الخطبة بعنوان فضائل العلم وخطورة الجهل، ألقاها الشيخ عبدالرحمن بن مرعي العدني
يستهل المتحدث الدرس بحمد الله تعالى والصلاة على النبي محمد صلى الله عليه وسلم، متبعين السنة في افتتاح المجالس. وتعد هذه الافتتاحية تمهيداً روحياً يهيئ القلوب لتلقي العلم النافع.
تؤكد الخطبة أن العلم النافع أساس التمسك بالدين وتحقيق السعادة في الدنيا والآخرة، مستشهدة بآيات تحث على القراءة والتعلم. وتحذر من أن الجهل ظلام وموت يؤدي إلى البدع والحرمان من الجنة.
يستعرض المقطع نماذج لعلماء رفعهم الله بالعلم رغم أصولهم المتواضعة، مبيناً أن التفقه في الدين علامة الخيرية الحقيقية. ويدعو المسلمين لطلب العلم النافع وتعليمه للأبناء لبناء جيل واعٍ يواجه الانحرافات.
يبيّن المقطع أن العلم النافع أساس قبول الأعمال وسبب خشية الله، مضرباً مثل الغيث والأرض لحال الناس مع العلم. ويأمر بطلب العلم، والالتفاف حول أهل الذكر، ونشره في المجتمع لتجنب عواقب الجهل وموت العلماء.
موقع دار الحديث بالفيوش يقدم هذه المادة: فضائل العلم وخطورة الجهل، خطبة الجمعة لفضيلة شيخنا العلامة عبد الرحمن بن مرعي العدني رحمه الله تعالى. إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾، ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾. أما بعد، فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. أيها المسلمون، عباد الله، إن الله عز وجل أكرمنا ببعثة نبينا محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فأدى به بعد الضلالة، وأعز به بعد الذلة، وجمع به بعد الفرقة، وجعلنا به عليه الصلاة والسلام خير أمة أخرجت للناس. قال الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِّنْ أَنفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ﴾. فالواجب علينا عباد الله أن نتمسك بما بعث الله عز وجل به، وأن نقتدي بسنته، وأن نسير على هديه، وأن ندعو إلى هذه السنة، ونرغب الناس فيها، وننشرها في الآفاق. وهذا عباد الله لا يتأتى من معرض عن ميراث نبينا محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم. التمسك بهذا الدين، والتمسك بهدي المصطفى صلى الله عليه وعلى آله وسلم، يتطلب من المسلم أن يعرف حقيقة ما بعث الله عز وجل به نبيه عليه الصلاة والسلام من الهدى ودين الحق، وهذا النور، وهذا الخير. فلذلك عباد الله، فإن الله عز وجل من أول ما أنزل على نبيه عليه الصلاة والسلام من الآيات آيات تحث على العلم النافع، وترغب فيه. قال الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الْإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾. فالله عز وجل في هذه الآيات الكريمات يبين فضل نفسه بأنه علم هذا الإنسان، ويبين فضل الإنسان بأنه هيأه لهذا العلم، وأمده بالجواريح التي يستعين بها. فعلينا عباد الله أن نعرف أننا لا نستطيع أن نتمسك بديننا إلا من طريق العلم النافع. هذا العلم النافع الذي هو صلاة السر وعبادة القلب، هذا العلم النافع الذي هو من أعظم وأنفع أنواع الذكر، هذا العلم النافع الذي هو حياة، هذا العلم النافع الذي هو عز وسعادة. العلم نور، والجهل ظلام، العلم حياة، والجهل موت، العالم بمنزلة البصير، والجاهل بمنزلة الأعمى. والله عز وجل يقول في كتابه الكريم: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ * وَلَا الظُّلُمَاتُ وَلَا النُّورُ * وَلَا الظِّلُّ وَلَا الْحَرُورُ * وَمَا يَسْتَوِي الْأَحْيَاءُ وَلَا الْأَمْوَاتُ إِنَّ اللَّهَ يَسْمَعُ مَن يَشَاءُ وَمَا أَنتَ بِمُسْمِعٍ مَّن فِي الْقُبُورِ﴾. معلوم أن الناس جميعاً يبحثون عن السعادة، المسلم والكافر، البر والفاجر، والسعادة الحقيقية عند الله عز وجل، والفوز العظيم عند الله تبارك وتعالى إنما هو بالفوز بالجنة والنجاة من النار، كما قال ربنا عز وجل في كتابه الكريم: ﴿فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾. وهذا الفوز الذي هو أمنية كل مسلم، وهذه الجنة التي هي أغلى السلع، لا يستطيع الوصول إليها إلا من طريق العمل، كما قال الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾. فالجنة تحتاج إلى أعمال، ولن تستطيع أن تعمل عملاً صالحاً يحبه الله ويرضاه، لن تستطيع أن تعمل عملاً مقبولاً بعيداً عن النواقض، وبعيداً عن المفسدات، وبعيداً عن البدع والأهواء والضلالات، إلا من طريق العلم النافع. فإذا مدار السعادة في الدنيا والآخرة على هذا العلم النافع. هذا العلم النافع عباد الله الذي يرفعك الله عز وجل به درجات، لا يستوي العالم والجاهل، لا يستوي المقبل على ميراث النبي صلى الله عليه وسلم ممن هو معرض ومدبر عن ذلك. قال الله عز وجل: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾. لا يستوي من عرف الحق والسنن بنوره، وعمل به، واهتدى به، ممن هو بعيد وهو جاهل وهو غافل. نعم عباد الله، فلذلك ربنا تبارك وتعالى يرفع أهل العلم درجات. قال سبحانه وتعالى: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾. فالله عز وجل يرفع أهل العلم بهذا العلم، وهذا الهدى والنور، وهذا العمل الصالح. ويقول الله عز وجل: ﴿نَرْفَعُ دَرَجَاتِ مَن نَّشَاءُ﴾. قال الإمام مالك: بالعلم. نعم عباد الله، بهذا العلم الشرعي، قال الله وقال رسوله عليه الصلاة والسلام، يرفع الله عز وجل به العبد، وإن كان وضيع النسب، وإن كان قليلاً المال، وإن كان سيئاً الخلق. فكم رفع في ديننا من العبيد، وكم رفع في ديننا من الموالي، وكم رفع في ديننا بهذا العلم من الأعدام، ممن هو وضيع النسب. فردنا تبارك وتعالى يرفع بهذا العلم. وصدق النبي عليه الصلاة والسلام إذ يقول: «إن الله يرفع بهذا الكتاب أقواماً ويضع به آخرين». وسبب تحدث عمر بن الخطاب بهذا الحديث ما رواه الإمام مسلم من حديث عامر بن واثلة، أن نافع بن عبد الحارث كان عمر بن الخطاب يستعمله على أهل مكة، فخرج عمر في عام من الأعوام من المدينة متوجهاً إلى مكة، فخرج نافع بن عبد الحارث يستقبله في عسفان، وهي منطقة ما بين مكة والمدينة، فقال له عمر: من استعملت على أهل الوادي؟ قال: استعملت عليهم ابن أبزى. قال: ومن ابن أبزى؟ قال: مولى من موالينا. قال: فتستعمل عليهم مولى؟ يعني أن مكة فيها الهاشميون، وفيها القرشيون، وفيها جمهرة أنساب العرب، تستعمل عليهم مولى، من كان عبداً في يوم من الأيام؟ قال: يا أمير المؤمنين، إنه قارئ لكتاب الله، وإنه عالم بالفرائض. فقال عمر رضي الله تعالى عنه، وكان وقافاً عند كتاب الله عز وجل: «أما إن نبيكم صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: إن الله يرفع بهذا الكتاب أقواماً ويضع به آخرين». نعم عباد الله، أبو العالية الرياحي كان يأتي ابن عباس وهو على السرير، وحوله قريش، وابن عباس هو عالم الأمة وترجمان القرآن، فيأخذ بيدي أبي العالية وهو مولى من الموالي، فيرفعه ويجعله يجلس بجانبه على السرير، فيتغامز القرشيون: كيف يرفع هذا المولى ويجلسه على السرير؟ فقال وقد فطن لهم ابن عباس: «إن هذا العلم يزيد الشريف شرفاً، ويجلس المملوك على الأسرّة، ويجلس المملوك على الأسرّة». وصدق النبي صلى الله عليه وسلم إذ يقول: «خيارهم في الجاهلية... إن الناس معادن، خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا». وهكذا ما ثبت أن عطاء بن أبي رباح كان عبداً أسود سيء الخلق، فبينما هو جالس ذات يوم في المسجد يصلي، إذ جاء أمير المؤمنين سليمان بن عبد الملك ومعه ولده، فجعل يسأله عن أمور من أمور المناسك، فجعل يجيبهم، ثم أعطاهم قفاه، وجعل أمير المؤمنين يسأله، ثم قال لولديه: «قوما، قوما»، ثم قال لهما: «لا تنيا» أي لا تتكاسلا عن طلب العلم، فوالله ما أنسى ذلنا عند هذا العبد الأسود. وهكذا محمد بن عبد الرحمن الأوقص، لم تكن له رقبة، وإنما رأسه ملتصق بصدره، ومع ذلك طلب العلم وجد فيه، حتى صار يشار إليه بالبنان، وصار قاضياً، فإذا جاء إليه الخصوم يرتعدون بين يديه. فالله سبحانه وتعالى يرفع بهذا العلم، ويعز بهذا العلم. قال الله عز وجل وقال لهم نبيهم: ﴿إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا قَالُوا أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِّنَ الْمَالِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾. نعم عباد الله، فعلينا أن نقبل على هذا العلم النافع، وأن نعرف له منزلته، وأن نعرف له قدره. فالله تبارك وتعالى إذا أراد بالفرقة خيراً، أو أراد بالأسرة خيراً، أو أراد بالأمة خيراً، أو أراد بالدولة خيراً، فإنه يفقههم في دين الله سبحانه وتعالى، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «من يرد الله به خيراً يفقه في الدين، من يرد الله به خيراً يفقه في الدين». فعلامة الخيرية، وعلامة الفلاح والسعادة، أن يفقه العبد دين الله سبحانه وتعالى، أن يتبصر بالأدلة القرآنية، أن يتعلم السنة النبوية، أن يتعلم هدي النبي صلى الله عليه وسلم، أن يتعرف على ما كان عليه النبي عليه الصلاة والسلام من عقيدة، ومن عبادة، ومن معاملة، ومن أخلاق وآداب وسلوك ودعوة ومنهج. نعم عباد الله، هذا دليل الخيرية: من يرد الله به خيراً يفقه في الدين. تأمل يا عبد الله إلى قول النبي صلى الله عليه وسلم: «من يرد الله به خيراً يفقه في الدين». أن يفقه في الدين، لا في علم الطب، ولا في الهندسة، ولا في الفلسفة، ولا في علم الكلام، ولا في أمور التجارة والزراعة، وإنما دليل الخيرية وعلامة السعادة أن يتفقه الإنسان في دين الله تبارك وتعالى. لا غنى لك عن هذا العلم النافع، فبالعلم النافع تعبد الله عز وجل، بالعلم النافع تستطيع أن تهذب نفسك، بالعلم النافع تستطيع أن تعين أسرتك وتدلهم على الله، وإلى ما يوصل إلى مرضاة الله سبحانه وتعالى. بالعلم النافع عباد الله نستطيع أن نبني جيلاً واعياً متمسكاً تمسكاً صحيحاً بالكتاب والسنة، بالعلم النافع نستطيع أن نواجه هذه المذاهب الردية، وهذه الأفكار المنحرفة، وهذه الطرق المعوجة، بالعلم النافع نستطيع أن نكافح هذه المعاصي وهذه الذنوب التي ملأت السهل والجبل، والتي ملأت المدن والقرى والبوادي. فالعلم النافع لا غنى للمسلمين عنه. فلذلك عباد الله، الواجب علينا أن نقبل عليه، وأن نعين أولادنا، وأن نشجع أسرنا على تعلم العلم النافع. العلم النافع ليس مضيعة، وليس جروشة كما يظن كثيراً من الناس. لو لم يكن في فضل العلم إلا أنه يقود إلى الله، ويدل على عظمة الله، ويفضي إلى جنة الله سبحانه وتعالى. قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «من سلك طريقاً يلتمس فيه علماً سهل الله له به طريقاً إلى الجنة، من سلك طريقاً يلتمس فيه علماً سهل الله له به طريقاً إلى الجنة». إذا كنت تريد الجنة فليس هناك طريق توصل إلى الجنة إلا من طريق العلم النافع، أما سائر الطرق فإنها طرق عسرة وطرق شاقة، لخلاف طريق العلم، لأن العلم نور، فإذا كان العلم نوراً فإنه يضيء الطريق لصاحبه ولسالكه، فيفضي به إلى الخيرات، ويفضي به إلى الجنات، ويفضي به إلى الأعمال الصالحة. بخلاف الجهل، فإنه يقود إلى كل شر، ويقود إلى كل بدعة. بل أخبر الله عز وجل في كتابه الكريم أن شرك المشركين لم يكن نتيجة علم، بل كان بسبب الجهل. فقال سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَمَا لَيْسَ لَهُم بِهِ عِلْمٌ﴾، ويقول الله عز وجل: ﴿وَإِن جَاهَدَاكَ عَلَى أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾. نعم عباد الله، العلم النافع يعرفك مراد الله سبحانه وتعالى، ومراض الله عز وجل، ما أحل الله، وما حرم الله، وما أوجب الله، وما ندب الله، وما أباح الله سبحانه وتعالى. فلا قيمة للأعمال، ولا قيمة للأقوال، إلا من طريق العلم النافع. فنحن في أمس الحاجة عباد الله أن نحصل هذا العلم النافع، وأن نشيعه في مجتمعاتنا، وأن نرغب أسرنا فيه. نسأل الله عز وجل التوفيق والسداد. الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، ولا عدوان إلا على الظالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد، فعلينا عباد الله أن نقبل على هذا العلم النافع الذي يجعلك من أولياء الله سبحانه وتعالى، والذي يجعلك من الممتثلين لأوامر الله. فالله سبحانه وتعالى يقول: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾. فالعلماء هم أعظم الناس خشية لله، وأعظم الناس قياماً بأمر الله، وأعظم الناس انتهاءً عما حرم الله سبحانه وتعالى. فالعلم النافع هو الذي يقودك إلى كل خير. فلذلك عليك أن تحرص على تعلم العلم، وأن تحذر من الإدبار والإعراض، فإن من أعرض أعرض الله عز وجل عنه. روى البخاري من حديث أبي وائل الليثي قال: بينما نحن جلوس عند النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، إذ أقبل ثلاثة نفر، أما أحدهم فوجد فرجة في الحلقة فجلس فيها، وأما الثاني فجلس وراء الحلقة، وأما الثالث فأدبر معرضاً. فقال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «ألا أخبركم عن النفر الثلاثة؟ أما أحدهم فأوى إلى الله فآواه الله، وأما الثاني فاستحيا فاستحيا الله منه، وأما الثالث فأدبر فأدبر الله عنه». نعم عباد الله، ويقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «إن مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم كمثل غيث أصاب أرضاً، فكان منه طائفة طيبة قبلت الماء، فأنبتت الكلأ والعشب الكثير، وكان منها أجادب قبلت الماء وأمسكت الماء، فنفع الله بها الناس، فشربوا وسقوا وزرعوا، وأصاب طائفة ثالثة إنما هي قيعان لا تمسك ماءً ولا تنبت كلأً، فذلك مثل من فقه في دين الله ونفعه ما بعثني الله به من العلم والهدى، ومثل من لم يرفع بذلك رأساً ولم يقبل هدى الله الذي أرسلت به». انظروا عباد الله إلى هذا المثل الذي ضربه النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لهذا العلم النافع. ضرب المثل لهذا الهدى وهذا العلم النافع بمثل غيث، مطر غزير ينزل من السماء، وشبه القلوب بالأرض، وجعل القلوب على ثلاثة أقسام. أما القسم الأول فهم بمثابة الأرض الخصبة التي تقبل الماء، وتخرج من كل نبت الأرض، ومن كل زهر الأرض، ومن كل حديقة غناء. فهكذا الذين ينتفعون بهذا العلم النافع، يقبلون على العلم، ويعملون به، وينشرونه، ويهدون الناس به. وأما القسم الثاني فهم بمثابة الأرض الصلبة، ولكنها فيها الحفر، إذا جاء المطر الغزير فإن هذه الأرض تحفظ هذا الماء، فيأتي الناس يستقون من هذه الأرض، يشربون منها، ويزرعون منها. فهؤلاء مثل الذين أعطاهم الله عز وجل العلم، ولكنهم لم يرزقوا العمل به، أو أنهم الذين أوتوا العلم لكن ليست عندهم القدرة على استنباط الأحكام منه، وتفجير ينابيعه، والاستفادة منه، لكن بلغوا العلم للأمة. وأما الطائفة الثالثة فهي المعرضة عن هذا العلم، والبعيدة عن هذا الهدى، والزاهدة في ميراث المصطفى صلى الله عليه وعلى آله وسلم. فعلينا عباد الله أن نعرف قيمة هذا العلم، وحاجة المسلمين، فنحصله وننشره، ونملأ به فراغ الناس، ونملأ به أذهان الناس. فالناس والمسلمون حاجتهم إلى العلم أعظم من حاجتهم إلى الطعام والشراب. فإذا قل العلم النافع، قال الله وقال رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، في مجتمعات المسلمين، فإنهم يستقبلون كل باطل، ويتسارعون إلى كل محرم، ويرغبون في الدنيا، ويزهدون في الآخرة. وهكذا تقبل عليهم الشهوات، وتقبل عليهم الشبهات، ويعم فيهم البلاء والفتن، والمشاكل، والقتل والقتال، بسبب خلو المكان من هذا الهدى وهذا النور، الذي به تتهذب القلوب، وتصلح الجوارح، وترغب إلى الله سبحانه وتعالى. ولهذا يقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «إن الله لا يقبض العلم انتزاعاً ينتزعه من صدور الرجال، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء، حتى إذا لم يُترك عالِمٌ اتخذ الناس رؤوساً جهالاً، فسُئلوا فأفتوا بغير علم، فضلوا وأضلوا». نعم عباد الله، فأسرع طرق الضلال في الأمة أن يختفي العلم، وأن ينعدم العلماء، وأن يظهر الجهال والأدعياء. هؤلاء إذا ترأسوا وأفتوا بغير علم، حصلت الضلالات، ووقع الناس في الظلمات. بخلاف ما إذا قاد الأمة العلماء. فلذلك عباد الله، علينا أن نعرف علماء الأمة، قدرهم وفضلهم ومنزلتهم، فنلتف حولهم، ونلزم غرزهم، ونسألهم عن أمور ديننا. فالله عز وجل يقول في كتابه الكريم: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾. هم أهل الرسوخ، وهم أهل الزهد والخبرة، وهم أهل التقوى. فعليك يا عبد الله أن تحرص على تعلم العلم، فالمرء لا يولد عالماً، والله عز وجل يقول في كتابه الكريم: ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾. فالعلم بالتعلم، كما أن الفقه بالتفقه، والحلم بالتحلم. فعلينا جميعاً أن نسارع إلى تعلم هذا العلم النافع، وأن نشجع النساء، وأن نشجع الأبناء، وأن نقتني الكتب، وأن نحضر مجالس العلم والذكر. أسأل الله عز وجل للجميع التوفيق والسداد. الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.