شرح الأصول الثلاثة  3

شرح الأصول الثلاثة 3

الدرس في شرح الأصول الثلاثة 3، الدرس الثالث : (17 جمادى الأول 1431هـ) (والدليل قوله تعالى بسم الله الرحمن الرحيم ... فبدأ بالعلم قبل القول والعلم ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

تفسير سورة العصر وأهميتها

سورة العصر أقسم الله فيها بالعصر أن الإنسان في خسارة إلا من آمن وعمل صالحًا وتواصى بالحق والصبر. يُبين أهمية الإيمان والعمل الصالح في حياة المسلم.

التواصي بالحق وأهميته في الإسلام

التواصي بالحق هو دعوة الناس إلى الخير وهو فرض على كل مسلم بحسب استطاعته، ويجب أن يكون قائمًا على العلم النافع والعمل الصالح. أمر الله به في القرآن وأكده النبي صلى الله عليه وسلم.

أهمية العلم والعمل الصالح في حياة المسلم

العلم هو الأساس للعمل الصالح ولا يمكن أن يكون العمل الصالح بدون علم. السلف الصالح كانوا يجمعون بين كمال العلم وصدق العمل، مما يدل على أهمية الجمع بينهما.

الدعاء والشكر لله على نعمه

يتضمن الدعاء لله بالتوفيق في العلم والعمل والدعوة والصبر، والشكر لله على نعمه. يُظهر الرغبة في اتباع أحسن الأقوال والتوفيق الإلهي، ويُنهي بالحمد والشكر لله رب العالمين.

  • 21 جمادى الآخرة 1432هـ - 24/05/2011مـ
التفريغ النصي الكامل

الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. أما بعد، فتتمة لدرسنا، كان آخر ما أخذناه في درسنا الماضي قول المؤلف، رحمه الله تعالى: «الرابعة: الصبر على الأذى فيه». ثم قال، رحمه الله تعالى: «والدليل قوله تعالى: ﴿بسم الله الرحمن الرحيم والعصر إن الإنسان لفي خسر إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر﴾». قال الشافعي، رحمه الله تعالى: «لو ما أنزل الله حجة على خلقه إلا هذه السورة لكفتهم». وقال البخاري، رحمه الله تعالى: «باب العلم قبل القول والعمل، والدليل قوله تعالى: ﴿فاعلم أنه لا إله إلا الله واستغفر لذنبك﴾، فبدأ بالعلم قبل القول والعمل». أورد المؤلف، شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب، رحمه الله تعالى، بعد أن ذكر تلك المسائل الأربع التي يجب على كل مسلم ومسلمة تعلمها، ذكر هذه السورة العظيمة، وأنها دليل على هذه المسائل الأربع، وهي سورة العصر التي تدل من أولها إلى آخرها على هذا المعنى العظيم الذي تضمنته من معاني عظيمة لا يجوز للمسلم جهلها. فابتدئت هذه السورة بالقسم بالعصر، وهو الزمان وما يجري فيه من عجائب أمر الله سبحانه وتعالى، وعظيم حكمته، ما هو مدعاة للاعتبار والتبصر والتدبر. والله سبحانه وتعالى يقسم بما شاء، فهو الحكيم جل وعلا، يفعل ما يريد. فأقسم جل وعلا ها هنا بالعصر، وهو كما تقدم هذا الزمان وما يجري فيه، وكله مدعاة للاعتبار والاتعاظ. وهذا كذلك متضمن لمعنى آخر عظيم، فيه العظة، لأن افتتاح هذه السورة بهذا القسم العظيم، لمن تدبره وتمعن فيه، كاف بإدخال العبرة والعظة في قلب القارئ والسامع. وهو يتناول أشياء كثيرة يستحضرها من يستحضر معنى هذا اللفظ، فيدخل فيه عصر النبوة خاصة، وما قبل ذلك مما بلغنا وعلمنا به، كله مواضع ومواقع عظة واعتبار. وهكذا كذلك قول من قال من المفسرين: إنه صلاة العصر، فهو يدخل في معنى ذاك المعنى العام. والمقصود أن في هذا تنبيهًا عظيمًا لما يجب الاتعاظ والاعتبار به. فأقسم الله عز وجل بهذا الزمان الذي هو الدهر، وهو زمن تحصيل الأعمال الصالحة، وزمن الامتحان، فيتبين فيه أهل الشقاء، أهل الإعراض، ويتبين فيه أهل السعادة، أهل الإقبال على الله عز وجل، بأوصافهم وأعمالهم، ما هو كذلك موقع عظة وعبرة وتعجب. ففي هذا حث للعبد أن يحسن ويصلح في عمله. والله جل وعلا، كما سبق، يقسم بما يشاء من خلقه؛ لأنه الخالق سبحانه. أما عباده، فقد أمرهم جل وعلا أن لا يقسموا إلا به؛ لأنهم عبيد له جل وعلا. ثم ذكر ربنا جل وعلا في هذه السورة جنس الإنسان: ﴿إن الإنسان لفي خسر﴾، أي أن جنس الإنسان خاسر، إلا من نجاه الله عز وجل. ونجاة العبد من الخسارة بأن يستغل هذا الدهر الذي هو محل الحوادث من خير وشر، وموضع الامتحان والابتلاء، ووقت الإمكان والتحصيل، بما يكون به منفعته، وبما يكون به نجاته من الخسارة، وذلك بفعل أربعة أمور، وهي المسائل التي أشار إليها المؤلف، رحمه الله، بمعناها في هذه السورة العظيمة. فقال الله عز وجل: ﴿إلا الذين آمنوا﴾، والإيمان إذا قرن بالعمل الصالح، بكتاب الله عز وجل، فإنه كثيرًا ما يراد به العلم، فهو تصديق القلب، وقول اللسان، وعمل الجوارح والأركان، الذي لا يكون ولا يقع إلا بالعلم. ثم قال سبحانه: ﴿وعملوا الصالحات﴾، لا ينجو هذا الإنسان من الخسارة بالعلم المجرد، بل العلم المتبوع بالعمل الصالح. والعمل الصالح هو العمل الذي أريد به وجه الله سبحانه وتعالى، واتبع به شريعته. فمن عمل عملًا لم يرد به وجه الله، ولو كان هذا العمل من أحب الأعمال إلى الله، لم يكن عملًا صالحًا. والله سبحانه وتعالى أحبط عمل المنافقين، وجعلهم في الدرك الأسفل من النار؛ لكون أعمالهم لم تكن لوجهه سبحانه وتعالى، فهي ليست صالحة؛ لأنها متضمنة لمعنى الخداع والخيانة والكذب والغش وعدم الصدق والإخلاص. وهكذا كذلك رب عمل يعمله الإنسان، يجتهد في كونه خالصًا لله عز وجل، وربما يكون صادقًا في ذلك، ولكنه لا يقبل منه؛ إذ كان على غير شريعة الله سبحانه وتعالى، كما قال الله عز وجل عن بعض الكافرين من أهل الكتاب، كالنصارى وغيرهم: ﴿وجوه يومئذ خاشعة عاملة ناصبة تصلى نارًا حامية﴾، نعوذ بالله عز وجل من غضبه وسخطه أن نكون من أمثال هؤلاء. فقد وصفوا في هذه الآيات، كما سمعنا، بأن لهم الوجوه الخاشعة، والأجساد العاملة الناصبة، ومع ذلك تصلى نارًا حامية؛ لأنهم عملوا بأهوائهم، وليس بموجب شريعة الله، كما قال سبحانه: ﴿ورَهبانية ابتدعوها ما كتبناها عليهم﴾. وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد»، كما في حديث عائشة الذي رواه الإمام البخاري معلقًا، والإمام مسلم في صحيحه موصولًا، وهو حديث مشهور. وقال عليه الصلاة والسلام، كما في صحيح مسلم، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه: «أن الله عز وجل قال: أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملًا أشرك معي فيه غيري تركته وشركه». فأعمال العاملين قد تحبط ولا تقبل إذا أريد بها غير وجه الله سبحانه وتعالى. فمن أعظم النجاة من الخسارة إتباع العلم النافع بالعمل الصالح، وبهذا يكون هذا الإنسان قد استغل هذا العصر الذي هو محل الأعمال، فاشترى بذلك الآخرة الباقية بهذه الدنيا الفانية. والعلم، كما مر معنا، شجرة، والعمل هو الثمرة، والعلم طريق موصل إلى العمل ويطلبه. وكما قال القائل: «وكل من بغير علم يعمل، أعماله مردودة لا تقبل». بل قال الله عز وجل: ﴿يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون كبر مقتًا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون﴾. وهكذا الأمر الثالث من الأمور التي تكون بها النجاة من الخسارة: التواصي بالحق، وهو ما أشار إليه المؤلف، رحمه الله، في المسألة الثالثة، بالدعوة إليه. فإن التواصي بالحق أن يوصي كل إنسان غيره بما علم من الحق، من الإيمان بالله وحده، وتوحيده في ربوبيته وألوهيته وأسمائه وصفاته، وهذا معنى الرضا بالله ربا. ومن الاستسلام لدينه وشرعه، من اتباع كتابه، وما جاء في سنة نبيه عليه الصلاة والسلام الصحيحة، كما قال سبحانه: ﴿اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم ولا تتبعوا من دونه أولياء قليلا ما تذكرون﴾. كما قال عليه الصلاة والسلام، فيما جاء من حديث ابن عباس، ومن حديث أبي هريرة عند الحاكم وغيره بإسناد حسن: «تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي أبدًا، كتاب الله وسنتي». وهذا معنى الرضا بالإسلام دينا. ومن متابعة النبي صلى الله عليه وسلم، والانقياد بأمره في كل صغير وكبير، فإن هذا حقيقة الرضا به صلى الله عليه وسلم نبيًا ورسولًا. ولا يتم إيمان إلا بذلك، ﴿فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجًا مما قضيت ويسلموا تسليمًا﴾. والتواصي بالحق هو النصح لخاصة الناس وعامتهم، حتى الكافر له في أعناقهم حق، من بذل النصيحة له ودعوته إلى الخير. وهذا من حكمة الله عز وجل ولطفه بعباده، أن جعل هذا من فرائض الدين، بل من أعظم أسباب النجاة من الخسارة. فمن لطفه بعباده أمرهم بهذا الأمر العظيم، وهو كما تقدم معنا سبب خيرية هذه الأمة: ﴿كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر﴾. ولاحظ هنا قوله سبحانه: ﴿وتواصوا بالحق﴾، بضمير الجمع، المشعر باشتراك الجميع بهذا التواصي. فليس من شرط التواصي أن يكون من الكبير إلى الصغير، ولا من جهة العالم لمن هو دونه في العلم، بل حتى المفضول قد يجب في حقه أن يبدل النصح والوصية بالحق لمن هو أفضل منه. فكل من بلغه شيء من هذا العلم والعمل، وجب عليه الدعوة إليه والتواصي به، بحسب استطاعته، وعند الحاجة إليه. قال النبي صلى الله عليه وسلم: «الدين النصيحة». قالوا: «لمن يا رسول الله؟» قال: «لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم». وقال عليه الصلاة والسلام: «بلغوا عني ولو آية». فمن بلغه شيء من العلم، وجب عليه أن يبلغه، بحسب إمكانه واستطاعته والحاجة الداعية إليه. وهكذا كذلك من أسباب النجاة من الخسارة: التواصي بالصبر، التواصي بالصبر على تحصيل العلم، والتواصي بالصبر على العمل بالعلم الصالح، والتواصي بالصبر في التواصي بالحق. فكل هذه المراتب الثلاث تحتاج إلى تواص بالصبر. فامتثال المأمور، وترك المنهي عنه، يحتاج إلى صبر، أن يتواصى الناس بالصبر على طاعة الله، والصبر في البعد عن معصية الله، والصبر على أقدار الله عز وجل. وهذه ثلاثة معاني من معاني الصبر. وهكذا من قام بالدعوة إلى الله، يحصل له الابتلاء فيحتاج إلى صبر كذلك. فالصبر ملاك هذه الأعمال العظيمة الثلاثة، بل لا يتم نجاح فيها حتى يحصل له الصبر. ولهذا يقرن الصبر بكثير من الأعمال الصالحة، بل ويقرن كذلك بالعلم. ثم ذكر، رحمه الله، مقولة الإمام الشافعي: «لو ما أنزل الله حجة على خلق إلا هذه السورة لكفتهم». قال بعض أهل العلم: هذا معنى عبارة الإمام الشافعي، وإلا فقد ذكر في ترجمته، كما ذكر في مناقب الإمام الشافعي، أنه قال: «لو تدبر الناس هذه السورة لكفتهم». وهي عبارة بمعنى ما ذكره الشيخ الإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب، رحمه الله. فالعبارة الصحيحة الثابتة عن الإمام الشافعي: «لو تدبر الناس هذه السورة لكفتهم». وهذا يدل على فقه الإمام الشافعي، رحمه الله، وغزير علمه. فإن هذه السورة قد اجتمعت على أصول الدين العظيمة التي يدور عليها أمر هذا الدين العظيم. فإن الناس لو تأملوا السورة بحق وتدبروها لكفتهم، وكانت دالة على سائر هذا الدين، بما يكون به فلاحهم ونجاحهم في الدنيا والآخرة. ثم أتبع بما نقله عن الإمام البخاري، رحمه الله، في قوله: «باب العلم قبل القول والعمل». وفي هذا إشارة منه إلى أهمية العلم قبل القول والعمل؛ لأن العلم وسيلة للعمل. وكما سبق: العلم شجرة، والعمل ثمرة، فلا يمكن أن يحصل عمل صالح بغير علم. فأقوال الناس وأعمالهم موقوفة على العلم. وكما تقدم: أن العمل الصالح لا يكون صالحًا إلا بشرطين، فمعرفة هذين الشرطين وما يتعلق بهما، يفتقر إلى العلم افتقارًا عظيمًا. ولا يعني ذلك أن العلم هو المبلغ والمنتهى، لا، فالعلم وسيلة للعمل. فكما ينصح بالعلم والاعتناء به، كذلك ينصح بالعمل الصالح، ومنه الاعتناء بالعبادة، والاجتهاد في أصناف الطاعة، الفرائض ثم النوافل. وأحب ما يتقرب به إلى الله الفرائض، كما في الحديث القدسي: «وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضته عليه». فإذن ينبغي للمسلم أن يعتني بالعلم، ويعتني كذلك بالعمل. بل علامة صدقه في علمه أن يكون من أكمل الناس عملًا. ولهذا كان السلف الصالح أهل الشرف والإمامة، بلغوا تلك المبالغ العلية بكمال علمهم، وصدق عملهم المبرهن على صدقهم في العلم وأخذه. وأراد المؤلف، رحمه الله، أن يشير بهذا إلى أهمية العلم. ثم ذكر الآية التي ذكرها الإمام البخاري، رحمه الله، فهي دليل، كما قيل، أثري لذاك الدليل النظري. فلما بوب بقوله: «العلم قبل القول والعمل»، وهذا تعليل يفهم منه السامع والقارئ الحكمة في كون العلم لا بد منه قبل القول والعمل، أتبعوا بهذا الدليل: ﴿فاعلم أنه لا إله إلا الله واستغفر لذنبك﴾. قال: فبدأ بالعلم قبل القول والعمل. ومعناه أن أهم ما ينبغي يعتنى به العلم، ثم بعد ذلك العمل، حتى التوحيد لا يمكنك أن توحد الله عز وجل بجهل، بل لا بد لك من علم تستطيع به عبادة ربك وتوحيده على الوجه الذي يحبه سبحانه وتعالى ويرضاه. مع أن النفوس مفطورة على توحيد الله، لكن تفاصيل مباحث التوحيد تحتاج إلى علم. فإذا كان كذلك، فحياة الإنسان كلها تفتقر إلى علم. وكما تفتقر إلى علم، فكذلك لا يكمل هذا العلم إلا بالعمل، كما تقدمت الإشارة إلى هذا فيما سبق. فخلاصة هذا المبحث فيه التدليل للمسائل الأربع التي أشار إليها، رحمه الله تعالى. وفي هذا تذكير لكل عاقل وبصير أن يأخذ بأسباب النجاح، ويترك أسباب الخسارة، بالعمل بهذه المسائل الأربع، والاتصاف بها، والحرص على التواصي بذلك؛ لأن الله عز وجل أمر به، وديننا يدعو إليه. وهو كذلك لا يجد كل منصف إلا التسليم والإذعان للحق الذي تضمنته هذه المسائل. فأسأل الله عز وجل أن يوفقنا وإياكم لما فيه صالح العلم والعمل والدعوة والصبر على ذلك كله، وأن يجعلنا ممن يستمع القول ويتبع أحسنه، إنه ولي ذلك والقادر عليه. والحمد لله رب العالمين. شكرًا.