الدرس التاسع والخمسون بعد المائة:من( ومنها ما فتح الله له أسماع الناس فيسمعونه من مكان بعيد ... وأما عبدالوارث فتابعه غير واحد كما في ترجمة عبدالرحمن بن معاذ في تهذيب التهذيب ).
يشرح الشيخ عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك معجزة النبي صلى الله عليه وسلم في إيصال صوته للبعيد أثناء خطبته في منى. يُبين سند الحديث وشرح ألفاظه، ويُثبت صحته برواية الثقات.
يبرز المقطع دلائل نبوة الرسول محمد من خلال حادثة سماع الناس خطبته، ويشير إلى حرصه على تعليم أمته مناسك الحج. يستنبط مسائل فقهية متعلقة بتعليم الإمام الناس وتعليم مناسك الحج في الخطبة.
يشرح المقطع كيفية تعليم النبي صلى الله عليه وسلم الصحابة بالفعل والقول، ويبين أهمية العلم في العمل وحرص الصحابة على التعلم. يستشهد بأمثلة على أخطاء الحجاج بسبب الجهل ويستنبط بعض أحكام الصلاة.
يشير المقطع إلى أن الله تعالى أعلم بكل شيء، مما يوحي بخاتمة أو تعليق على موضوع معين. يُنهي الشيخ الموضوع بالتأكيد على علم الله الشامل.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، أشهدوا أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، أشهدوا أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. قال شيخنا مقبل بن هادي الوادي رحمه الله تعالى في كتابه «الصحيح المسند من دلائل النبوة»: قال: ومنها ما فتح الله له أسمع الناس فيسمعونه من مكان بعيد. قال الإمام أبو داود رحمه الله تعالى: حدثنا مسدد، وهو ابن مسرهد، أحد الحفاظ المعروفين المشهورين، قال فيه الإمام البخاري رحمه الله: هو مسدد كاسمه، وقيل: إن مسدد إنما هو له لقب، واسمه عبد الملك، والمشهور أنه اسم له. قال: حدثنا عبد الوارث، وهو ابن سعيد التنوري، والد عبد الصمد، قال: عن حميد الأعرج، وهو المكي المشهور بالقاري، ثقة، وفيه ضعف يسير، وهذا قال فيه الإمام أحمد: لا بأس به. ويلتبس بآخر ضعيف عند بعض الناس يلتبس به، وهو حميد بن عطاء الأعرج الكوفي القاص الملائي، هذا ضعيف أو ذاك ضعيف، وهذا الذي بين أيدينا حميد المكي ثقة. قال: عن محمد بن إبراهيم التيمي، وهو ابن الحارث، من رجال الصحيحين، أحد الثقات، إلا أن له أفراد أنكرت عليه، قال: عن عبد الرحمن بن معاذ التيمي، قال: خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن بمنى، قال: ففتحت أسماعنا حتى كنا نسمع ما يقول ونحن في منازلنا -يعني في خيامهم ورحالهم القريبة من موضع الرمي- وليس معناه أنهم لم يكونوا يروا النبي صلى الله عليه وسلم، وإنما المراد كل من رآه وإن بعد فإنه سمع. قال: فطفق يعلمهم مناسكهم حتى بلغ الجمار -يعني يتدرج تعليم المناسك حتى بلغ حكم رمي الجمار- قال: قال: فوضع إصبعيه السبابتين، ثم قال: بحصى الخذف. ثم أمر المهاجرين فنزلوا في مقدم المسجد، وأمر الأنصار فنزلوا من وراء المسجد -يعني مسجد الخيف- ثم نزل الناس بعد ذلك. قال: حديث صحيح، ورجاله ثقات رجاله الصحيح. قال: تنبيه: شد معمر فرواه عن حميد الأعرج عن محمد بن إبراهيم عن عبد الرحمن بن معاذ عن رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، كما في سنن أبي داود وعند أحمد. وأما عبد الوارث فتابعه غير واحد كما في ترجمة عبد الرحمن بن معاذ في تهذيب التهذيب -يعني من رواية عبد الرحمن بن معاذ التيمي- وهذا هو الصواب. أورد شيخنا رحمه الله هذا الحديث وهذا الفصل في سياق ذكره لدلائل النبوة وصدق رسالة عليه الصلاة والسلام، فقال: ومنها ما فتح الله له أسمع الناس فيسمعونه من مكان بعيد. وهذه آية من الآيات التي أجد بها عليه الصلاة والسلام، وما أكثرها، وكلها دالة على صدق رسالته ونبوته عليه الصلاة والسلام. والشاهد منه أنهم فتحت أسماعهم في ذلكم اليوم حتى كانوا يسمعون النبي صلى الله عليه وسلم وهم في منازلهم، أي في رحالهم البعيدة، وهم يرون النبي صلى الله عليه وسلم. وهذه آية، فإن السمع لا يبلغ مبلغ البصر، السمع لا يبلغ مبلغ البصر، ولكن أيد الله رسوله عليه الصلاة والسلام فجعل السمع يبلغ مبلغ البصر، يرونه ويسمعون كلامه عليه الصلاة والسلام. وكانوا في جمع غفير قرابة مئة ألف، قرابة مئة ألف، وليس هناك وسائل لتكبير الصوت، إنما هو رفع الصوت منه عليه الصلاة والسلام، فهذه آية وموضع من مواضع دلائل نبوته وصدق رسالته عليه الصلاة والسلام. وفي الحديث مسائل أخرى هي كذلك من حسن تعليمه، وعند كل منصف لمن تأملها كذلك هي آيات أخرى، فنبينا عليه الصلاة والسلام حرص على تعليم أمته وعلى كذلك الأخذ بهم إلى ما فيه صلاحهم في الدنيا وفي الآخرة. وهذا الحديث قليل من كثير مما يدل على ذلك، وإنما مثل هذا صفة نبي. وفي الحديث مسائل أخرى، من هذه المسائل استحباب تعليم الإمام الناس في وقت الحج مناسك الحج، وكلما سنحت الفرصة علمهم، فنبينا عليه الصلاة والسلام علم صحابته مناسك الحج وهم في المدينة، وهم في طريق السفر إلى مكة، وحين وصلوا مكة قبل العمرة، وفي أثناء العمرة، وبعد العمرة، وهكذا في أيام الحج قبل عرفة، وبعد عرفة، وفي أيام منى. وحرص عليه الصلاة والسلام أن يحج راكبًا كما قال جابر: حتى يرى مكانه ولا يخفى على الناس -يعني يسهل سؤاله- وفيه استحباب بروز أهل العلم للناس في الحج أن يقربوا منهم وأن يظهروا لهم حتى يتيسر لهم سؤالهم واستفتاؤهم عما يشكل عليهم. وكذلك كما تقدم فيه تكرار تعليم الناس المناسك لأن المناسك وقتها ضيق، وكذلك أعمالها دقيقة قد تخفى على الكثير من الناس مع جهلهم. وهل هذه الخطبة هي خطبة يوم العاشر التي جاءت في روايات كثيرة في أحاديث عن النبي عليه الصلاة والسلام عن عدد من الصحابة؟ بعض أهل العلم قال كذلك، وبعضهم لم يرَ هذا. وظاهر سياق القصة وهذه الرواية يدل أنه كان في أيام بقائهم في منى، فيحتمل أنه يوم الثامن، ويحتمل أنه يوم العاشر، يحتمل يوم الثامن لأن ظاهره عند نزولهم، فجعل أصحابه في مثل هذه المواضع، فجعل في مقدم المسجد المهاجرين والأنصار في مؤخرة المسجد، والمراد المسجد على ما يظهر أنه مسجد الخيف، فهو أقرب المساجد في منى إلى الجمرات، وهو اليوم كذلك. وفيه من المسائل كذلك استحباب تعليم الناس مناسك الحج في الخطبة، وأن هذا مما لا ينافي مقاصد الخطبة، ليست الخطبة للوعظ فقط، بل قد تكون الخطبة خطبة تعليمية تذكر فيها أحكام مناسك الحج، وقد تذكر فيها أحكام الطهارة، وقد تذكر فيها كذلك أحكام الصيام وغير ذلك، خلافًا لما ظنه بعض الناس أن الخطبة محلها الوعظ فقط وليست هي للتعليم، والتعليم محله الدرس، هذا غير صحيح. بل صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه خطب في الناس وعلمهم ما يحتاجون من العلم، ففي وقت الحج أحكام الحج، وفي رمضان أحكام رمضان، وفي كذلك كل مقام بما يناسبه. وفيه من المسائل كذلك جواز إطالة الخطبة بقدر الحاجة وعدم ملل الناس، لأن ظاهره أنه مر على مناسك الحج حتى أتى على ذكر الجمار، حتى أتى على ذكر الجمار، ويدل عليه هذا الحديث. وفيه كذلك من المسائل بيان نوع من التعليم وهو التعليم بالفعل مع التعليم بالقول، فظاهر هذا الحديث أنه أخذ الحصى وأراهم حجم الحصى وكيف تمسك هذه الحصى، فوضع إصبعيه السبابتين، ثم قال: بحصى الخذف -يعني هكذا فسره بعض الرواة- ومعنى حصى صغيرة يمكن الخذف بها، تعرفون الخذف بالإصبعين هكذا، لأنه قال: السبابتين، لم يقل: السبابة والإبهام، وإنما قال: السبابتين، فهذه سبابة وهذه سبابة وتسمى المسبحة. فإذا خذفت خذفت بها، إذن الحصى سيكون صغير حتى يمكن وضع الحصى بين السبابتين، حتى يمكن وضع الحصى بين السبابتين، فإذن هي مثل ماذا؟ نوات التمر أو نصفها أو نصفها أو أقل، فهذا الذي يمكن وضعه بين السبابتين، وأما أكبر من ذلك لا يمكن وضعه بين السبابتين، وذلك أولًا لأنه صحت به الأحاديث، وثانيًا لأنه إذا كبر عن ذلك يضر الناس إذا أخطأوا فيه ربما فقأوا عينًا أو كسروا عظمًا أو جرحوا لحمًا، وهذا مما أمرنا باجتنابه في غير العبادات فكيف بعبادة؟ وهكذا كذلك من مسائل هذا الحديث فيه كذلك ما كان عليه الصحابة رضي الله تعالى عنهم من حرصهم على العلم، وبهذا نفعهم الله عز وجل، فإن العلم يعين على العمل، والإنسان إذا زهد في العلم فقد حرم نفسه خيرًا كثيرًا. وبذلك تعرف الفرق بين من يحرص على العلم ومن لا يحرص على العلم، فمن يحرص على العلم يعان على الخير الكثير في دنياه وأخراه، ومن يزهد في العلم ويعرض عنه فإنه يتخبط بجهله، وما أكثر ما يعرض على الناس من شهوات وشبهات لا يعاني المسلم على الحذر منها وتوقيها بشيء مثل العلم. وهذا الحديث حديث من أحاديث كثيرة أمثاله تدل على حرص الصحابة رضي الله تعالى عنهم على العلم، اليوم تعجب إلى الكثير من الحجاج ما شاء الله يبدل المال الكثير ويتعب التعب الكبير في وصوله إلى الحج، ثم بعد ذلك إذا وصل أول ما يصل ما يدري ماذا يصنع، لا يعرف أنه يحرم من الميقات وأنه يجتنب محظورات الإحرام وغير ذلك من الأحكام الكثيرة التي لم يتفطن لها فيتخبط في حجه، وربما رجع وقد بطل حجه. وأسئلة الناس في هذا الباب عجيبة عجيبة عجيبة، فمثلًا على سبيل المثال من سؤال بعض الحجاج أنه رجع من الحج وهو لم يطف طواف الحج طواف الإفاضة، قال: إنه وجده زحامًا وأراد أن يحج بعد ذلك، ثم جاء وقت السفر فسافر مع الناس سافر مع الناس بدون أن يطوف طواف الإفاضة طواف الحج، وطواف الحج ركن من أركان الحج، حجه باطل غير صحيح إذا لم يحج، وهو لم يطف إذا حج ولم يطف طواف الإفاضة. وهكذا أخطاء كثيرة تقع بسبب الجهل والإعراض عن العلم، وأخيرًا من المسائل هذا الحديث كذلك استنبط منه بعض أهل العلم الاستعانة استحباب الاستعانة بالأصبعين عند رفع الصوت، فبعضهم فسر: فوضع أصبعيه السبابتين، أي في رمي الحصى حصى الخدف، وهذا أقرب، وبعضهم فسره لروايات أخرى أنه وضع السبابتين في أذنيه في أذنيه ليسمع في صوته، فقالوا: هذا يدل على استحباب وضع المؤذن يديه في أذنيه، وهو قد ثبت من فعل بلال رضي الله تعالى عنه وارضاه. والله تعالى أعلم.