الدرس في الصحيح المسند من دلائل النبوة 50، الدرس الخمسون:من( قال مسلم رحمه الله:حدثنا شيبان بن فروخ ... قال فإن الله ورسوله يصدقانكم ويعذرانكم ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يروي المقطع قصة فتح مكة حيث أمر النبي ﷺ بقيادة الجيش وطاف بالبيت وكسر الأصنام، ثم طمأن الأنصار بعد خوفهم من تفضيل قريش عليهم. كما أعلن النبي ﷺ الأمان لمن دخل دار أبي سفيان أو ألقى السلاح أو أغلق بابه.
يستخلص المقطع العديد من الدروس والعبر من حدث فتح مكة، مثل أهمية الوحي الإلهي في إطلاع النبي ﷺ على حديث الأنصار، وقبول عذر المعتذرين، وإزالة مظاهر الشرك. كما يبين دور الوحي في توجيه النبي ﷺ.
يتناول المقطع مسائل فقهية وآداب إسلامية مستفادة من فتح مكة، مثل ارتكاب الأخف لدفع الأشد، وسوء الظن، والاحتراس من نزغات الشيطان، والجمع بين القوة والرحمة. كما يشرح الفرق بين التوكل على الله وعلى المخلوق.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. قال شيخنا أبو عبد الرحمن بن هادي الوادعي رحمه الله تعالى في كتابه «الصحيح المسند من دلائل النبوة»: قال الإمام مسلم رحمه الله تعالى: حدثنا شيبان بن فروخ، قال: حدثنا سليمان بن المغيرة، قال: حدثنا ثابت بن جناني، عن عبد الله بن رباح، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: وفدت وفود إلى معاوية، وذلك في رمضان، فكان يصنع بعضنا لبعض الطعام، فكان أبو هريرة مما يكثر أن يدعونا إلى رحله. فقلت: ألا أصنع طعاما فأدعوهم إلى رحلي؟ فأمرت بطعام يصنع، ثم لقيت أبا هريرة من العشي، فقلت: الدعوة عندي الليلة. فقال: سبقتني. قلت: نعم. فدعوتهم. فقال أبو هريرة: ألا أعلمكم بحديث من حديثكم يا معشر الأنصار؟ ثم ذكر فتح مكة، فقال: أقبل رسول الله ﷺ حتى قدم مكة، فبعث الزبير على إحدى المجنبتين -يعني جهتين من الجيش- وبعث خالدا على المجنبة الأخرى، وبعث أبا عبيدة على الحسر -يعني بطن الوادي- فأخذوا بطن الوادي. ومعناه: على الفرق المتفرقة. قال: ورسول الله ﷺ في كتيبة. قال: فنظر فرآني، فقال: «لبيك يا رسول الله». قال: «لا يأتيني إلا أنصاري». زاد غير شيبان: فقال: «اهتف لي بالأنصار» -يعني نادي أن يأتيني الأنصار-. قال: فطافوا به، ووُبِشَتْ قريشٌ أو باشها وأتباعا. فقالوا: نقدم هؤلاء، فإن كان لهم شيء كنا معهم، وإن أصيبوا أعطينا الذي سئلنا. ومعناه: نتعرض لهم، ننظر قوتهم، فإن استطعنا أن نغلبهم وإلا فإن غلبنا نعطيهم -أي الفتح- من دون قتال. قال: فقال رسول الله ﷺ: «ترون إلى أوباش قريش وأتباعهم» -يعني من القبائل التي قدمت إلى مكة من حولها-، ثم قال بيديه إحداهما على الأخرى -يعني لا تبقوا منهم أحدا- أنهوهم هكذا، مسح بيده على الأخرى. قال: ثم قال بيديه إحداهما على الأخرى، ثم قال: «حتى توافوني بالصفا» -يعني اللقاء عند جبل الصفا بجانب الحرم وعند الكعبة-. قال: فانطلقنا، فما شاء أحد منا أن يقتل أحدا إلا قتله، وما أحد منهم يوجه إلينا شيئا. ومعنى: ما تعرض لهم أحد إلا قتلوه. والمراد بذلك العبرة؛ لأنهم علموا أنهم أرادوا أن يعرفوا عزيمة الجيش وقوته، فإذا قتل هؤلاء الذين أرسلوا بالمقدمة من المشركين، وصل الخبر إلى غيرهم أنهم لم يتركوا أحدا، فعند ذلك يستسلم الجميع بغير قتال. وهذا من السياسة في القتال. قال رضي الله عنه: «وما أحد منهم يوجه إلينا شيئا، لا قريش بعد اليوم». ومعنى: ستهلكون كل الناس. ثم قال: «من دخل دار أبي سفيان فهو آمن». فقالت الأنصار بعضهم لبعض: أما الرجل فأدركته رغبة في قريته ورأفة بعشيرته -يعني بعض الأنصار ظنوا هذا الظن، يعني أن النبي ﷺ أخذته الرأفة بأهل بلدته-. قال أبو هريرة: وجاء الوحي، وكان إذا جاء الوحي لا يخفى علينا -يعني إلى النبي ﷺ- ويعرفون ذلك في وجهه وفي سكونه، وكذلك هدوء عليه الصلاة والسلام. قال: فإذا جاء فليس أحد يرفع طرفه إلى رسول الله ﷺ حتى ينقضي الوحي. فلما انقضى الوحي، قال رسول الله ﷺ: «يا معشر الأنصار». قالوا: لبيك يا رسول الله. قال: «قلتم: أما الرجل فأدركته رغبة في قريته». قالوا: قد كان ذاك. قال: «كلا، إني عبد الله ورسوله، هاجرت إلى الله وإليكم، والمحيا محياكم، والممات مماتكم». فأقبلوا إليه يبكون ويقولون: والله ما قلنا الذي قلنا إلا الظن بالله وبرسوله -يعني البخل والشح ألا تذهب من عندنا وترجع إليهم-. فقال رسول الله ﷺ: «إن الله ورسوله يصدقانكم ويعدرانكم». وفيه جواز هذا اللفظ ما عدم الشبهة. قال: فأقبل الناس إلى دار أبي سفيان، وأغلق الناس أبوابهم. وقد كان قال النبي ﷺ -كما في بعض الروايات-: «ومن دخل بيته فهو آمن»، «ومن وضع السلاح فهو آمن»، وهكذا غير ذلك. قال: وأقبل رسول الله ﷺ حتى أقبل إلى الحجر، فاستلمه، ثم طاف بالبيت -يعني ابتدأ بالطواف بالحجر الأسود، وهذه سنة الطواف أنه يكنى من الحجر الأسود-. قال: فأتى على صنم إلى جنب البيت، كانوا يعبدونه. قال: وفي يد رسول الله ﷺ قوس، وهو آخذ بسية القوس -يعني طرفه الذي يكون به الوتر-، فلما أتى على الصنم، جعل يطعنه في عينه -يعني في عين ذلك الصنم- ويقول: «جاء الحق وزهق الباطل». فلما فرغ من طوافه، أتى الصفا، فعليه حتى نظر إلى البيت، ورفع يديه، فجعل يحمد الله ويدعو بما شاء أن يدعو. قال: وقال الإمام مسلم رحمه الله تعالى: وحدثنيه عبد الله بن هاشم، قال: حدثنا بهزن، قال: حدثنا سليمان بن المغيرة بهذا الإسناد، وزاد في الحديث: «ثم قال بيديه على الأخرى: احصدوهم حصدا» -يعني اقطعوهم من أصولهم، لا تبقوا منهم أحدا-. والمراد: المقاتلين من المشركين بما معهم من الأوباش. قال: وقال في الحديث: «قالوا: قلنا ذاك يا رسول الله». قال: «فما اسمي إذن؟ كلا، إني عبد الله ورسوله». ويريد بذلك -يعني بعد قول الأنصار ما قالوا- يعني أنه عبد الله ورسوله، فهو يفعل ما أمره الله وأوحى الله إليه، ليس يفعله بعاطفة عليه الصلاة والسلام. قالوا: حدثني عبد الله بن عبد الرحمن الدارمي، قال: حدثنا يحيى بن حسان، قال: حدثنا حماد بن سلمة، قال: أخبرنا ثابت عن عبد الله بن رباح، قال: وفدنا إلى معاوية بن أبي سفيان، وفينا أبو هريرة، فكان كل رجل منا يصنع طعاما يوما لأصحابه، فكانت نوبتي. فقلت: يا أبا هريرة، اليوم نوبتي. فجاء إلى المنزل، ولم يدرك طعامنا -يعني أن الطعام لم يجهز بعد، لم يدرك طعامنا-. قال: فقلت: يا أبا هريرة، لو حدثنا عن رسول الله ﷺ حتى يدرك طعامنا؟ فقال: كنا مع رسول الله ﷺ يوم الفتح، فجعل خالد بن الوليد على المجنبة اليمنى، وجعل الزبير على المجنبة اليسرى، وجعل أبا عبيدة على البياذقة وبطن الوادي -يعني يمشي في الوسط ويتتبع من كان في الطريق-. فقال: «يا أبا هريرة، ادع لي الأنصار». فدعوتهم، فجاءوا يهرولون. فقال: «يا معشر الأنصار، هل ترون أوباش قريش؟» قالوا: نعم. قال: «انظروا إذا لقيتموهم غدا أن تحصدوهم حصدا»، وأخفى بيديه، ووضع يمينه على شماله. وقال: «موعدكم الصفا». قال: فما أشرف يومئذ لهم أحد إلا أناموه -يعني كناية عن القتل حتى سقط على الأرض كأنه نائم، وهو ميت ليس به حركة-. قال: وصعد رسول الله ﷺ الصفا، وجاءت الأنصار، فأطافوا بالصفا. فجاء أبو سفيان، فقال: «يا رسول الله، أبيدت خضراء قريش، لا قريش بعد اليوم». قال أبو سفيان: قال رسول الله ﷺ: «من دخل دار أبي سفيان فهو آمن، ومن ألقى السلاح فهو آمن، ومن أغلق بابه فهو آمن». وهذه الرواية تبين أنه قال ذلك عند الصفا. وفي بعض الروايات أنه قال ذلك قبل أن يدخل إلى مكة. ومعناه: أنه قاله عليه الصلاة والسلام مرتين: مرة حين خرج أبو سفيان إلى النبي ﷺ وأدخله عليه عمه العباس، ومرة أخرى حين رأى أبو سفيان ما رأى من قتل من قتل، جاء إلى النبي ﷺ كأنه خائف أن يصل إليه القتل وإلى أهله، فكرر وأعاد عليه النبي ﷺ: «أن من دخل دار أبي سفيان فهو آمن، ومن دخل داره فهو آمن» إلى آخره. ولا معارضة بين ذلك، فهو من باب التأكيد. وكرره أبو سفيان من باب الخوف. قال: فقالت الأنصار: أما الرجل فقد أخذته رأفة بعشيرته ورغبة في قريته. ونزل الوحي على رسول الله ﷺ. قال: «قلتم: أما الرجل فقد أخذته رأفة بعشيرته ورغبة في قريته». «ألا فما اسمي إذن» -ثلاث مرات يسألهم، وهم سكوت لا يجيبون- يقول لهم: «ألا فما اسمي إذن؟ ألا فما اسمي إذن؟ ألا فما اسمي إذن؟». والمراد لذلك: أنهم يقرون أنه محمد عبد الله ورسوله، فإذا كان كذلك فهو لا يفعل إلا ما أمره الله، ليس لعاطفة ولا لرأفة. ثم أجاب: «أنا محمد عبد الله ورسوله». قال: «هاجرت إلى الله وإليكم، فالمحيا محياكم، والممات مماتكم» -يعني لن أفارقكم، ولن تأخذني العاطفة إلى قريتي وقبيلتي-. قالوا: الله ما قلنا إلا ظنا بالله ورسوله -يعني شحا وبخلا-. قال: «فإن الله ورسوله يصدقانكم ويعدرانكم». أورد شيخنا رحمه الله هذا الحديث بطرقه الثلاث ليستدل به على قليل من كثير مما كان يوحى إلى النبي ﷺ من الأمر الغيبي فيخبر به كما وقع. ووجه الشاهد منه: أن الأنصار قالوا مقالة فيما بينهم، لم يعرفها أكثر الجيش، حتى أوحى الله إلى نبيه ﷺ بهذه المقالة، فكان من ذلك أن قال النبي ﷺ ما قال. وهذا يدل على صدق رسالته ونبوته عليه الصلاة والسلام. فمثل هذه الأمور الغيبية المتكررة لا تقع إلا لمن أيد بوحي من الله سبحانه وتعالى. فإن الغيب من خصائص علم الله سبحانه: ﴿قل لا يعلم من في السماوات والأرض الغيب إلا الله﴾. فالله عز وجل هو الذي استأثر بعلم الغيب، لكن يظهره ويظهر ما يشاء منه على من يشاء من رسوله، أو من رسوله. عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدا إلا من ارتضى من رسول. وفي هذا الحديث والقصة فوائد عظيمة وكثيرة، نكتصر منها على أهم ما يتيسر من أهم هذه الفوائد في هذا الحديث: فضل أهل التوحيد، وأن أهله منصورون في الدنيا وفي الآخرة. فانظر كيف نصر الله عز وجل رسوله ﷺ حتى فتح الله عز وجل عليه مكة، وهم على ما هم عليه من فقر وفاقة وشدة. وهل مكة على ما هم عليه من كثرة وغنى وكذلك كثرة أنصار، ولكن لأجل أن يعرف المسلم أن النصر إنما هو بالله ومن الله، فمتى ما استمسك بالله عز وجل نصره الله عز وجل وفتح عليه كما فتح على رسوله ﷺ مع قلة ذات اليد وقلة العدد والعدة. فإن الله عز وجل كذلك من سنته: أنه يكون له النصر لمن نصره: «إن تنصر الله ينصركم ويثبت أقدامكم». وهكذا كذلك في هذا الحديث من المسائل: ما ينبغي أن يكون عليه الرفقة من الأدب فيما بينهم، والاستشعار لحقوق الأخوة. ومن ذلك: عدم الإثقال بعضهم على بعض. وهذه من الصفات الحميدة التي حث عليها الإسلام، وكان قد عرفها العرب قبل ذلك، وهو معنى من معاني الكرم. فلا ينبغي للمسلم مهما كان كرم أخيه أن يرضى لنفسه بالإثقال على أخيه. فانظروا: أبو هريرة رضي الله عنه كان يسبق القوم فيهيئ لهم طعامهم -يعني يتحمل ضيافتهم-. فسبقه في تلك الليلة عبد الله بن رباح. وفي الرواية الأخرى: أنه كان الدور والنوبة عليه. وفي هذا دليل على أنه ينبغي إذا وجد مثل ذلك أن يتدخل العقلاء فيجعلوه نوبة بينهم، فلا إفراط ولا تفريط. لا تكون المسألة فيها إهمال من طائفة وحرص من طائفة أخرى، فيكون الثقل على جهة واحدة. لكن يتدخل العقلاء فيقولون مثلا: الأمر نوبة بيننا. ومثل هذا يقع كثيرا في الأسفار. والسفر يسفر عن الناس، فتجد بعض الناس في الأسفار إما قليل الإحساس وإما مفرط الإحساس. فالمفرط دائما يحمل التكاليف ويتعب ويتعب الناس بعده. والعكس ميت الإحساس يتعب غيره وهو لا يشعر. وهو لا يشعر. فينبغي في المقام مثل هذا أن يقال: يكون الأمر نوبة -يعني كل مرة على أحد- أو اشتركون، يجعلون بينهم اشتراكا حتى يحصل تآخ وتآزر وتعاون، وعدم الإضرار بأحد. «لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه». وهكذا في هذا الحديث من المسائل: فيه كذلك جواز الدخول على السلطان إذا كان لما فيه مصلحة للإسلام والمسلمين. فهم جاءوا وفودا إلى معاوية رضي الله عنه ليس لدنيا، ولكن جاءوا لدين. وهذا هو الظن بمثل أبي هريرة رضي الله عنه وأمثاله ممن جاء معه. وفيه كذلك: ما كان عليه النبي ﷺ من الأخذ بالأسباب الحسية والمعنوية. ومن ذلك: أمر الفتح، فإنه كتم الأمر غاية التكتيم عليه الصلاة والسلام، وحرص أن لا يبلغ قريش شيء من أمر خروجه. وهكذا كذلك: فعل الأسباب في الإحاطة بقريش من كل الجهات، فجعل جيشا يخرجوا على الميمنة، وآخر على الميسرة، وآخر في الوادي، ودخل عليه من نبي ﷺ من الواجهة. وفيه كذلك: وفيه كذلك من المسائل: ما ينبغي من مراعاة الأمور وتتبع المصالح، وإظهار المحامد في المواضع التي ينبغي أن تظهر. وذلك لأن النبي ﷺ حرصا على أن يخرج مع الأنصار، وأن يكون في جيش الأنصار، وذلك لهذا المعنى؛ إذ فيه أولا: إدخال ما يدخل على أهل مكة، إذ أنه منهم. ومع ذلك: ما كان منهم ما كان ينبغي في اتباع الحق وسرعة الدخول فيه. وهكذا كذلك: فيه إظهار فضل الأنصار، كيف أن الله نصر بهم الإسلام والمسلمين على خلاف ما كان يرمي به المشركون الأنصار، وما كانوا يشيعونه ويظنون من أنهم يخذلون النبي ﷺ. وهكذا ينبغي أن يتذكر الفضل لذوي الفضل للطوائف والقبائل والأشخاص بما يكون به إحقاق الحق. وفيه كذلك من المسائل: حسن السياسة الشرعية في معالجة الأمور، ولو بالشدة إذا اقتضى المقام ذلك. فإن النبي ﷺ لما رأى أوباش قريش قد خرجت، علم مقصدهم من ذلك، فأراد أن يرد لهم مطمعهم بأمره الذي أمر، فأمر بحصدهم حصدا حتى يكون عبرة لغيرهم. وهكذا يفعل بكل عدو قصد قصد سوء، فإنه يعامل بنقيض قصده ليكون عبرة لغيره. وفيه كذلك من المسائل: لهذا الصنيع إذا كان ليس على وجه الدوام، وكان لدفع مفسدة كبرى؛ فلأجل أن تحقن دماء قريش، تقتل وتسفك هذه الدماء، فلا يبقى منها أحد. مع أنه كان في إمكانهم أن يقتلوا من يقتلوا، ويبقى البقية أسرى. ممكن هذا. لكن أمر النبي ﷺ: «أن لا يبقى أحد» -يعني حتى ولو استمكن من أحد أن يكون أسيرا فإنه لا يؤسر، يقتل-. ولا يبقى أحد أسير. وهذا من باب ارتكاب الأخف لدفع الأشد. وفيه كذلك من المسائل: ما قد ينزغ به الشيطان بين أهل الفضل، فضلا عن من دونهم. فإن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم. وأن من أعظم مداخله على الإنسان: سوء الظن. فسوء الظن هو الحالق لبني آدم. ولهذا حذر النبي ﷺ منه في غير ما حديث، كما في حديث أبي هريرة في صحيح مسلم: «إياكم والظن، فإن الظن أكذب الحديث». فلا ينبغي لمسلم أن يستسلم لظنونه؛ فإنها من الشيطان. بل سماه النبي ﷺ: «أكذب الحديث»، سواء الظن بالشخص أو بالجماعة، سواء الظن بالصديق أو البعيد. ينبغي أن تكذب الظنون. ولكن في المقابل: وضع العلماء قاعدة في مسألة الظن، وإعمالها وإهمالها. فقالوا: من غلب عليه السوء والشر، فإن الظنون يجعل لها محمل. كما قالوا: من شؤم صاحب البدعة: أنه يساء الظن به. كما أن الكاذب يساء الظن به. وهكذا الفاسق والكافر والمنافق وغير ذلك؛ لماذا؟ لأن سابقة أعماله السيئة جعلت الناس تضع احتمال الكذب على هذا القائل والفاعل. والعكس بالعكس: من عرف عنه استقامة وحسن مسلك، فالواجب إبقاء حسن الظن، وأن لا يغير ذلك حتى ينتقض بيقين. لا يجوز أن تقبل الظنون والأوهام والشكوك حتى يأتي اليقين. بل إذا أتى اليقين: ينبغي مع ذلك أن يسلك المسلك الصحيح من التثبت في الأخبار، وهكذا كذلك التمييز فيها. وبهذا تعرف الفرق في معاملة الظنون وما ينبغي أن يكون. وفيه كذلك: ما ينبغي أن يحترس له من نزغات الشيطان ومصائده التي قد يصيد بها في مواضع التهم، فيجنب المسلم نفسه مواضع التهم، ويأخذ المسلك الذي لا يحصل به إساءة الظن. فإن اقتضى المقام شيئا هو حق: فينبغي أن يبين حتى لا يحصل العكس. فإذا كان هذا رسول الله ﷺ -وهو الذي يوحى إليه- ومع ذلك استطاع الشيطان أن ينزغ في قلوب بعض أصحابه مثل هذا النزغ، فمن دونه عليه الصلاة والسلام من باب أولى أن يحترس لهذا الباب. ولهذا كان من سنته وسنة الخلفاء من بعده: الشورى والمشورة؛ لأن بها تبين المقاصد، وتمات الظنون السيئة، ويحصل بذلك الخير الكثير. وفيه من المسائل كذلك: أنه لا يسلم من الذنب أحد. فإذا كان قد وقع في ذلك الصحابة رضي الله تعالى عنهم أو بعضهم، فمن دونهم من باب أولى. لكن الفرق: أن صاحب الفضل هو الذي يكون رجاعا في ذنبه إذا وقع منه. هذا هو الفرق. ولهذا كما قال بعضهم: ليس الذنب أن يقع الإنسان في الذنب؛ فإنه لا يكاد يسلم منه أحد. والناس في هذا بين مقل ومستكثر. لكن ينبغي أن يفرق بين التائب والصادق في توبته والمعاجل في توبته، وبين من ليس كذلك. فانظر إلى هذا الموقف يتبين لك الفرق. وفيه كذلك من المسائل: قبول عذر المعتذرين، وتصديق الصادقين. ومن ذلك: العفو والصفح التام، وعدم اللوم. وكان هذا من هدي نبينا ﷺ. وكان خلقه القرآن ﷺ. وهكذا كذلك في هذا الحديث: مشروعية -بل ما يجب- من إزالة الأصنام ومظاهر الشرك من بلاد المشركين التي يفتح الله بها على أهل الإسلام. فإنه من أول ما يبدأ به: أول ما يبدأ ليس السياسة ولا الكرسي ولا النظر في شيء من ذلك، بقدر ما يبدأ بالتوحيد وإقامته، ومظاهر الشرك وإزالتها. فهذا من أعظم ما ينبغي أن يعتنى به. فإذا فتح الله على عباد وبلادا من بلاد المسلمين أو غيرهم، فيها شيء من مظاهر الشرك: فهو أول ما يبدأ بإزالته. وليس إزالته فتنة -كما قال بعض المخذولين- مثل ما فتح الله عز وجل على المسلمين في أيام الأحداث المتقدمة في أحداث الجنوب. فلما قام أهل السنة بإزالة القبور ومظاهر الشرك، ولم تكن في ذلك مفسدة أبدا. لم يكن في ذلك مفسدة. زعم بعض المخذولين من أهل التدين السياسي: بأن هذا ليس وقته، وأن هناك ما هو أهم منه. بينما ما علمنا في الكتاب والسنة شيء أهم من التوحيد. فهو من أول الأولويات، وأعظم ما يجب أن يبتدأ به. فالنبي ﷺ بدأ به في أول ما دخل. وهكذا ينبغي. لكن بهذا الشرط والقيد: أن لا يكون داعيا إلى مفسدة أعظم. على القاعدة الشرعية العظيمة. وهو الذي منع النبي ﷺ من إزالته وهو في مكة قبل الهجرة. وأما بعدما فتح الله عز وجل عليه، وصارت السلطة في يده: فإنه يزيلها وبكل قوة. وأخيرا: فيه كذلك من المسائل: ما يجب أن يكون عليه أهل الحق من الجمع بين القوة والرحمة. فإن هذا من أعظم أسباب النصر: قوة في الحق، ورحمة بالخلق. فالنبي ﷺ الذي فعل به المشركون ما فعلوا، حين جاءوا تائبين ومعتذرين، قبل عذرهم وتوبتهم: «من دخل دار أبي سفيان فهو آمن، ومن دخل دارا -داره أو بيته- أغلق بابه فهو آمن، ومن ألقى السلاح فهو آمن». مع أن حمله للسلاح يدل أنه قاتل أو سيقاتل. وهذا معنى عظيم يظهر به المنتصر لنفسه والمنتصر لله. فالمنتصر لنفسه لا يرضى إلا أن يأخذ بعزة نفسه ولو على حساب الدين. فربما يقول: هذا قاتل أخي، وهذا قاتل أبي، وهذا آخذ مالي، أو هذا قاطع يدي. وكل هذا قد كان في المشركين. ومع ذلك طاع لله ورسوله، وكذلك عملا بما ينصر به دين الله، كانت الاستجابة لأمر النبي ﷺ. فكل هؤلاء ألقي عليهم الأمان. بل وفيه: أنه لا مانع ولا غضاضة أن يكون مع هذا الأمان شيء من الرفعة لبعض هؤلاء إذا كان فيه مصلحة للإسلام والمسلمين. وهو في الحقيقة ليس فيه تنازل عن الحق -كقوله عليه الصلاة والسلام: «من دخل دار أبي سفيان فهو آمن»-. وهو من حسن السياسة الشرعية التي يستجلب بها عواطف القوم، بما لا يكون فيه تنازلات. وبهذا القدر نكتفي. والله تعالى أعلم. نريد النصيحة لمن نام على مقعد المصحف، وقد نصح ولم ينفعه النصح. وكذلك من تثاب ولم يضع فمه. نظرت أكثر من عدد من طلاب -أو ثلاث طلاب- مر معنا فتوى الشيخ العباد -شيخنا الشيخ عبد المحسن العباد- حفظه الله تعالى، حين سئل مرة عن حكم الاتكاء على تراسي المصاحف. بعضهم يضعها على الجدار ويتكئ عليها. فقال: «لا يجوز». وأرى أن هذا من الاعتداء. ومعناه: أنه لم يوقف في المسجد لأجل أن يتكئ عليه، وإنما أوقف لأجل أن يقرأ به. فإذا منعت قارئا من القراءة به، وهو يحتاجه، ويراك أنت متكئا عليه أو نائما عليه، فأنت بهذا تكون معتديا ومانع أجر على صاحب الوقف. فهو لا يجوز. فلذلك كل شيء ينبغي أن يبقى على ما هو له، إلا إذا كان في لحظة لا يحتاج إليه أحد. على أن هذا -الله أعلم- هل صحيح؟ ثم هل هذا يدعو إلى التوسع في هذا الباب؟ فينبغي أن يغلق هذا الباب. يقول: قال محمد عبد الوهاب في كتاب «التوحيد»: قول القائل: «توكلت على الله وعليك» شرك. فكيف يوافق قول النبي ﷺ: «هاجرت إلى الله وإليكم»؟ يزاك الله خيرا؛ لأن اللبس هنا منتفي. فهذا في أمر محسوس لا يحصل فيه اللبس. فالهجرة إلى الله وإلى الأنصار؛ لأنهم لما كان من الأنصار من حسني النصرة، وهو لم يخرج إلى الأنصار إلا بعد أن أخذ منهم العهد والميثاق: أنهم ينصروه لله ورسوله ودينه، فخرج إليهم. وإلا لم يخرج إليهم عليه الصلاة والسلام. وأما «توكلت على الله وعليك»: فهذا لأنه عمل قلبي، وهي عبادة ينبغي أن تكون لله سبحانه وتعالى خالصة. بل قال بعض أهل العلم: أنه لا يجوز «توكلت على الله ثم عليك» -حتى بثم- لا يجوز؛ لأنه من الأعمال القلبية التي لا محل للمخلوق فيها. فلذلك يترك سداً لذريعة الشرك. طيب، إلى هنا والله تعالى أعلم.