الصحيح المسند من دلائل النبوة  143

الصحيح المسند من دلائل النبوة 143

الدرس الثالث والأربعون بعد المائة:( قال الإمام الحافظ ابن كثير رحمه الله قال الحافظ البيهقي ... ثم نظر قبل العراق فقال اللهم أقبل بقلوبهم وبارك لنا في صاعنا ومدنا ).

شرح حديث النبي حول دعائه لأهل اليمن والشام والعراق

المقطع الأول يشرح حديثًا للنبي محمد صلى الله عليه وسلم حيث دعا لأهل اليمن والشام والعراق، ويستعرض إسناد الحديث من كتب دلائل النبوة. يبين صحة الإسناد واختلاف الرواة في سرد الحديث.

فضل أهل اليمن والشام والعراق في الأحاديث النبوية

المقطع الثاني يشرح حديثين نبويين في فضل أهل اليمن والشام والعراق، ويتناول مسائل متعلقة بفضلهم ودلائل نبوة النبي. كما يبين أن أهل اليمن لهم فضل أكبر حسب بعض الأحاديث.

استحباب البيع بالمد والصاع ودعوة النبي لطوائف المسلمين

المقطع الثالث يشرح استحباب استخدام المد والصاع في البيع لتحقيق البركة، ويتطرق إلى دعوة النبي لطوائف من أهل العراق والشام واليمن بقبول الله قلوبهم وحط ذنوبهم.

توضيح المراد بإقبال الناس على الرسول

المقطع الرابع يوضح المقصود بإقبال الناس، وهو إقبال قلوبهم على الرسول، سواء في زمنه أو بعد وفاته، ويشمل ذلك من أسلم في عهده ومن أسلم بعد وفاته عليه الصلاة والسلام.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين. اشهدوا أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، واشهدوا أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. قال شيخنا، رحمه الله تعالى: نقبل من الإمام الوادعي في كتابه "الصريح المسند من دلائل النبوة". قال الإمام الحافظ بن كثير، رحمه الله تعالى: قال الحافظ البيهقي: قال أنبأنا أبو بكر القاضي وأبو سعيد بن يوسف قال: وأبو سعيد بن يوسف أبي قال: حدثنا الأصم قال: حدثنا عباس الدوري قال: حدثنا علي بن بحر القطان قال: حدثنا هشام بن يوسف قال: حدثنا معمر قال: حدثنا ثابت وسليمان التيمي عن أنس: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نظر قبل العراق والشام واليمن، لا أدري بأيتهن بدأ، ثم قال: اللهم أقبل بقلوبهم إلى طاعتك، وحط من ورائهم. ثم رواه الحاكم عن الأصم، عن محمد بن إسحاق الصاغاني، عن علي بن بحر بن سري، فذكر بمعنى. وقال أبو داود الطيالسي، رحمه الله تعالى: حدثنا عمران القطان قال: عن قتادة عن أنس بن مالك عن زيد بن ثابت قال: نظر رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل اليمن فقال: اللهم أقبل بقلوبهم، ثم نظر قبل الشام فقال: اللهم أقبل بقلوبهم، ثم نظر قبل العراق فقال: اللهم أقبل بقلوبهم، وبارك لنا في صاعنا ومدنا. أورد شيخنا، رحمه الله تعالى، هذا الحديث بطريقيه بالصحيح المسند من دلائل النبوة. والشاهد منه ظاهر، فإنه استجيب له عليه الصلاة والسلام في دعائه، فأقبل الله عز وجل بأهل اليمن والشام والعراق أقبل بقلوبهم فآمنوا وأسلموا. وهذا هو الشاهد من إيراد هذا الحديث في دلائل النبوة، كما أورده غيره في كتاب دلائل النبوة. وأورد الحديث الأول بإسناد الإمام البيهقي، وقال: أنبأنا أبو بكر القاضي، وهو كما قال في التعليق أحمد بن الحسين النيسابوري، من الرواة عن الأصم. وقال: وأبو سعيد بن يوسف قال: كذا، وأظن أن فيه تصحيفًا فلم أهتد إليه. قال: ولا يضر السند إذ هم مقرون. قال: ثم وجدته بدلائل النبوة للبيهقي قال: حدثنا أبو بكر القاضي وأبو سعيد بن أبي عمر، يعني هذا هو الصواب، فعندنا أبو سعيد بن يوسف أبي فهذا خطأ، والصواب أبو سعيد بن أبي عمر، قال: وهو محمد بن موسى بن الفضيل، وترجمته في سيرة إعلام النبلاء. كما أنه ورد هذا الحديث عند الطبراني في الأوسط بإسناد آخر أعلى. فقد أخرجه الطبراني في الأوسط، فقال: حدثنا إسحاق بن خالويه الواسطي قال: أخبرنا علي بن بحر قال: أخبرنا هشام بن يوسف قال: أنبأنا معمر قال: أنبأنا ثابت وسليمان التيمي عن أنس. وهذا كما ترون إسناد صحيح عالي، وهو أولى من إسناد البيهقي النازل. وأما الإسناد الثاني، فقد ذكره رحمه الله تعالى من هذه الطريق، من طريق أبي داود الطيالسي، قال: حدثنا عمران القطان. قال الشيخ: هو عمران بن داور، وعمران بن داور هو العمي، صدوق يهم، وبعضهم ضعفه كالنسائي. لكن الإسناد له شاهد، له متابعة في الحديث الذي قبله. وقد رواه الإمام أحمد في مسنده من زوائد ابنه عبد الله، فقال الإمام أحمد، رحمه الله: حدثنا عبد الرحمن بن مهدي قال: حدثنا عمران القطان عن قتادة فذكره بلفظه. وفي هذين الحديثين مجموعة من المسائل. أولًا: ما أورد لأجله الشيخ، رحمه الله، الحديث بلفظيه أو الحديثين، لأن الأول من حديث أنس، والثاني من حديث أنس عن زيد بن ثابت، وهو شاهد. ووجه الدلالة منه كما تقدم ظاهرة، فقد استجاب الله عز وجل دعاء نبيه عليه الصلاة والسلام، فأقبل بقلوب أهل العراق والشام واليمن. وهكذا كذلك فيه موضع آخر من مواضع دلائل نبوته وصدق رسالته عليه الصلاة والسلام، إذ أخبر بأمر غيبي فواقع بمثل ما أخبر. فلم يكن قد أسلم أهل اليمن ولا أهل الشام ولا أهل العراق، فكونه دعا بهذا الدعاء، ودعاؤه عليه الصلاة والسلام حق وصدق، صار هذا فيه معنى علم آخر من أعلام دلائل نبوته وصدق رسالته عليه الصلاة والسلام. وفي هذين الحديثين كذلك فضل أهل اليمن والشام والعراق، ولكن خصه بعض أهل العلم بما كان في زمن النبي صلى الله عليه وسلم، لأنه صح عنه أنه قال: "اللهم بارك لنا في يمننا"، قال: "وفي نجدنا يا رسول الله؟" قال: "منه الزلازل والفتن، ومنه يطلع المسيح الدجال". والمراد بنجد كل من كان عن شمال شرق المدينة، وهي جهة أهل العراق وما جاورها. ومن تتبع تاريخ العراق وجد أنه مليء بالفتن كما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم. وفيه من المسائل كذلك تقديم فضل أهل اليمن عن غيرهم، أولًا بتقديم ذكرهم، وثانيًا كذلك بما ورد في الأحاديث الأخرى الكثيرة في فضائل أهل اليمن. فقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الباب أحاديث كثيرة، بعضها في الصحيحين وبعضها خارج الصحيحين، منها حديث ابن موسى ومنها حديث أبي هريرة وحديث غيرهما، وردت في هذا الباب. قال عليه الصلاة والسلام: "الإيمان يمان، والفقه يمان". وفيه كذلك ترتيب فضل أهل الشام بعد فضل أهل اليمن، وهذه مسألة اختلف فيها أهل العلم. فمن أهل العلم من قال: أهل الشام أو الشام أفضل من اليمن، لأنه وردت أحاديث في فضل الشام. ولكن بتتبع الأحاديث معنا يحكم كل منصف أن أهل اليمن وكذلك اليمن عمومًا فيها فضل أكثر من فضائل أهل الشام أو فضائل الشام. وفيه كذلك تأخير فضل العراق، فإن في العراق فضلًا، ولكنه أخر بعد فضل الشام واليمن. وكما تقدم بعض أهل العلم خصه في زمن النبي صلى الله عليه وسلم. وفيه موضع آخر من دلائل نبوة وصدق رسالة عليه الصلاة والسلام، ادعى عليه الصلاة والسلام أن يبارك لأهل المدينة في صاعهم ومدهم، فبارك الله عز وجل لأهل المدينة في صاعهم ومدهم. وقد وجد الصحابة رضي الله عنهم بركة ذلك في زمنهم، وهكذا إلى يومنا هذا. جعل الله عز وجل في صاع ومد أهل المدينة البركة. ومعنى هذه البركة أي أن الله عز وجل بارك لهم في تجاراتهم وأرزاقهم. وتجد كل من دخل المدينة واتجر فيها خصوصًا بالمد والصاع، بارك الله عز وجل له في تجارته. وهكذا كل من اشترى بالمد والصاع بارك الله له في شرائه وطعامه. وفيه استحباب البيع بالمد والصاع، ففي هذا سبب للبركة. ومعروف المد كيل كان يكال به في زمن النبي صلى الله عليه وسلم، يعني وعاء. والصاع والصاع كذلك وعاء، إلا أن الصاع يساوي أربعة أمداد. والمد يساوي بمكاييلنا اليوم ما يعادل علبة ما يسمى بالسكر تقريبًا. فهذا من جهة أن يكون وعاء. وأما من جهة الوزن فقد اختلف أهل العلم، والصحيح أنه لا يمكن أن يضبط بوزن، لماذا؟ لأن المكيل يختلف وزنه، فصاع البر أي كيلة البر ليست في الوزن ككيلة التمر، وكيلة التمر الرطب ليست ككيلة التمر المجفف. وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه لم يسئل عن بيع التمر بالرطب سأل: "أينقص وزنه؟" قالوا: نعم، فنهى عن ذلك. فإذا تحديده بالوزن غير منضبط، والأولى أن يحدد المد والصاع بكيل مثله. ولا يزال علماؤنا إلى يومنا هذا عندهم صاع ومد نبوي يتوارثونه عن من قبلهم من العلماء، ولهم فيه أسانيد يرونها عن النبي صلى الله عليه وسلم. وقد أجازنا شيخنا محمد بن صالح الثمين، رحمه الله، في صاع نبوي، وكذلك الشيخ يحيى الهندي حفظه الله تعالى. وأكثر طلاب العلم أخذوا عن المشايخ الصاع والمد النبوي، فينبغي لطالب العلم أن يحفظه وأن يبقيه. وإذا قدر بالوزن فكما قال بعض مشايخنا: أثقل الموزون لا يزيد عن 2 كيلو ونصف، يعني الصاع لا يزيد عن 2 كيلو ونصف، هذا أثقل الموزون، فهو بين هذا وأقل. وفيه كذلك دعوة النبي صلى الله عليه وسلم بالحط من ذنوب من يقبل الله عز وجل بقلبه من أهل العراق والشام واليمن، لابد من هذا القيد: من يقبل الله عز وجل بقلبه من أهل العراق والشام واليمن. وهل هذا خاص بأهل هذه البلاد أم هو لكل من أسلم؟ الجواب هو في حق كل من أسلم. فإذا كان كذلك فلماذا ذكر النبي صلى الله عليه وسلم ذلك؟ قال بعض أهل العلم: ذكر ذلك زيادة في التأكيد، وكذلك في التوفيق، لأن الحط ليس فقط فيما مضى بل كذلك فيما يأتي، يعني أن النبي صلى الله عليه وسلم كأنه قال: ووفقهم ألا يقع منهم ذنوب، وإن وقع فحط عنهم، أي قبل الإسلام وإقبال قلوبهم، وكذلك بعد إقبال قلوبهم. وقد وفق من أسلم من أهل الشام ومن أهل اليمن والعراق بدعوة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فكانت تلك الفتوح العظيمة التي نصر الله عز وجل فيها الإسلام والمسلمين. وقد قال عليه الصلاة والسلام في الحديث الصحيح: "إني لأجد نفس ربي من قبل اليمن". فسره العلماء أن المراد بالنفس نصرت هذا الدين بأهل اليمن. فنصر الله عز وجل هذا الدين في زمن النبي عليه الصلاة والسلام وبعده وإلى يومنا هذا بأهل اليمن، وهكذا في هذا الحديث كذلك بطوائف من أهل الشام والعراق. نكتفي بهذا القدر، والله تعالى أعلم. قال: كيف يحمل الحديث على أن المراد به في زمن النبي صلى الله عليه وسلم، ولم تفتح العراق والشام إلا بعد موته؟ وهل في الحديث أنهم أسلموا؟ لا، إنما قال عليه الصلاة والسلام: "اللهم أقبل بقلوبهم". فإذن المراد به بعد إقبال قلوبهم، سواء من أقبل في زمنه عليه الصلاة والسلام كأهل اليمن وأفراد من أهل الشام والعراق، أفراد، أو بعد موته عليه الصلاة والسلام ممن أسلم بعد ذلك. نعم، فلا إشكال إن شاء الله في هذا.