الصحيح المسند من دلائل النبوة 18

الصحيح المسند من دلائل النبوة 18

الدرس في الصحيح المسند من دلائل النبوة 18، الدرس الثامن عشر:من( قال الإمام محمد بن حبان رحمه الله كما في الموارد ... قال الإمام أحمد رحمه الله وجمهور العلماء هذه الرؤية رؤية بالعين حقيقية ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

حكمة اختيار مكة لبعثة النبي

مكة كانت مركز تجارة وأسواق العرب، وكان أهلها يتمتعون بالأمان والتعظيم، مما جعلها مكانًا مناسبًا لانتشار رسالة الإسلام. اختيار الله تعالى لمكة كان بسبب اجتماع الناس في أسواقها.

صفات النبي الخلقية والخلقية

النبي صلى الله عليه وسلم كان يتمتع بصفات خلقية وخلقية تدل على صدق نبوته، مثل ما رآه طارق بن عبد الله المحاربي من النبي في سوق ذي المجاز وهو يدعو الناس إلى توحيد الله. رجل عليه بردان أبيضان تبين أنه رسول الله صلى الله عليه وسلم.

رؤية النبي لمن خلفه في الصلاة

النبي صلى الله عليه وسلم كان يرى من خلفه أثناء الصلاة، وهذه الرؤية حقيقية بالعين، وهي من خوارق العادات التي أقدر الله عليها نبيه صلى الله عليه وسلم. العلماء فسروا هذه الرؤية بأنها دليل على نبوته.

آراء أهل العلم حول التصوير والإخبار بما خلف النبي

بعض أهل العلم يرى جواز تصوير النبي أو إخباره بما يكون خلفه، وقد تم الاستشهاد بآرائهم في هذا السياق. تم الاكتفاء بهذا القدر من النقاش حول الموضوع.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. أما بعد، قال شيخنا أبو عبد الرحمن مقبل بن هادي الوادعي، رحمه الله تعالى، في كتابه «الصحيح المسند من دلائل النبوة»: قال الإمام محمد بن حبان، رحمه الله، كما في «الموارد»: أخبرنا عبد الله بن محمد الأزدي، قال: (والشيخ هو عبد الله بن محمد الأزدي، الشهير بابن شيرويه، كما في مقدمة «الموارد»، يعني «موارد الضمان»). وترجمته في «تذكرة الحفاظ»، وهو حافظ كبير. قال رحمه الله تعالى: حدثنا إسحاق بن إبراهيم، قال: أنبأنا الفضل بن موسى، عن يزيد بن زياد بن أبي الجعد، عن جامع بن شداد، عن طارق بن عبد الله المحاربي، قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في سوق ذي المجاز، وعليه حلة حمراء، وهو يقول: «يا أيها الناس، قولوا: لا إله إلا الله تفلحوا». ورجل يتبعه يرميه بالحجارة. وسوق ذي المجاز من أسواق العرب التي كانت حول مكة، فكانت أسواق كثيرة حول مكة؛ لما جعله الله عز وجل لأهل مكة من مزية، فإنهم لما كانوا أهل الحرم، وكان الله عز وجل قد تكفل بحفظ حرمه وبيته المعظم، سبحانه، جعل الله عز وجل لأهل مكة من المهابة، ومن كذلك التعظيم في الناس، ما جعلهم محل أمان، لا يؤذيهم أحد، ولا يعتدي عليهم أحد. فاستغل ذلك أهل مكة بذهابهم إلى ما لا يستطيع الذهاب إليه سائر الناس، يذهبون للتجارة إلى الشام وإلى اليمن، كما ذكر الله عز وجل ممتنا على قريش: ﴿لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ * إِيلَافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ * فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ * الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ﴾. سائر الناس ما يستطيع الواحد يصل رحمه، ولو كان ما بينه وبينه إلا وادٍ؛ لكثرة القتل والنهب والاعتداء والغصب وغير ذلك من الشر، كحال سائر العرب في ذاك الزمان. ويأتي القرشي ويذهب من داخل مكة إلى الشام، ومن مكة إلى اليمن، ولا يعترضه أحد. إذا هم أحدًا يعترض عليه، قالوا: «هذا قرشي من أهل الحرم»، يخافون أن يصيبهم الله عز وجل بعذاب من عنده؛ لما رأوا مما أصاب الناس ممن اعتدى على أهل مكة، كما ذكر الله عز وجل في السورة قبلها: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ﴾ إلى آخر السورة. وهذا كله كان سببًا في دخول الخير على أهل مكة، بما يستوجب أن يؤمن بالله عز وجل وحده. فالشاهد: لأجل هذا اجتمعت الأسواق حول مكة؛ لأن أهلها كانوا أرباب تجارة، يستطيعون ما لا يستطيع غيرهم، فيجلبون السلع من الشام ومن اليمن. وكانت الشام أرض زروع وزيادة، هي مستقبل تجارات أهل الغرب. وكانت أرض اليمن أرض زروع، وهي مستقبل تجارات أهل الشرق، من الهند والصين وغير ذلك، فينجلب لمكة ما لا ينجلب لغيرها. ومكة وسط جزيرة العرب. انظر كيف اجتمعت خصال كثيرة، فكان بذلك اجتماع الأسواق. وكان من حكمة الله عز وجل أن بعث نبيه عليه الصلاة والسلام في هذا الموضع الذي يجتمع إليه الناس من كل مكان؛ أولًا لأنه موضع عبادة، وثانيًا لأنه محل أمان، فيجلب الأمان للقادم إليه. ولهذا كان العرب يعظمون الأشهر الحرم؛ لأنهم يأتون فيها في أيام عباداتهم إلى الحرم وأيام أسواقهم. وثالثًا: أنها محل اجتماع الناس في أسواقهم: ذي المجاز، وعكاظ، وغيرها من الأسواق الأخرى حول الحرم. فكان من حكمة الله أن بعث رسوله ونبيه عليه الصلاة والسلام في هذا الموضع. وهذا كله إن دل على شيء، دل على أنه رسول الله حقًا وصدقًا عليه الصلاة والسلام؛ فهو وحده دليل منفرد من دلائل صدق نبوته وصحة رسالته عليه الصلاة والسلام، فضلًا عما أيد بها من أدلة أخرى. قال: «رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في سوق ذي المجاز، وعليه حلة حمراء، وهو يقول: يا أيها الناس...». ومر معنا الحل الحمراء المخططة في ترجيح الإمام ابن القيم، وقول جماعة من أهل العلم، وهو حال الحلل التي تأتي وتجلب إلى أهل مكة. قال: «يقول: يا أيها الناس، قولوا: لا إله إلا الله تفلحوا»، يعني يدعو الناس إلى توحيد الله. وفيه جواز مشروعية دعوة الناس في الأسواق إذا لم يترتب على ذلك مفسدة. قال: «ورجل يتبعه يرميه بالحجارة، وقد أدمى عرقوبيه وكعبيه». والنبي عليه الصلاة والسلام لا يرد عليه، يصبر، يرميه بالحجارة ويكذبه، حتى أدمى عرقوبيه وكعبيه. أين العرقوب؟ ها من يقول لنا أين العرقوب؟ أين العرقوب؟ ها، يبراهيم؟ هذا العرقوب، فهو المسمى بعقب أو العقب، غير المعرقوب؟ أين العقب؟ «ويل للأعقاب من النار»، ها؟ المنخفض، نعم. طيب كيف نوضح للإخوة بالرؤية؟ طيب ارفع صوتك خلهم يسمعوك، وأشر لمن حولك: هذا الكعب مؤخرة القدم، الكعب نعم، والمنخفض الذي فوقه وخلف، نعم خلف العظم الناتئ الذي هو في طرف القدم يمينه ويساره، هذا العقاب. «ويل للأعقاب من النار»؛ لأنه منخفض قد لا يصيبه الماء عند العجلة وقلته. طيب ثم العرقوب الأعلى الزائد، وهو العصب الذي يكون في الخلف. وبعضهم يذكر غير ذلك من أهل اللغة، وكذلك الفقهاء، فالأمر سهل في هذا، لكن هذا هو المشهور. طيب قال رحمه الله: «وقد أدمى عرقوبيه وكعبيه، وهو يقول: يا أيها الناس، لا تطيعوه؛ فإنه كذاب». فقلت: من هذا القائل؟ طارق بن عبد الله المحاربي، قيل: هذا عمه عبد العزة، أبو لهب. فلما أظهر الله الإسلام، خرجنا في ركب حتى نزلنا قريبًا من المدينة، ومعنا ضعينة لنا. فبينما نحن قعود، إذ أتانا رجل عليه بردان أبيضان، فسلما، فقال: «من أين أقبل القوم؟» قلنا: «من الربدة»، والربدة موضع قرب المدينة. قال: «ومعنا جمل»، قال: «أتبيعون هذا الجمل؟» قلنا: «نعم». قال: «بكم؟» قلنا: «بكذا وكذا صاعًا من تمر». قال: «فأخذه ولم يستنقصنا»، يعني: لا طلب النقص، ولا أنقص في العطاء. قال: «قد أخذته»، ثم توارى بحيطان المدينة. فتلاومنا فيما بيننا، فقلنا: «أعطيتم جملكم رجلًا لا تعرفونه». قال: فقالت الضعينة: «لا تلاوموا»، يعني معناها: أنه أخر العطاء. فقالت الضعينة -والضعينة هي المرأة، وقد تكون من أهل القوم، وقد تكون معهم عاملة، يعني جارية- قال: «فقالت الضعينة: لا تلاوموا؛ فإني رأيت وجه رجل لم يكن ليخفركم». ومعنى الإخفار يعني: الخيانة. قال: «ما رأيت أحدًا أشبه بالقمر ليلة البدر من وجهه». قال: «فلما كان من العشي، أتان رجل فسلم علينا، فقال: أنا رسول لرسول الله صلى الله عليه وسلم إليكم، يقول: إن لكم أن تأكلوا حتى تشبعوا، وتكتالوا حتى تستوفوا». قال: «فأكلنا حتى شبعنا، وكلنا حتى استوفينا». قال: «ثم قدمنا المدينة من الغد». ومعنى أنه الرجل الذي جاء وعليه بردان أبيضان، والبرد هي ثياب من ثياب أهل اليمن، كالإزار والرداء، تشبه أشبه ما تكون بلباس المحرم، لكنها في الغالب كما قال ابن القيم رحمه الله: «لا تكون إلا مخططة، لا تكون خالصة»، يعني: ليس لها لون واحد خالص، في الغالب تكون مخططة. قال رحمه الله تعالى: قال: «فأكلنا حتى شبعنا، وكلنا حتى استوفينا». قال: «ثم قدمنا المدينة من الغد، فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم قائم يخطب على المنبر، وهو يقول: «يد المعطي العلياء، وابدأ بمن تعول: أمك، وأباك، وأختك، وأخاك، ثم أدناك أدناك». فقام رجل فقال: «يا رسول الله، هؤلاء بنو ثعلبة بن يربوع قتلوا قتلانا في الجاهلية، فخذ لنا ثأرنا منهم». فرفع رسول الله صلى الله عليه وسلم يديه حتى رأيت بياض إبطيه، وقال: «ألا لا تجني أم على ولد، ألا لا تجني أم على ولد». قال: «هذا حديث حسن». والشاهد منه هو ما ذكره من صفة النبي صلى الله عليه وسلم الخلقية والخلقية، التي كلها تدل على أنه رسول الله حقًا وصدقًا عليه الصلاة والسلام؛ فهي دلائل من دلائل صدق نبوته وصحة رسالته عليه الصلاة والسلام. فمثل هذا الاجتباء والاصطفاء، وهذا الاختصاص، لا يكون إلا لنبي ورسول حق. قال رحمه الله: «وفي الحديث فوائد كثيرة، لكن هذا هو الشاهد في هذا الموضع». وبما أورده رحمه الله، قال: قال الإمام البخاري: «وحدثنا إسماعيل، قال: حدثني مالك، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «هل ترون قبليتي هاهنا؟» والله ما يخفى علي ركوعكم ولا خشوعكم، وإني لأراكم من وراء ظهري»، يعني: من صفته أنه كان يرى من خلفه. كان يرى من خلفه، وهذه الرؤية أقدره الله عز وجل عليها؛ فإن الله عز وجل يريه من خلفه عليه الصلاة والسلام، إما بما يكون من حنف العين، وإما بما يريه الله عز وجل إليه بما يصوره له. وقد صور له ربنا جل وعلا صورًا لنبيه عليه الصلاة والسلام لم تكن أمامه، كما صور له بيت المقدس. قال: «حدثنا محمد بن بشار، قال: حدثنا غندر، قال: حدثنا شعبة، قال: سمعت قتادة، عن أنس بن مالك، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أقيموا الركوع والسجود؛ فوالله إني لأراكم من بعدي»، يعني: من خلفي، وربما قال: «من بعد ظهري إذا ركعتم وسجدتم». الحديثان رواهما مسلم. قال النووي رحمه الله: «قال العلماء: معناه أن الله خلق له صلى الله عليه وسلم إدراكًا في قفاه يبصر به من وراءه. وقد انخرقت العادة له صلى الله عليه وسلم بأكثر من هذا، وليس يمنع من هذا عقل ولا شرع، بل ورد الشرع بظاهره، فوجب القول به». وأما قوله: «لا عقل ولا شرع»: أما الشرع، فظاهر؛ لأنه نبي ورسول، وقد جعل الله عز وجل على أيدي الأنبياء والرسل من خوارق العادات ما هي دلائل نبوة، وأدلة من أدلة صدق رسالة. وأما لا يمنع منه عقل؛ فإن العقل قد شاهد خوارق ونوادر، يقضي بأن وجود مثل ذلك لا يمتنع، وجود مثل ذلك لا يمتنع؛ لأنه في الآخر، العقل الصحيح يسلم لما جاء في الحس، ودل عليه دليل الشرع الصريح. فالعقل يحير أن يعيش الشيء من دون سبب، لكنه يسلم -يسلم بالتجربة- أن الله عز وجل جل وعلا قادر على أن يوجد الشيء بغير سبب ظاهر، وهو سبحانه على كل شيء قدير، أو بسبب يخفى على العقل. فالعقل يدرك: العقل الصحيح يدرك أنه ناقص عن إدراك الأشياء بتمامها وكمالها. فإن العقول رأت من ذلك نظائر، تسلم بعدها بأن مثل هذا ممكن، وليس بممتنع. يفلق الإنسان الحجر الصماء، حجر حجر أصم، يفلقه، فيجد في داخله من الدود ما فيه حياة كاملة، ولا يرى معه شيء من معنى الارتزاق، يثبته عقل ويقره، ولا يجحد ما هو نظيره. لا يسلم إلا بأن هذا من قدرة الله عز وجل الذي هو على كل شيء قدير. وهكذا كذلك له نظائر أخرى كثيرة. العقل يدرك أنه يدرك الأشياء بحسها، ولكنه أدرك أن هذا ليس كل ما تثبت به العلوم، ويثبت به الوجود. فكم مما هو معلوم وله أصل ووجود، وهو ليس مما يكون له معنى محسوس، ليس مما يكون له معنى محسوس. وهذا ونظائره كثير مما يدل على ذلك. بل حتى إدراك الأعمى قد يفوق إدراك المبصر، فيدرك الأعمى ما حوله أحسن مما يدرك المبصر في أحوال وأشخاص. وهذا يثبته العقل ولا يحيله. وهكذا كذلك في حق نبينا عليه الصلاة والسلام في مثل هذه الخصلة. قال رحمه الله تعالى: قال النووي رحمه الله: «قال العلماء: معناه أن الله خلق له صلى الله عليه وسلم إدراكًا في قفاه يبصر به من وراءه. وقد انخرقت العادة له صلى الله عليه وسلم بأكثر من هذا؛ فنبع الماء بين يديه، وبارك الله له في الماء القليل والطعام القليل، وغير ذلك». قال: «وليس يمنع من هذا عقل ولا شرع، بل ورد الشرع بظاهره، فوجب القول به». قال القاضي: قال أحمد بن حمد رحمه الله تعالى: «وجمهور العلماء: هذه الرؤية، هذه الرؤية رؤية بالعين حقيقة»، يعني: ليست رؤية منام، ولا شيء، ولكنها رؤية عين؛ لأن ظاهر الأحاديث أنها تدل على ذلك. وبعض أهل العلم قال: «لا يمتنع أن يكون قد صور للنبي عليه الصلاة والسلام، أو يصور له، أو يخبر بما يكون خلفه عليه الصلاة والسلام». طيب نكتفي بهذا وإلى هنا، والله تعالى أعلم.