهار إلى آخره. وطبعا من شدة الخوف، وكذلك شدة الأمر، شغلوا عن الصلاة حتى نسوا صلاة الظهر والعصر، فما صلوها إلا بعد المغرب. وفي الصحيح في حديث علي وعمر وجماع من الصحابة: أنهم ما صلوا العصر إلا بعد المغرب، قال بعض أهل العلم: يجمع بين الحديثين بأنه تكرر مرتين، لأنهم حفروا الخندق أيام، ليس يوم واحد، ففي أحد الأيام شغلوا حتى لم يصلوا الظهر والعصر إلا بعد المغرب، وفي يوم آخر شغلوا حتى لم يصلوا العصر إلا بعد المغرب. وليس هذا عن وجه التساهل، ولكن عن وجه النسيان، ويدل على ذلك ما جاء في الصحيحين في قصة عمر، وكذلك جاء عن علي وغيره من الصحابة، قال النبي، صلى الله عليه وسلم: «شغلون عن الصلاة الوسطى، صلاة العصر، حتى غربت الشمس، ملأ الله قبورهم واجوافهم نارا». طيب، هذا خلاصة ما يذكر بالحديث، والله تعالى أعلم.