المحاضرة بعنوان الحرص على العمل بالعلم، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يؤكد على أهمية تطبيق العلم في الأعمال لتجنب الانحراف، ويشدد على مراقبة الأحوال لتفادي آثار الذنوب. العمل بالعلم يحقق الثمرة المرجوة ويحفظ القلب من التغيير.
يُنبه إلى أهمية الإحسان والصدقة في حياة العلماء، ويشجع على البعد عن الأخلاق السيئة مثل البخل. الصدقة لها أثر إيجابي على الفرد والمجتمع.
يجب الجمع بين العلم والعمل لتحقيق الرحمة بالخلق والجد على الحق، والقدوة الحسنة تعين على نشر جوانب العلم وتيسير اتباعها. العمل بالعلم يعين على حفظه ونشره.
الحرف على العمل بالعلم، فالعمل بالعلم أيها الأحبة من أعظم الأمور التي تعين طالب العلم على الاستمرار بطريق طلب العلم، وعلى التوفيق فيما يقصده من ثمرة العلم. وكما قيل: العلم شجرة والعمل ثمرة، فأنت إذا أردت ثمرة العلم عليك بالعمل حتى يثبتك الله سبحانه وتعالى على طريق العلم. قال الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا * وَإِذًا لَّآتَيْنَاهُم مِّن لَّدُنَّا أَجْرًا عَظِيمًا * وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطًا مُّسْتَقِيمًا﴾. يا أخي، لا تتهاون ولا بمسألة واحدة لا تعمل فيها بالعلم، أن يبتليك الله عز وجل بها فيغير قلبك ويصرف وجهتك، فتكون على خلاف ما كنت تعرف من نفسك. قال الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾. كم من ناس سلكوا طريق العلم ثم لم يوفقوا له، وربما كان من أسباب ذلك -والأسباب كثيرة- عدم الحرص على العمل بالعلم، حتى تغير قلبه ولم يكن على ما كان عليه من حب العلم، مع أن العلم دين الله سبحانه وتعالى. وقد قال سبحانه وتعالى: ﴿فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ﴾. لا يمكن أن يصل إلى مرتبة العلماء الصادقين الناصحين من عنده شيء من الخيانة العلمية أو الخيانة العملية، لا يمكن؛ لأنه من الزبد الذي يذهب جفاءً. ولهذا كان السلف والعلماء الأئمة يحرصون على التفتيش في أعمالهم ومحاسبة أنفسهم، بما يعينهم ذلك على الاستمرار في طريق العلم والتعليم. وربما انتبهوا من خلل أعمالهم أو حتى أحيانًا حركاتهم، كما روي عن بعض السلف أنه كان يقول: «لأرين أثر دمي في خلق أهلي ودابتي». وهذا معناه أنهم كانوا يفتشون في أعمالهم ويخافون على أنفسهم. فإذا كان هذا مع ما هم عليه من الحرص والجد والإخلاص والتقوى، فكيف بنا نحن ونحن ننقصر عنهم؟ فلا تستهن يا طالب العلم بخيانة في معاملة أو بطيء في قول أو في فعل. والله إن أثر الذنوب أعظم من أثر السيئات، فالذنوب أثرها عظيم وتقضي على صاحبها أعظم مما تقضي عليه السيئات. لو جردت في جسدك لرجوت أن يشفيك الله سبحانه وتعالى بأنواع ما جعل الله عز وجل من دواء. فمن أنزل الله به داء إلا وأنزل له دواء، لكن مرض القلوب أمره عزيز وعلاجه ليس بيسير. لا يمكنك أن تداوي منظفًا ولو كانت لديك منظفات حتى تظهر براءة من آثار الذنوب والمعاصي، فتطهره وتكفيه من الزيغ والانحراف؛ لأنه أمر معنوي لتحسين. فلذلك أنت تحتاج إلى مراقبة أعمالك والتفتيش في أحوالك. لما قالت أحد النساء في مجلس النبي صلى الله عليه وسلم كلمة، قال: «والله لقد قلت كلمة لو مزجت بماء البحر لمزجته»، يعني عكرت ماء البحر. وقالت كلمة في وقت غضب فيها، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «هذا الغول العظيم». فكيف بمن يرمي بكلمات، ومن لا يتورع بتصرفات لا تليق بمسلم فضلًا عن طالب علم؟ هل ينتظر بعد ذلك وفورًا وصلاحًا فيما يرجوه من ثمرة العلم؟! ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُّحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِن سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا﴾. إذا لم تحسن وجدت أثر ذلك، وإذا أحسنت وجدت أثر ذلك. فعليك أن تحرص على الإحسان حتى يسكن الله عز وجل إليك. بل إذا أحسنت أنت تخاف أن هذا الإحسان لم يقبل منك، فهناك صدق وإخلاص وهو غيب أنت لا تدري هل أتممته أم لم تكن ذنوبه. فلذلك نحرص يا معاشر طلاب العلم على إبداع العلم النافع والجزاء بإحسان العمل الصالح. والحرص عليك ليس فقط في الوقوف عند حدود الله في امتثال الواجبات والانتهاء عن المحرمات، بل يجب أن يكون عندنا من المتابعة إلى الغير ما هو أعظم من ذلك؛ لأنك ترجو من الله سبحانه وتعالى أن يعينك وأن يعطيك أكثر من جهدك. فكذلك اتصف بأنواع الطاعات ما يكون سببًا لبركة عمرك وبركة وقتك وبركة علمك وبركة عملك. فالأمر كله من الله سبحانه وتعالى وحده. لا تفتر على نفسك بقيام الليل، ولا ما يتيسر من قيام النهار. لا تفتر على نفسك بصدقة قليلة أو كثيرة، كما كان السلف الصالح والفقراء يتفضلون على من هو أكثر منهم فقرًا. تعلمون أن عائشة الصحابية حين جاءتها المسكينة ومعها البنتان، ما وجدت أن تتفضل إلا بثلاث تمرات. اليوم من لا يجد في بيته إلا ثلاث تمرات لا أظن أن هذا موجودًا، بل كثير من الناس عندهم في بيوتهم ما هو أكثر من ثلاث تمرات من الطعام. بل يأتي النبي صلى الله عليه وسلم إلى بيته فيسأل: هل عندكم من شيء؟ فيقولون: لا. فيقول: «والله إني لصحاح». هل يوجد اليوم في بيوتنا من حال وجهال الحال يأتي إلى بيته ولا يجد شيء يأكله؟ فلا نبخل على أنفسنا بشيء من الصدقة ولو باليسير، فهو عميم لنا في إصلاح أحوالنا. ألم يقل الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ﴾؟ فذكر بعض أهل العلم إيراد الصدقات وتربيةها، ليس فقط بمضاعفة أجرها، بل كذلك عظيم أثرها على صاحبها؛ لأن الله عز وجل قال في الآية الأخرى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا﴾. فالصدقة ليس فقط تثمر لك الأجر وتضاعف لك به، بل هي تطهرك وتزكيك. أنت حين تخرج هذه الصدقة بيدك، أخرجت من قِبل قلبك من الشح والبخل وهكذا، فذلك ما كان بمعناه من الأخلاق الجميلة. لذلك لا يجلس إنسان ويودب لباب الصدقة فيكون شحيحًا، ولا يكون بخيلًا، ولا يكون أنانيًا، ولا يكون حاقدًا، ولا يكون متكبرًا أبدًا. كلما حرص على الصدقة أخرج هذه الأمراض من قلبه. لا يكون ظالمًا ولا متكبرًا ولا متعاليًا، بل كلما أخرجت صدقة زاد شبابًا للضعفاء والمساكين. أريد أن تنفي عظيمة وتظهر أم لا تنفي وتبطئ من لا يحبها. ولذلك نجد في العلماء من الرحمة بالخلق ومن الحرص على الحق ما قد يتعجب منه صغار طلبة العلم؛ لأن الكبير من طلبة العلم من لم يجمعوا بين العلم والعمل، لا يجتمع عندهم هذا. لا يجتمع عندهم الجد على الحق مع الرحمة بالخلق، إما رحمة بالخلق مع بعض بالحق، وإما قوة بالحق مع ماذا؟ مع الظلم بالخلق. لكن العلماء العاملون الذين جمعوا وأنزلوا وتحصلوا على العلم النافع والعمل الصالح، ووفقهم الله لهداية خلقه، أن يكونوا أهل الجد على الحق وفي نفس الوقت رحمة بالخلق. رحمة بالخلق، وهذا الذي نطمع فيه ونريده أن يوجد في مجمع طلبة العلم والدعاة إلى الله، من هو رحيم بالخلق حتى يهدي الله عز وجل على يديه الخلق الكبير. ليس الشأن من الشأن أن ترمي بالفجور على الناس وتقول: إلى نار جهنم، ولكن الشأن من الشأن أن ترمي الناصحين لتدعوهم إلى الله وتدخلهم بيد الله سبحانه وتعالى. وهذه هي مهمة الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام. النبي صلى الله عليه وسلم ماذا لقي من أذى الشيء الكثير؟ ومع ذلك تمثل به جبريل ومعه فخر الجبال، وقد فعلوا به الشيء العظيم، ماذا قال؟ قال: لا. قال: «إن الله أراد أن يعذب أهل مكة إن شئت أطبق عليهم الأخشبين». قال: لا. «إني أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله لا يشرك به شيئًا». وهكذا ينبغي أن يكون طلبة العلم والدعاة إلى الله سبحانه وتعالى، لا يعني الرحمة بالخلق عدم الجد على الحق، ما الجد على الحق مع رحمة بالخلق، وهذا هو المطلوب. وهكذا من آثار العمل بالعلم والحرص عليه أنه كذلك عون لك على تحقيق ماذا؟ جعلت من العلم. وكان السلف يستعينون على حفظ العلم لماذا؟ بالعمل به. يستعينون على حفظ العلم بالعمل به. فالعامل بالعلم عون لطالب العلم على حفظ العلم. أضرب لكم مثلًا، والأمر أعظم من هذا. هناك كيفيات لأنواع من العلوم، منها على سبيل المثال: التسليم. فإذا عمل الإنسان منها بين الحين والآخر لم ينته هذا العلم. أعانه الله بالعمل بالعلم على ما يلزم حفظ العلم. أعانه الله بالعمل بالعلم على حفظ العلم. إذا كانت هذه مسألة من مسائل الصلاة، فكيف بمسائل الدين العظيم التي تتناول إصلاح نفسك وإصلاح أهلك وولدك وإصلاح مجتمعك، جوانب في العبادات وفي المعاملات وفي الأخلاق والآداب وغيرها؟ إذا لم تعمل بجهة الأبواب، كيف ترعاها على حفظ هذا العلم حفظ ينفع الله به عدد الجرام في المجتمع؟ أنت تحتاج أن تعمل بأنواع من الأعمال التي دعا إليها ديننا: الصدق أين هو في حياتك اليومية؟ الفرق أين هو في حياتك اليومية؟ الرحمة أين هي في حياتك اليومية؟ التدقيق، الطهرة أين هي في حياتك اليومية؟ نحن أمرنا بهذه الأخلاق والآداب وغيرها كثير. فحفظ المسلم وطالب العلم على وجه الخصوص على العمل بها عون له على حفظ العلم وعلى نفع المجتمع بما معه من العلم. أنت تحتاج أن تذكر المجتمع في هذه الجوانب الكثيرة من العلم، ومما يعين على اتباع المجتمع فيها عملك بهذه الجوانب، حتى يبارك الله عز وجل فيك.