طريق الهجرتين وباب السعادتين لابن القيم 59

طريق الهجرتين وباب السعادتين لابن القيم 59

الدرس في طريق الهجرتين وباب السعادتين لابن القيم 59، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

أهمية الإيمان بالقدر واليوم الآخر

الإيمان بالقدر واليوم الآخر ركنان أساسيان من أركان الإيمان، وقد دلت عليهما أدلة الكتاب والسنة. الإيمان بهما يحقق الرضا بقضاء الله وقدره.

الإيمان بالقضاء والقدر وتأثيره على سلوك المسلم

على المسلم أن يؤمن بالقضاء والقدر ويرضى بما قضاه الله له، مع الأخذ بالأسباب ودفع الشرور. الإيمان بالقضاء والقدر لا ينافي الاجتهاد في تجنب الأضرار والعمل الصالح.

القدر ونظام التوحيد وعلاقته بالأخذ بالأسباب

القدر يعتبر نظام التوحيد وركنًا أساسيًا من أركان الإيمان، والتكذيب بالقدر يعد تكذيبًا للتوحيد. الإيمان بالقدر لا يتعارض مع الأخذ بالأسباب والاجتهاد في الحياة.

الإيمان بالقدر وعلاقته بالهداية والتسليم بقضاء الله

الهداية بيد الله ويؤتيها لمن يشاء، وهذا يبرر عدم وجود ظلم لمن لم يهتد. الإيمان بالقدر يقتضي التسليم بقضاء الله وقدره.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. قال الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى في كتابه «طريق الهجرتين»: قال: «وقال -يريد- ابن مسعود أيضا رضي الله عنه أرضاه: لا يطعم رجل طعم الإيمان حتى يؤمن بالقدر، ويعلم أنه ميت وأنه مبعوث من بعد الموت». وهذا الأثر كذلك عن ابن مسعود رضي الله عنه أرضاه، وإن كان ضعيفا كما أشار في التعليق في سنادي الحارث الأعور، وهو متهم بالكذب، ولكن معناه صحيح. وإذا قلنا: معناه صحيح، يعني المعنى الذي ذكر فيه، بغض النظر من الذي قاله، فأدلة الكتاب والسنة تدل على ذلك. فالإيمان بالقدر ركن من أركان الإيمان، ولا يتم الإيمان بالله عز وجل حتى يتم الإيمان بالقدر. ومن الإيمان كذلك أن تؤمن بالبعث بعد الموت، وهذا كذلك مما يدخل في القدر، ومعناه الإيمان باليوم الآخر، يتعلق به كذلك أشياء كثيرة بالقدر. وهذا دلت عليه أدلة الكتاب والسنة. قال: وقال الأعمش عن خيثم بن مسعود رضي الله عنه: «إن العبد ليهم بالأمر من التجارة والإمارة حتى يتيسر له، نظر الله إليه من فوق سبع سماوات، فيقول للملائكة: اصرفوه عنه؛ فإني إن يسرته له أدخلته النار». قال: «فيصرفه الله عنه». قال: «فيقول: من أين دهيته؟» -يعني الرجل الذي حرم ما كان يظن أنه خير في التجارة أو الإمارة أو نحو هذا- وما هو إلا فضل الله عز وجل. المعنى أن الله صرف عنه شرا هو يظن أنه خير. وهذا الإسناد كذلك ضعيف لانقطاعه، كما أشار بالتعليق. وأصله -أي هذا المعنى- صحيح، وهو لم يصح عن ابن مسعود، ولكن هذا المعنى من المعاني التي دلت عليه أدلة كتاب السنة في أمر القدر، كقول الله عز وجل: ﴿وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾، فما صرفه الله عز وجل عنك خير أنت لا تعلمه. ولذلك على المسلم أن يؤمن بالقضاء والقدر، وليس هذا فحسب، بل أن يرضى بما قضاه الله عز وجل له، وأن يعلم أن الخير فيما اختاره الله له، وهو خير مما يختاره هو لنفسه، ينبغي أن يكون على يقين في ذلك. ولا ينافي هذا الرضا أن تأخذ بأسباب الخير، وأن تجتهد في دفع أسباب الشر والضيق؛ فإن هذا مما أمرت به شرعا وعقلا. فأنت لا ترمي نفسك إلى النار، أنت تجتهد أن لا تقع في أسباب تسبب لك الحريق. ومع ذلك إذا ابتليت فوقع، فأنت تؤمن بقضاء الله وقدره، وتعلم أن ما اختاره الله لك خير مما تختاره لنفسك. تجتهد أن لا يضرك أحد من الأشرار لا في جسدك ولا في مالك ولا في عرضك ولا في أي شيء. ومع ذلك قد يقع. قال رحمه الله تعالى: قال وذكر الزهري عن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف: «أن عبد الرحمن بن عوف مرض مرضا شديدا أغمي عليه، فأفاق، فقال: أغمي علي؟ قالوا: نعم. قال: إنه أتاني رجلان غليظان، فأخذا بيدي، فقال: انطلق نحاكمك إلى العزيز الأمين. فانطلقا بي، فتلقاهما رجل، فقال: أين تريدانه به؟ قال: نحاكمه إلى العزيز الأمين. فقال: دعاه؛ فإن هذا ممن سبقت له السعادة وهو في بطن أمه». وهذا الأثر كذلك فيه الإيمان بالقدر. قال رحمه الله تعالى: وقال ابن جريج عن ابن طاوس عن أبيه: بقيت هنا مسألة: هل ما يراه الإنسان في المنام تنبني عليه أحكام؟ الجواب: كما تقدم معنا أن ما يراه الإنسان في المنام ثلاثة أقسام. من يذكر هذه الأقسام الثلاثة؟ نعم: رؤيا صادقة، وأضغاث أحلام، والثالث: حلم من الشيطان. فما كان من حلم من الشيطان، فهذا لا شك أنه يدفعه الإنسان، بل يجتهد أن لا يحدث به أحدا. وما كان من أضغاث أحلام، فهو مما لا ينبغي أن يهول ولا يتعلق به. وما كان مما يدل محتف به من قرائن أنه من الله -أي رؤيا صادقة- فهذا يستأنس به، ولكن لا تنبني به الأحكام؛ لا تنبني به ولا عليه الأحكام. قال رحمه الله تعالى: وقال ابن جريج عن ابن طاوس عن نبيه قال: أشهد لسمعت ابن عباس يقول: «العجز والكيس بقدر». ومعناه أن الذكاء والفطنة، وكذلك الخمول والكسل والعجز والفشل، كل ذلك بقدر من الله سبحانه وتعالى. وقد صح معناه مرفوعا عن النبي صلى الله عليه وسلم، وقد تقدم. ولكن لا ينافي ذلك أبدا أن الإنسان يأخذ بأسباب الكيس، ويجتهد في ترك أسباب العجز. قال رحمه الله تعالى: وقال مجاهد: قيل: إن ناسا يقولون في القدر. قال: «يكذبون بالكتاب؛ لئن أخذت بشعر أحدهم لأضونه». إن الله عز وجل... ومعنى لأضونه -يعني كما ذكر أنه يبيضه أو نحو ذلك- يعني ينزعه ويخلعه من مكانه حتى تكون عقوبة لهم. فكان الحلق علامة من علامات التنكيل. قال: «إن الله عز وجل كان على عرشه قبل أن يخلق شيئا، فخلق القلم، فكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة؛ فإنما يجري الناس على أمر قد فرغ منه». وهذا الأثر قد جاء معناه مرفوعا كما مر، معناه في حديث البراء وغيره: «أول ما خلق الله القلم، قال له: أكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة». والشاهد منه أن هذا معناه أن كل شيء قد علمه الله وقدره وأمر بكتابته، وهذا من مراتب القدر التي يجب الإيمان بها. فتكذيب بذلك -أي بالقدر- تكذيب لمراتب القدر التي دلت عليه أدلة الكتاب والسنة، ولا يكون ذلك إلا ممن هو لم يعرف حقيقة الإيمان والإسلام. قال رحمه الله تعالى: وقال ابن عباس أيضا: «القدر نظام التوحيد؛ فمن وحد الله ولم يؤمن بالقدر، كان كفره بالقضاء نقضا للتوحيد، ومن وحد الله وآمن بالقدر، كانت العروة الوثقى لم يصم لها». وهذا الإسناد كذلك إن كان فيه ضعف كما أشار في التعليق، إلا أن معناه صحيح. فالقدر نظام التوحيد، ومعناه: لا ينتظم التوحيد إلا به، فهو ركن من أركان الإيمان، بل كثير من أركان الإيمان تتعلق به. فمن وحد الله ولم يؤمن بالقدر، كان كفره بالقضاء نقضا للتوحيد؛ لأن التوحيد هو إفراد الله سبحانه وتعالى في ربوبيته وألوهيته وأسمائه وصفاته. قال: وقال عطاء بن أبي رباح: «كنت عند ابن عباس، فجاءه رجل، فقال: يا ابن عباس، أرأيت من صدني عن الهدى وأوردني دار الضلالة والردى، ألا تراه قد ظلمني؟ فقال: إن كان الهدى شيئا كان لك عنده فمنعك، فقد ظلمك. وإن كان الهدى هو له يؤتيه من يشاء، فلم يظلمك؛ قم لا تجالسني». وهذا كذلك من الآثار التي فيها توضيح الإيمان بالقدر. إلى هنا والله تعالى أعلم، صلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.