الخطبة بعنوان فضائل العلم الشرعي، ألقاها الشيخ عبدالرحمن بن مرعي العدني
افتتح الخطيب بالثناء على الله بالحمد والصلاة على النبي محمد وآله وصحبه، مستهلاً الخطبة بالتكبير والتحميد.
بين الخطيب أن العلم النافع نعمة إلهية وعبادة عظيمة تجلب سعادة الدنيا والآخرة، وترفع درجات العلماء، مشبهًا إياهم بالقمر في نفعهم، ومؤكدًا أن العلم لا ينفع إلا مع العمل الصالح.
وضح أن العلم النافع معرفة الله وشرعه، وهو سبب الخشوع وصلاح القلوب، وضرب النبي مثل الغيث والأرض الثلاثة لبيان حال الناس مع العلم: من انتفع وعلّم، ومن حفظ ونفع، ومن لم ينتفع.
أكد أن الأنبياء ورثوا العلم لا المال، وأن طالب العلم من ورثتهم، مستدلًا بحديث الأعمال الباقية وآية النفير، داعيًا إلى طلب العلم ونشره وتحمل مسؤولية البيان.
موقع دار الحديث بالفيوش يقدم هذه المادة: فضائل العلم الشرعي، خطبة الجمعة لفضيلة شيخنا العلامة عبد الرحمن بن مرعي العدني رحمه الله تعالى. إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهدِ الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ ۚ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ۗ وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾. أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. أيها المسلمون، عباد الله: إن الله عز وجل جعل العلم النافع نورًا للقلوب، وحياة للأفئدة، ونورًا للبصائر، وزكاة للنفوس، وانشراحًا للصدور. ف العلم تحصيله، وقبوله، وبلوغه، ونشره عبادة من أجل العبادات، وطاعة من أفضل القربات. كما قال بعض السلف: طلب العلم، أو العلم، هو صلاة السر وعبادة القدر. فهو منة الله عز وجل على عباده، يمن به على من يشاء من عباده، كما قال سبحانه وتعالى: ﴿وَأَنزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُن تَعْلَمُ ۚ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا﴾. وكذلك يقول الله عز وجل ممتنًّا على الناس بهذا العلم: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الْإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾. نعم، الله عز وجل هو الذي علم الإنسان ما لم يعلم. ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾. ويقول سبحانه وتعالى: ﴿الرَّحْمَانُ * عَلَّمَ الْقُرْآنَ * خَلَقَ الْإِنسَانَ * عَلَّمَهُ الْبَيَانَ﴾. فالعلم النافع، عباد الله، له الفضائل الكثيرة، ويوصل إلى الدرجات العالية، ويوصل إلى سعادة الدارين: الدنيا والآخرة. فالناس جميعًا يبحثون عن السعادة، والسعادة عند رب العالمين سبحانه وتعالى بالفوز بالجنة والنجاة من النار، الذي قال الله فيه: ﴿فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ ۗ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾. هذا الفوز، يا عبد الله، لا تصل إليه ولن تكون من أهله إلا بعمل يبلغك هذه الدرجات العالية، كما قال عز وجل: ﴿تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾. فلا يسأل العبد إلى العمل الصالح الذي يحبه الله ويرضاه إلا من طريق العلم. فإذا مدار السعادة في الدنيا والآخرة على هذا العلم النافع: العلم الذي هو هدى، العلم الذي هو نور، العلم الذي هو حياة، العلم الذي هو بصيرة وثبات، وسُلَّم إلى درجات الخير، العلم الذي هو رفعة في الدنيا والآخرة. قال الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾. فالرفعة، عباد الله، في الدنيا والآخرة بهذا العلم النافع. في الدنيا والآخرة، الله عز وجل يرفع بهذا العلم أقوامًا ويضع به آخرين. كم من العبيد، وكم من الفقراء، وكم من الحقراء في أنظار كثير من الناس، فرفعهم الله عز وجل بهذا العلم. يقول الحسن البصري رحمه الله: «يرحم الله لقمان، لقد كان عبدًا حبشيًا، فجعل الله كلامه قرآنًا». وهكذا يقول الأعمش رحمه الله: «لولا أني تعلمت العلم، لكنت بقالًا، يقذر للناس أن يشتروا مني». ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾. رفع الله عز وجل طالوت وجعله ملكًا وسيدًا مطاعًا في بني إسرائيل، ما هي المؤهلات له؟ قال الله عز وجل: ﴿وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا ۖ قَالُوا أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِّنَ الْمَالِ ۖ قَالَ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ﴾. فالله عز وجل زاد من العلم الذي رشحه إلى السيادة والريادة في بني إسرائيل. وهكذا، عباد الله، يقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم كما في مسلم من حديث عمر بن الخطاب: «إن الله يرفع بهذا الكتاب أقوامًا ويضع به آخرين». من وفقه الله لطريق العلم، من وفقه الله لتحصيل العلم، من وفقه الله للعمل بهذا العلم، فاستنار به قلبه، وصلحت به جوارحه، وسابق وثابر ونافس في طاعة الله، ويصل بإذن الله إلى دار كرامة الله وإلى رضوان الله عز وجل. فهؤلاء هم أهل الرفعة: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾. لا يكفي العلم، عباد الله، للرفعة حتى يقرن بالعمل به. فإن العلم وسيلة، والعمل هو الثمرة، فهو المقصود. نعم، عباد الله، فمن رزقه الله عز وجل الخشية، ورزقه العلم، ورزقه الأداة، ورزقه العمل بهذا العلم، فالله عز وجل يقول: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾. هكذا نكرت الدرجات، فهي درجات عالية ودرجات متفاوتة، بحسب تفاوت العلماء في العلم والعمل، بقدر السعة في العلم، وبقدر التوفيق إلى العمل الصالح. فالله عز وجل يرفع صاحبه درجات في الدنيا والآخرة. فالعلماء لا يستوون. وهكذا، لهذا شبه النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم العلماء بالقمر، فقال: «مثل العالم على العابد كفضل القمر على سائر الكواكب». انظروا، عباد الله، إلى القمر، كيف أنه ينير لنفسه، وأنه ينير لغيره، كيف تهتدي الأمم ويستفيد الناس وتستفيد البهائم في ظلمة الليل بنور القمر. فهو ينتفع في نفسه وينفع غيره. بخلاف الكواكب، فإن نورها لا يتجاوز نفسها. وهكذا بالنسبة للعباد: وإن كانت العبادة نورًا، لكنها نور مقصور على صاحبها، بخلاف العالم، فإنه ينتفع في نفسه، وينفع الله عز وجل به البشرية، وينفع به أممًا كثيرة من الناس. فانظروا، عباد الله، كيف أن النبي صلى الله عليه وسلم شبه العالم بالقمر، ولم يشبهه بالشمس، مع أن الشمس أكثر نورًا وأعظم إضاءة. قال العلماء: إنما شبه العلماء بالقمر لأن نورهم مستفاد من غيرهم. فهكذا نور القمر مستفاد من نور الشمس. الشمس لا تختلف إضاءتها قوةً ونورًا وانتشارًا، بخلاف القمر، فإن نوره أولًا مستفاد من غيره، ثم أيضًا هو متفاوت. انظروا كيف يبدأ صغيرًا الهلال، ثم يكبر، ثم يكبر حتى يصير البدر، ثم يعود إلى التلاشي وإلى الصغر. وهكذا العلماء: أولًا نورهم مكتسب من شمس، أو من نور النبوة، وأيضًا هم متفاوتون في درجات العلم ودرجات العمل، ومقدار النفع والبركة الذي يحدث على أيديهم. فلهذا صح تشبيه العالم بالقمر دون الشمس، لأن القمر يتفاوت، وهكذا بالنسبة للعلماء. ويقول الله عز وجل: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾. هذا أيضًا، عباد الله، من فضل العلم النافع. العلم النافع: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾. العلم النافع يعرف العبد بعظمة الله وجلاله وكبريائه، بأسمائه وصفاته، وما له من الحقوق والواجبات، وما يتنزه عنه من النقائص والعيوب. العلم النافع يدل على عظمة هذه الشريعة، وعلى سماحتها ويسرها، وأنها صالحة لكل زمان ومكان، وأنها الشاملة لكل ما يحتاج إليه العباد في جميع شؤونهم، وفي جميع جوانبهم ومجالاتهم. ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾. فلذا يستفيد أهل العلم وحملة العلم وطلاب العلم لهذا العلم: تزكو به النفوس، وتصلح به القلوب، وتستنير به الأفئدة، وتصلح به الأحوال والأقوال والأفعال، وتحسُن به الأخلاق. ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾. من هم العلماء؟ هم العلماء بالله ودينه وشرعه. ليس علماء الفيزياء، وليس علماء الكيمياء، ولا الحساب والهندسة. هؤلاء إن كانوا علماء، لكن علمهم يجب أن ينسب إلى التخصصات التي هم فيها، فيقال: هؤلاء علماء الفلك، أو علماء الطبيعة، أو علماء البحار، أو علماء كذا وكذا. أما العلماء إذا أطلقوا في القرآن والسنة، فإنما يراد بهم علماء الشرع: العلماء بالله ودينه وشرعه، وما أنزل في كتبه، وأرسل به رسله. ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾. هؤلاء هم العلماء حقًا وصدقًا. وهكذا، عباد الله، يقول الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾. لا يستوي من عرف دين الله وشرعه، ووفق للعمل به، كمن هو جاهل ومعرض. ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾. فالله عز وجل يثبت أهل العلم وطلاب العلم، يحفظهم من الفتن والشبهات والشهوات. لا يستوي العالم والجاهل. والله يقول: ﴿أَفَمَن يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَىٰ ۗ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾. فالله عز وجل ينير بصائرهم، ويرى الذين أوتوا العلم الذي أنزل إليك من ربك هو الحق، ويهدي إلى صراط مستقيم. وهكذا، عباد الله، من شرف العلم وفضله: أنه حياة للقلوب. ﴿أَفَمَن يَمْشِي مُكِبًّا عَلَىٰ وَجْهِهِ أَهْدَىٰ أَمَّن يَمْشِي سَوِيًّا عَلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾. حياة القلوب بالقرآن، حياة القلوب بهذا الوحي المنزل على النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. ولهذا يقول الله: ﴿وَكَذَٰلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا ۚ مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَٰكِن جَعَلْنَاهُ نُورًا نَّهْدِي بِهِ مَنْ نَّشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا ۚ وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾. فالعلم حياة للقلوب. هذه الحياة التي يجب على كل مسلم أن يحرص على تحصينها، لأنه يحرص على حياة الأبدان وسلامة الأبدان وسلامة الأجسام. حياة الأبدان، وإن كان فيها نفع، ولكنه لا يوازي نفع حياة القلوب. فإن البدن إذا أصيب بالسقم والمرض، فما أبهى إلى الموت، والموت مصير كل إنسان. قال الله عز وجل: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾. أما موت القلب، فيؤدي إلى خسارة الدنيا والآخرة: ﴿قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ۗ أَلَا ذَٰلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ﴾. فبهذا العلم، بهذا القرآن، بهذه السنة، بهذا الهدى والنور، تتغذى القلوب، ويكون المدد لهذه الأفئدة والصدور. قال الله عز وجل: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ * اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾. هكذا ذكر الله عز وجل حياة القلوب بالقرآن، ثم ذكر حياة الأراضي بهذا الغيث. كما أن الأرض المجدبة والأرض الميتة تحيا بالغيث، بالأمطار، بالسُّيول، وهكذا القلوب، هكذا القلوب تحيا بالعلم النافع. وقال رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وفي هذا يضرب النبي صلى الله عليه وسلم المثل للناس بالنسبة لما بعث الله عز وجل به من العلم والهدى، فيقول: «مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم، كمثل غيث أصاب أرضًا، فكانت منها طائفة طيبة قبلت الماء، فأنبتت الكَلأ والعشب الكثير، وكان منها أجادب أمسكت الماء، فنفع الله بها الناس، فشربوا وسقوا وزرعوا، وكان منها قيعان لا تمسك ماء ولا تنبت كَلأ. فذلك مثل من فقه في دين الله، ونفعه ما بعثني الله به، فعلم وعلم، ومثل من لم يرفع بذلك رأسًا، ولم يقبل هدى الله الذي أرسلت به». متفق عليه من حديث أبي موسى الأشعري. انظروا، عباد الله، كيف شبه النبي صلى الله عليه وسلم هذا العلم بالغيث، الذي هو غوث للقلوب. كما أن الأرض تحيا بغيث السماء من الأمطار والمياه، وكذلك غيث العلم. فإن الناس إزاء هذا الخير وهذا الغيث انقسموا إلى ثلاثة أقسام: القسم الأول: الذين وفقوا للإقبال على هذا العلم، فجدوا في تحصيله، وقطعوا فيه شوطًا، ثم وفقوا للعمل به وتبليغه ونشره. فكان مثلهم كمثل الأرض الطيبة التي إذا جاءت المياه ونزلت الأمطار، استوعبت هذه المياه، شربت في نفسها، ثم أخرجت خيراتها وأخرجت ثمراتها، فانتفعت في نفسها ونفعت غيرها. هذا مثل أولئك العلماء الذين حفظوا النصوص، وتفقوا فيها، فتفجرت ينابيعها، واستنبطوا الأحكام والآداب والخير الذي فيها، وبلغوا هذا العلم بعدما انتفعوا في أنفسهم، بلغوه إلى غيرهم. والطائفة الثانية: كمثل الأرض التي لا تصلح للزراعة، ولكنها تستقبل الماء وتشرب الماء، ولكنها تحفظ الماء، عبارة عن غدران وعن حفر، هي مستنقعات. لكنها مثل البرك: إذا جاءت السيول للأمطار، تسعّب هذه المياه الغزيرة، ستحفظها. بعد زخات ورعد وأمطار غزيرة، يخرج الناس، وإذا بالأرض مملوءة بالمياه، فيستقون منها ويشربون منها، وأيضًا تستفيد البهائم والمزروعات. وهذا مثل العلماء الذين وقفوا لحفظ النصوص وجمعها وتدوينها، وتمييز الصحيح والضعيف منها، أو الذين وقفوا لتحصيل العلم، ولكنهم لم يهتدوا إلى العمل به. لكن التفسير الأول هو الأقرب: أنهم الذين حفظوا النصوص، لكن لم يؤتوا من الفهم، ولم يجدوا من الفرصة ما يتفقهون فيها، فحولهم نفع. وأما القسم الثالث: فلا حفظ ولا فهم، لا دراية ولا رواية، ليست لهم عناية ولا اهتمام بالعلم النافع. مثلهم كمثل القيعان: الأرض الصلبة المستوية، تأتي الأمطار الغزيرة، فيخرج الإنسان بعد ساعات، وإذا بالأرض ناشفة، وليس فيها قطرة، لا أنها شربت، ولا أنها جمعت وحفظت. لا انتفعت في نفسها، ولا نفعت غيرها. هذا حال كثير من الناس للأسف الشديد: لا علم، ولا عمل، ولا عناية، ولا رغبة في هذا الميراث، ميراث النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. فإن النبي صلى الله عليه وسلم هو القائل: «العلماء ورثة الأنبياء، وإن الأنبياء لم يورثوا دينارًا ولا درهمًا، ولكنهم ورثوا العلم، فمن أخذه أخذ بحظ وافر». العلماء هم ورثة الأنبياء. كما أن الناس يتوارثون فيما بينهم بصلة النسب، فهكذا يرث العلماء النبي صلى الله عليه وسلم من طريق العلم. فالأنبياء لم يورثوا دينارًا ولا درهمًا، لأنهم لم يبعثوا لأجل تحصيل الدينار والدرهم، ولكن شرفهم الله بالنبوة والرسالة، فبلغوا العلم ونشروه. فلم يورثوا دينارًا ولا درهمًا، ولكنهم ورثوا العلم. فطالب العلم يكون من ورثة النبي صلى الله عليه وسلم، وإن كان بينه وبينه عليه الصلاة والسلام القرون الطويلة. وانظروا إلى العلماء، حملة العلم، بعد مضي القرون الطويلة، لا يزال ذكرهم مرفوعًا، وسعيهم مشكورًا، وطريقتهم مأثورة، والألسن تتحدث بالثناء عليهم والترحم عليهم، ولا يزال خيرهم موجودًا في هذه الأمة. وصدق النبي صلى الله عليه وسلم إذ يقول: «إن الإنسان إذا مات انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له». رواه مسلم عن أبي هريرة. هذه من الأعمال التي تلحق الميت بعد موته: «إن الإنسان إذا مات انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية» - حفر الآبار، بناء المساجد، عمل الأوقاف، عناية في سبيل الخير، طبع الكتب، إلى غير ذلك - «أو ولد صالح يدعو له»، خلف ذرية صالحة، جعلوا يدعون له بعد موته، ترفع له الدرجة في الجنة، فيقول: «أنى لي هذا؟» فيقال: «بدعاء أو استغفار ولدك لك». الثالث: «أو علم ينتفع به»، إما بتأليف الكتب النافعة، أو بالطلاب النجباء الذين حصلوا العلم منه ونشروه. فلا يزال العلم باقيًا، وخيره مستمر، وأجره مستمر. وأعظم هذه الثلاثة: نفع العلم. فالولد قد يموت، وتنقطع الذرية الصالحة، والأوقاف قد تنتهي وتنهدم، ولا يعتنى بها. أما العلم فهو الباقي المستمر. في الغالب تجد بعض علمائنا قد ماتوا قبل مئات السنين، أو ما يزيد على ألف سنة، ولكن علمهم لا يزال موجودًا في الأمة. العلماء هم ورثة الأنبياء، العلماء هم ورثة الأنبياء. فطوبى لمن حصل شيئًا من ميراث النبي صلى الله عليه وسلم، هذا الميراث الذي يبقى، وهذا الميراث الذي ينتفع به صاحبه في الدنيا والآخرة. نسأل الله لنا ولكم التوفيق. الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، ولا عدوان إلا على الظالمين. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد: فهكذا، عباد الله، يقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم كما في الصحيحين من حديث معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه: «من يرد الله به خيرًا يفقه في الدين». من يرد الله به خيرًا يفقه في الدين. فسبيل الخيرية للأمة، وللدولة، وللمجتمع، والأسرة، للفرد، للرجال، للنساء، للعرب، للأعاجم، للصغير، للكبير، هو الفقه في الدين. «من يرد الله به خيرًا يفقه في الدين». هذه الإرادة الكونية: من أراد الله عز وجل بإرادة كونية به خيرًا، فقهه للتفقه في الدين. لأن الفقه في الدين، وهو فهم القرآن والسنة، هو الطريق للوصول إلى سعادة الدنيا والآخرة. إذن هو سبيل الخير. فإن الأمور بأسبابها: من سلك سبل الشر وصل إلى الشر، ومن سلك سبل الخير وصل إلى الخير. النبي صلى الله عليه وسلم يقول هنا: «من يرد الله به خيرًا يفقه في الدين». إذا رأيت الرجل أو المرأة يقبل، ويجتهد، ويمتحن عن طلب العلم، يبذل ماله، ويبذل وقته، ويبذل من صحته، ويستمر ويبقى، ويحرص على تحصيل العلم النافع، فاعلم أن الله عز وجل أراد به خيرًا. وإذا رأيت المعرض عن العلم، فاعلم أن الله عز وجل لم يرد له الخير. «من يرد الله به خيرًا يفقه في الدين». يتعلم عقيدته التي لا بد منها. كيف يكون مسلمًا وهو يجهل دينه، وهو يجهل أصل الأصول، وأعظم الواجبات، وأكد الحقوق، وهو حق الله عز وجل؟ يتعلم العقيدة الصحيحة، يتعلم التوحيد أنواعه، والشرك وأقسامه، والفرائض والنواقض، وما يتعلق بالله وأسمائه وصفاته. ويتعلم العبادة: من صلاة وصيام وزكاة وحج وعمرة، إلى غير ذلك من العبادات التي لا يستطيع العبد أن يعبد ربه سبحانه وتعالى عبادة سليمة، بعيدة من البدع، إلا من طريق العلم. وهكذا يتعلم عن المعاملات. وأكثر المعاملات التي مخالفة للشرع، يخوض فيها من يخوض، ويقعون في الربا، أو في الظلم، أو في الغرر التي عليها مدار البيع المحرمة، فهم لا يشعرون. وهكذا يأخذ الدين والمنهاج والأخلاق من طريق العلم النافع. «من يريد الله به خيرًا يفقه في الدين». فالحاصل، عباد الله، فضائل العلم كثيرة، ولا يتسع المقام لذكرها. والذي ينبغي على المسلم أن يحرص على أن يحصل العلم النافع. وسيكون لنا عودة إن شاء الله إلى العلوم الدنيوية في مقام آخر بإذن الله. ولكن هذه الخطبة في فضل العلم النافع. ينبغي، عباد الله، للمسلم أن يحرص في نفسه، وأن يحرص في أسرته، على تحصيل هذا العلم النافع. فالمجتمع في أمس الحاجة إلى هذا العلم النافع. وفي هذا يقول الله عز وجل: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُوا كَافَّةً ۚ فَلَوْلَا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَائِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾. ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُوا كَافَّةً﴾: لا يصلح ولا يكون أن يخرج الجميع في تحصيل العلم، ويتركون بدونهم وقراءهم. هذا لا يمكن. الناس مواهب، والناس لا تستقيم أحوالهم، ولا تنتظم مصالحهم، إلا بأن يكون كل واحد في ثغرة، كل ينفع الآخر. ﴿فَلَوْلَا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَائِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ﴾. نعم، ينفرون، ويسافرون، ويبذلون في سبيل تحصيل العلم النافع. فإذا وفقوا لتحصيل هذا العلم النافع، بغيت عليهم مسؤولية. فليس العلم جاهًا يتزيه بها، ولا تاجًا يوضع على الرؤوس، ولا مناصب، ولا مكاسب. وإنما العلم مسؤولية: ﴿لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾. بقي مسؤولية التبليغ والتعليم والنشر لهذا العلم النافع. الناس بحاجة إلى هذا العلم النافع في صلاتهم، في عقيدتهم، في سائر عباداتهم. من تشبُّه الشرك بالله، ولن تشبُّه البدع والأهواء، ولا شُبِّه معروف منكرًا، ولا المنكر معروفًا، ولا الحق باطلًا، ولا الباطل حقًا، ولا النافع ضارًا، ولا الضار نافعًا، إلا بسبب الجهل وقلة العلم. فالناس في أمس الحاجة إلى العلم، أعظم من حاجتهم - كما قال الإمام أحمد رحمه الله - إلى الطعام والشراب. قال: «حاجة الناس إلى العلم أعظم من حاجتهم إلى الطعام والشراب». فإنهم يحتاجون إلى الطعام والشراب في اليوم مرة أو مرتين، يحتاجون إلى العلم بعدد أنفاسهم. ﴿لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾. لا بد من التعليم والتبليغ، والحذر من كتمان العلم. فالله يقول: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ﴾. فالله يقول: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَىٰ مِن بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ ۙ أُولَٰئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ﴾. فاحرصوا، عباد الله، على تحصيل العلم النافع. نسأل الله عز وجل أن يهبنا وإياكم العلم النافع، والعمل الصالح المتقبل. إنه سميع الدعاء. الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وآله وصحبه أجمعين.