الصحيح المسند من دلائل النبوة 177

الصحيح المسند من دلائل النبوة 177

الدرس في الصحيح المسند من دلائل النبوة 177، الدرس السابع والسبعون بعد المائة:(قال البخاري رحمه الله:حدثني محمد بن بشار ... فإذا سعد يغذو جرحه دماً فمات منها رضي الله عنه.أخرجه مسلم ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

حكم سعد بن معاذ في بني قريضة وتأثيره

نزل أهل قريضة على حكم سعد بن معاذ، فحكم بقتل مقاتلتهم وسبي ذراريهم، وتوفي سعد بن معاذ بعد ذلك متأثرًا بجراحه التي أصيب بها يوم الخندق.

دلالات ومسائل مستنبطة من حديث سعد بن معاذ

يشرح المقطع دلالة حديث سعد بن معاذ على نبوة النبي صلى الله عليه وسلم، ويستعرض مسائل مستنبطة من الحديث منها فضل سعد بن معاذ وجواز تلقيب الصالحين بسيد.

مسائل فقهية متعددة من حديث بني قريظة

المقطع يتناول مسائل فقهية متعددة مستنبطة من حديث بني قريظة، منها علو الله تعالى، وخيانة يهود، وجواز ضرب الخيمة في المسجد، وعدم نجاسة دم الإنسان.

الاستعانة بغير المسلمين في الضرورات

يجوز الاستعانة بغير المسلمين في الضرورات مثل الحراسة إذا دعت الحاجة لذلك، وهناك أدلة عامة وخاصة تدعم هذا الرأي.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. قال شيخنا أبو عبد الرحمن مقبل بن هادي الوادعي رحمه الله تعالى في كتابه "الصحيح المسند من دلائل النبوة": قال البخاري رحمه الله: حدثني محمد بن بشار، قال: حدثنا غندر -وهو محمد بن جعفر-، قال: حدثنا شعبة، قال: عن سعد، قال: سمعت أبا أمامة رضي الله عنه، قال: سمعت أبا سعيد الخدري رضي الله عنه يقول: نزل أهل قريضة على حكم سعد بن معاذ، فأرسل النبي صلى الله عليه وسلم إلى سعد، فأتى على حمار، فلما دنا من المسجد، قال للأنصار: قوموا إلى سيدكم -أو خيركم-، فقال: هؤلاء نزلوا على حكمك، فقال: تقتل مقاتلتهم، وتسبى ذراريهم، قال: قضيت بحكم الله، وربما قال: بحكم الملك. قال البخاري رحمه الله: حدثنا زكريا بن يحيى، قال: حدثنا عبد الله بن نمير، قال: حدثنا هشام، عن أبيه -وهو عروة بن الزبير-، قال: عن عائشة رضي الله عنها، قال: أصاب سعد يوم الخندق، رماه رجل من قريش -قالوا له: حبان بن العرقة- رماه في الأكحل، فضرب النبي صلى الله عليه وسلم خيمة في المسجد ليعوده من قريب، فلما رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم من الخندق، وضع السلاح واغتسل، فأتاه جبريل عليه السلام وهو ينفض رأسه من الغبار، فقال: قد وضعت السلاح؟ والله ما وضعته، أخرج إليهم، قال النبي صلى الله عليه وسلم: فأين؟ فأشار إلى بني قريضة، فأتاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فنزلوا على حكمه، فرد الحكم إلى سعد، قال: فإني أحكم فيهم أن تقتل المقاتلة، وأن تسبى النساء والذرية، وأن تقسم أموالهم. قال هشام: فأخبرني أبي عن عائشة أن سعدًا قال: اللهم إنك تعلم أنه ليس أحد أحب إلي أن أجاهدهم فيك من قوم كذبوا رسولك وأخرجوه، اللهم فإني أظن أنك قد وضعت الحرب بيننا وبينهم، فإن كان بقي من حرب قريش شيء فأبقني له حتى أجاهدهم فيك، وإن كنت وضعت الحرب، ففجرها واجعل موتي فيها -يعني جرحه-، قال: فانفجرت من لبته، فلم يرعهم -وفي المسجد خيمة من بني غفار- إلا الدم يسيل إليهم، فقالوا: يا أهل الخيمة، ما هذا الذي يأتي من قبلكم؟ فإذا سعد يغذو جرحه دمًا، فمات منها رضي الله عنه، أرضاه. أخرجه مسلم. أورد شيخنا رحمه الله هذا الحديث بطرقه في سياق ذكره لدلائل نبوة عليه الصلاة والسلام في كرامات أصحابه وأتباعه. ووجه الدلالة من هذا الحديث إصابة الحق كما أشار الشيخ في التعليق، إصابة الحق في الفتوى، فكونه وفق لحكم الله من فوق سبع سماوات، هذا من كرامات سعد رضي الله عنه، أرضاه، على ما أكرمه الله جل وعلا به. وكذلك من الشهادة نرجوها له رضي الله عنه، أرضاه. وكذلك ما كان من فضله حين أبقاه إلى أن حكم في يهود، فإن ذلك كما جاء في بعض الروايات كان من دعوته رضي الله عنه، أرضاه. وفي هذا الحديث مسائل كثيرة، من أهمها على وجه الاختصار: فيه فضل سعد بن معاذ رضي الله عنه، أرضاه، مع ما تقدم مما أورد لأجله الحديث، إذ فيه كرامة لسعد، وفي ذلك دليل من دلائل النبوة عليه الصلاة والسلام. وفيه من المسائل كذلك جواز تلقيب الرجل الصالح بالسيد، ولا يجوز أن يقال للمنافق والفاجر، ولكن للرجل الصالح، فمن ساد قومه بصلاحه فهو سيدهم، فإن جمع بين السيادة الدينية والسيادة الدنيوية فذاك، فإن لم يكن فلا يقال لمن ليس عنده دين سيد. وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه نهى عن ذلك. وفيه كذلك من المسائل: وهنا قد يقول قائل: كيف هذا مع ما سبق قريبًا في كراهية النبي صلى الله عليه وسلم أن يقال له: يا سيد، حين قالوا: يا سيدنا، ويابن سيدنا، فنهاهم عن ذلك عليه الصلاة والسلام؟ الجواب من وجهين: الوجه الأول أنه لم يأمره من يقول: يا سيدنا يا سعد بن معاذ، إنما أمره من يقوم إليه ليكرموه، وهذا يختلف، وإنما الذي نهى عنه حين نودي وقيل له ما قيل، وفرق بين الأمرين. والوجه الثاني أنه أراد بذلك تذكيرهم بفضله ليقوموا بما يجب من إكرامه والإحسان إليه، خصوصًا وهو في هذه الحال. ولهذا قال العلماء -أو قال من قال من أهل العلم-: هذه العبارة إذا كان قولها يضر بدين صاحبها فلا تقال، يعني إنما تقال إذا كان لا يضر بصاحبها. ومن تأمل سياق هذه العبارة لم يجدها في وقت رخاء، بل في وقت شدة قيلت في وقت شدة. وفي هذا الحديث من المسائل كذلك إثبات العلو لله عز وجل، فقد جاء في بعض الروايات أنه قال: بحكم الملك من السماء، أو من فوق سبع سماوات. ومعنى ذلك دلت عليه أدلة كثيرة من الكتاب والسنة، فلله علو الذات وعلو القدر وعلو القهر، علو الذات على ما يليق بجلاله وعظمته من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تكيف ولا تمثيل. وفيه من المسائل خبث يهود وخيانتهم، فإن هذا من أعظم صفاتهم، فهو متأصل فيهم قديمًا وحديثًا، وهؤلاء هم يهود في زمن النبي صلى الله عليه وسلم وفي زماننا هذا. وفيه من المسائل كذلك جواز ضرب الخيمة في المسجد إذا لم يكن فيه تشويش على المصلين وضر عليهم. وفيه من المسائل كذلك عدم نجاسة دم الإنسان على القول الصحيح من أقوال أهل العلم، إذ لو كان نجسًا لنبه عليه في مثل هذا المقام. وقد ورد معناه في مواضع كثيرة، وليس في حديث واحد صحيح صريح يدل على أن دم الإنسان نجس. ولهذا كان القول الراجح في هذه المسألة أن دم الإنسان ودم كل حيوان مأكول اللحم ليس بنجس. وفرق بين الرجس وبين النجاسة، فالرجس الخبث، فسمى الله عز وجل الأوثان رجسًا وهي ليست بنجسة، فالنجاسة شيء والرجس شيء آخر. وفيه من المسائل كذلك إثبات هذا الحكم لمن نقض العهد من الكفار، بأن تقتل المقاتلة وتسبى النساء والذرية، ويعرف المقاتل من غيره بالبلوغ. ولهذا أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالكشف عن عورات الرجال والشباب ليعلم من منهم أنبت فهو قد بلغ. وفيه جواز كشف العورة للضرورة، لأنهم لو سئلوا من بلغ ومن لم يبلغ سيقول كلهم كاذبين ما بلغ هؤلاء وهم قد بلغوا. وعلامات البلوغ عند الذكر ثلاثة: بلوغ السن خمسة عشر، والاحتلام، والإنبات. والأول والثاني لا يمكن أن تصرح به يهود، فبقي ماذا؟ بقي الثالث، فلهذا كشف أمر بكشف عوراتهم عليه الصلاة والسلام لأجل أن يعرف المقاتل من غير المقاتل، فأمر بقتل المقاتلة. وفيه من المسائل كذلك جواز قسم أموال الكفار إذا نقضوا العهد، ولو كانوا أهل ذمة ولو كانوا أهل ذمة وميثاق، ما داموا نقضوا العهد فذلك يحل المال من باب أولى، ما دام قد حل الدم. وأخيرًا من المسائل فيه كذلك -أي في هذا الحديث- جواز بقاء الرجل في المسجد مع عدم الصلاة للضرورة، ومنه حال سعد بن معاذ لأجل مرضه، لأنه يطبب في المسجد يكون أقرب للنبي صلى الله عليه وسلم وللناس يتفقد حاله. وهذا لأنهم في ذاك الزمان ليس عندهم من الإمكان ما عند الناس في هذا الزمان. ومثله يقال لو احتيج لضرورة أخرى مثل الحراسة، مثل الحراسة وما كان بمعناها، إذا احتيج لمن يحرس المصلين فإنه لا بأس ولا حرج. ودلائل ذلك من نصوص عامة وخاصة تدل على هذا المعنى. إلى هنا والله تعالى أعلم.