كتاب الإمارة  21

كتاب الإمارة 21

الدرس في كتاب الإمارة 21، باب قوله صلى الله عليه وسلم:إنما الأعمال بالنية وأنه يدخل فيه الغزو وغيره من الأعمال , باب فضل الغزو في البحر. ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

أهمية النية في قبول الأعمال

النية أساس قبول الأعمال وثوابها، وتفرق بين العبادة والعادة. تصحيح النية يؤثر على أجر الفرد.

فضل الأعمال الصالحة ونية الجهاد

تصحيح النية في الأعمال الصالحة مثل الهجرة والجهاد مهم، والنية الخالصة لله تعالى ترفع أجر الفرد. فضل الغزو في سبيل الله.

الرد على استدلالات خاطئة بخصوص الاختلاط

الرد على من يستدل بحديث أم حرام على جواز الاختلاط، والتوضيح أن هناك نصوصا محكمة تنفي الاختلاط وتدعو للتحفظ.

تحذير من تولية غير المؤهلين للمناصب الدينية

تحذير من تولية غير المؤهلين للمناصب الدينية، والشذوذات الفكرية لا تصدر عن العلماء الراسخين.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، صلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. قال المؤلف -رحمه الله تعالى-: باب قوله صلى الله عليه وسلم: «إنما الأعمال بالنية»، وأنه يدخل فيه الغزو وغيره من الأعمال. قال: حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إنما الأعمال بالنية، وإنما لمرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة يتزوجها فهجرته إلى ما هاجر إليه». قال: أخرجه البخاري في كتاب الأيمان والنذور، باب النية في الأيمان. قال: باب فضل الغزو في البحر. قال: حديث أنس بن مالك رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدخل على أم حرام بنت ملحان، فتطعمه، وكانت أم حرام تحت عبادة بن الصامت، فدخل عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأطعمته وجعلت تفلي رأسه، فنام رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم استيقظ وهو يضحك. قالت: فقلت: وما يضحكك يا رسول الله؟ قال: «ناس من أمتي عرضوا علي غزاة في سبيل الله، يركبون ثبج هذا البحر ملوكا على الأسرة، أو مثل الملوك على الأسرة». قالت: فقلت: يا رسول الله، ادع الله أن يجعلني منهم. فدع لها رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم وضع رأسه، ثم استيقظ وهو يضحك. قالت: فقلت: وما يضحكك يا رسول الله؟ قال: «ناس من أمتي عرضوا علي غزاة في سبيل الله -كما قال في الأول-». قالت: فقلت: يا رسول الله، ادع الله أن يجعلني منهم. قال: «أنت من الأولين». فركبت البحر في زمان معاوية بن أبي سفيان، فصرعت عند أبتها حين خرجت من البحر، فهلكت. قال: أخرجه البخاري بكتاب الجهاد والسير، باب الدعاء بالجهاد والشهادة للرجال والنساء. أورد المؤلف -رحمه الله- هذين البابين، وفيهما علاقة ظاهرة بكتاب الإمارة. أما الباب الأول؛ فلأن مسائل الإمارة تحتاج إلى تصحيح النية، فلهذا قال: باب قوله صلى الله عليه وسلم: «إنما الأعمال بالنية»، وأنه يدخل فيه الغزو وغيره من الأعمال؛ يعني مما يتعلق بإحكام الإمارة وغيرها من الأبواب والكتب الأخرى؛ فالأعمال جميعا تفتقر إلى نية. نية في صحة العمل؛ فإن من أعظم شروط قبول العمل الإخلاص، وذلك بصحة النية. وهكذا كذلك؛ لأن النية تميز بين العبادة والعادة، وبين العبادة من العبادة. فقد يكون خروج الإنسان في الغزو وغيره من أعمال الطاعات والبر على وجه العادة لا على وجه العبادة، إذا لم يصحح نيته ويحتسب الأجر. أو كذلك قد تكون أعظم من هذا؛ بأن تكون نيته ليست لله، كما تقدم في الباب الذي قبله. فلهذا، ولغيره؛ كانت مراعاة النية وتصحيحها من أهم الأمور. ثم ذكر حديث عمر رضي الله عنه، قد خرجه الإمام مسلم، وكذلك الإمام البخاري على قاعدته في الباب المشار إليه، وهو لفظه في الباب المشار إليه، وله ألفاظ كثيرة؛ أي هذا الحديث حديث النية. وقد قال البخاري -رحمه الله-: حدثنا قتيبة بن سعيد قال: حدثنا عبد الوهاب قال: سمعت يحيى بن سعيد قال: أخبرني محمد بن إبراهيم أنه سمع علقمة بن وقاص الليثي قال: سمعت عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول: فذكر الحديث بلفظه. وهذا الحديث فيه مسائل كثيرة، من أهمها هذه المسألة التي بواب عليها: أن النية تدخل في الغزو وغيره من الأعمال، ويحتاج إلى النية في أمور. ومن أهم هذه الأمور أولا: ما يتحقق به شرط صحة قبول العمل بتحقق الإخلاص، وذلك بتصحيح النية وعدم دخول ما ينافيها. وثانيا: في التمييز بين العبادة من العادة، والعبادة من العبادة؛ فالتمييز يحتاج إلى نية. كما أنك لو كنت تغتسل للتبرد وتغتسل لرفع الجنابة، احتجت إلى نية حتى ترتفع الجنابة. فلو وقعت عليك جنابة، ثم اغتسلت وأنت نويت بهذا الغسل التبرد، لم ترتفع الجنابة حتى تنوي. فإذا لم تنو، وجب عليك أن تعيد الغسل؛ كونك تغتسل لأجل التبرد لا يكفي لرفع الحدث. وهكذا كذلك كون الإنسان خرج مع أناس في عمل من أعمال الصالحة من أعمال هذا الباب -سواء الغزو أو الحراسة أو كذلك أن يكون في الساق أو غير ذلك- فإنه لو لم يكن عنده نية لصار العمل محبطا، ليس له فيه أجر؛ «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى». وهكذا الأعمال الصالحة الملتبسة بعضها ببعض، لابد لها من نية تميز بعضها عن بعض. وهذا يقع فيما يحصل فيه التشابه، مثل الصلوات تحتاج إلى نية؛ تنوي هذه راتبة الظهر أو العصر، إذا كنت تقضي أو هذه ظهر أو عصر إذا كنت جمعت في السفر أو في المرض ونحو ذلك. ومن مسائل هذا الحديث: وفي الحديث مسائل كثيرة، لكن يُقتصر على أهم هذه المسائل فيه؛ كذلك أن أجور الناس بحسب نياتهم، كما أن صحة الأعمال بحسب نياتهم. كذلك أجور الناس بحسب نياتهم. ولهذا قد يعمل العمل الواحد الكثير من الناس، ولكنهم لا يؤجرون أجرا واحدا، بحسب تفاوت نياتهم. وكذلك يتفاوت الناس في الأجور بحسب تفاوت إصابتهم للسنة. فمن عبد ربه جل وعلا في عبادة ما بإخلاص كامل، أو قريب من الكمال، ومتابعة كاملة أو قريبة من الكمال؛ كان له أجر كامل أو قريب من الكمال. ومن عبد ربه في عبادة ما بنية مخلوطة بنيات أخرى، وكذلك بعمل مليء بالجهل والغفلة؛ فإنه إنما يكتب له من الأجر بحسب ما كان معه من النية والموافقة للسنة. وهذا يفسر قوله عليه الصلاة والسلام: «وإنما لمرئ ما نوى»؛ أي في أصل العمل في قبوله وعدم قبوله، وكذلك في ثبوت الأجر؛ فالناس متفاوتون في الأجور بتفاوت النيات. وهذا يستدعي منا تصحيح النيات وتجديدها ومتابعتها بما تستوفى به الأجور. مثل الإحسان؛ قد يدخل الإنسان في أول ركعة من الصلاة بشيء من الإقبال والخشوع، وكذلك الإحسان. فإذا دخل في الصلاة واسترسل فيها؛ جاءته الخواطر وشغلته كذلك ربما الهموم، فينصرف عما ينبغي أن ينشغل به. فعند ذلك ينقص منه الأجر. ولهذا لا تكتفي باستحضار النية في أول العمل، بل ينبغي أن تلازم هذه النية العمل من أوله إلى آخره؛ حتى تستوفي الأجر. قد يكون العمل صحيحا، لكن هل الأجر كامل؟ هذا سؤال لابد أن تسأل نفسك فيه. ولهذا صح عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه يكتب للمصلي من صلاته نصفها وربعها وعشرها؛ يعني بحسب ما يستحضر قلبه فيها. وهذا يحتاج إلى تصحيح نية. وفيه كذلك فضل الهجرة في سبيل الله وإلى الله وإلى رسوله، وأنها من أعظم الأعمال الصالحة. ولهذا ذكر في هذا الحديث كونه يذكر دون سائر الأعمال؛ هذا يدل على عظيم فضله. وفيه كذلك أن الهجرة مع كونه من الأعمال الصالحة العظيمة؛ فهو يحتاج إلى تصحيح نية؛ لأن من الناس من يهاجر، ولكن ليس القصد من هجرته هو ما عند الله، وأنه يريد فضل الله وإقامة دين الله، ولكن له أغراض أخرى من الأغراض الدنيوية؛ قد تكون هجرته كما جاء في الحديث لأجل مرأة يتزوجها، أو دنيا يصيبها تجارة أو غير ذلك. فمن كانت هذه نيته؛ فله ما نوى؛ «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل مرء ما نوى». وفيه كذلك التحذير من مزاحمة الأعمال الصالحة بالنيات التي قد تبطلها أو تنقصها. وما ذكر ليس على وجه الحصر، ولكنه على وجه التمثيل؛ فخرج مخرج الغالب العام. وفيه كذلك من المسائل: التحذير من هذين المعنيين خصوصا؛ فإنهما كثيرا ما يزاحمان الأعمال الصالحة؛ يعني ما يكون من أمر الدنيا ومتاعها -سواء المال الدينار والدرهم أو العقار أو غير ذلك من أمور الدنيا- أو كذلك فتنة النساء؛ فإنها من أعظم ما قد يدخل به الشيطان على الإنسان فيحبط عليه بعض أعماله أو ينقصه من أجوره في أعماله. وصدق النبي صلى الله عليه وسلم -وهو الصادق المصدوق- إذ قال: «ما تركت فتنة أضر على الرجال من النساء». وقال عليه الصلاة والسلام: «اتقوا الدنيا واتقوا النساء». فذكر هذين المعنيين. وهنا ذكر هذين المعنيين؛ وهذا يدل على أن أكثر ما يحصل به الافتتان هو في هذين البابين؛ فليكن المسلم على حذر. الأعداء كثير والفتن كثيرة، لكن من أكثر ما يحصل به فتنة الإنسان ما يكون في هذين البابين. ولهذا ذكر مقترنتين؛ أي هاتين الفتنتين ذكرتان مقترنتين في مواضع كثيرة، ومنها هذا الحديث. وفيه كذلك عموم العمل بالنية في سائر أبواب الأعمال. ولهذا بواب البخاري في كتاب الأيمان والنذور: باب النية في الأيمان؛ يعني اليمين التي لم ينعقد في القلب عليها نية؛ فهو من اللغو المعفوع عنه؛ «لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم». فاللغو اليمين التي لم يعقد القلب عليها نية؛ إنما جرت على اللسان، ولم يكن في القلب لها نية؛ فهذا مما لا يؤاخذ عليه الإنسان. فإذا كان كذلك؛ فكذلك في الأعمال التي قد تصدر أو الأقوال خطأا لم يكن للقلب فيها نية؛ فلا يؤاخذ الإنسان على ذلك؛ مثل سبق اللسان. سوء إلى النبي صلى الله عليه وسلم عن الرجل يحلف بالله والعزة؛ الحلف بالله والعزة إذا كان عن اعتقاد كفر. لكن إذا كان سبق لسان؛ أمره نبي صلى الله عليه وسلم أن يقول: «لا إله، من حلف بالله والعزة فليقل: «لا إله إلا الله»»؛ كفارة لسبق لسانه؛ لأنه لم يخرج منه بنية، وإنما خرج سبق لسان. وفي الحديث الثاني حديث أنس -وهو قد أخرجه البخاري في الباب المشار إليه بلفظه- قال: حدثنا عبد الله بن يوسف قال: عن مالك عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة عن أنس بن مالك، فذكر الحديث بلفظه. ووجه دلالته على الباب ظاهرة؛ ففيه فضل الغزو في البحر؛ أي فيه فضل عظيم؛ وذلك؛ لأن فيه كذلك بلاء عظيم. وفي قوله عليه الصلاة والسلام: «ناس من أمة عرضوا علي غزاة في سبيل الله، يركبون هذا البحر ملوكا على الأسرة -إلى آخره-»؛ دليل على فضل الغزو في البحر؛ ففيه -كما قال بعض أهل العلم- زيادة فضل؛ لما فيه من زيادة شدة. وفيه مشروعية غزو البحر؛ وهذا هو المقصود في إرادة الكتاب الإمارة؛ مشروعية واستحبابه وفضل من عمله؛ فالحديث دل على هذه المسائل الثلاث. وفيه من المسائل كذلك: علم من أعلام نبوته، ودليل من دلائل صدق رسالته عليه الصلاة والسلام؛ إذ أخبر النبي عليه الصلاة والسلام بهذا الأمر الغيبي، فوقع بمثل ما أخبر. وهذا يدل على أنه رسول الله حقا وصدقا؛ فإن ذلك إنما هو بوحي الله، وعلم الله الذي علمه إياه عالم الغيب؛ فلا يظهر على غيب أحد إلا من ارتضى من رسول. وهكذا كذلك فيه -أي في هذا الحديث- من المسائل: فضل أم حرام بنت ملحان؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر فيه أنها ممن يخرج وينال هذا الفضل مع هؤلاء القوم. وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم الدعاء لهؤلاء الذين يغزون في البحر، ويفتح الله عز وجل عليهم. وفيه كذلك فضل معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه. ولهذا ذكر هذا الحديث في فضائله. وفيه رد على الرافضة الذين يطعنون في معاوية -خال المؤمنين- رضي الله عنه. وإن كان وقع منه شيء من الخطأ؛ فهو مغفور له في سابقته وصحبته رضي الله عنه. مع أن الكثير مما قد يرمى به كذب. وما صح عنه؛ فهو مما يسوغ فيه الاجتهاد؛ فهو فيه بين الأجر والأجرين. وإذا قدر أن هناك شيء قد تحقق خطؤه؛ فهو مغفور في سابقته وفضله. كما قيل: «الماء إذا بلغ القلتين لم يحمل الخبث». «الماء إذا بلغ القلتين لم يحمل الخبث». ولهذا قال عليه الصلاة والسلام: «لا تسبوا أصحابي». والحديث عام يشمل كل الصحابة -سواء العشر المبشرين بالجنة أو غيرهم- سواء المهاجرين أو الأنصار؛ «لا تسبوا أصحابي». فوالذي نفسي بيده؛ لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهبا؛ ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه؛ لعظيم فضلهم رضي الله عنهم أرضاهم. وهكذا كذلك في هذا الحديث من المسائل: رؤية الأنبياء، وأنها حق؛ ففيه أنه نام واستيقظ، فأري في منامه ما هو حق. فرؤية الأنبياء حق؛ كما صح عنه عليه الصلاة والسلام من أوجه كثيرة. وفيه كذلك من المسائل: مشروعية خروج النساء للغزو عند الحاجة إليهن، وحصول الأمن عليهن بحسبه. وإلا فلا شك عليهن مخاوف. وقد أخرج -وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم- يخرج من نسائه بالقرعة إذا خرج عليه الصلاة والسلام؛ يعني أحيانا. وفيه كذلك مشروعية ركوب المرأة البحر عند أمن الفتنة. وهذا مقيد بالنصوص الأخرى؛ فالسنة يفسر بعضها بعضا. والعلم يؤخذ من عمومات النصوص؛ لا من نص واحد. وفيه كذلك من المسائل: مسألة التبست على بعض الناس؛ وهو من المتشابه الذي ينبغي أن يرد إلى المحكم؛ وذلك كيف أن أم حرام بنت ملحان كان يدخل عليها النبي صلى الله عليه وسلم، فتطعمه وتفلي رأسه؛ يعني تنظر في شعر رأسه. فمن أهل العلم من أجاب بأن هذا قبل الحجاب. ومن أهل العلم من قال: بل بينهما معنى من معاني المحرمية. ومنهم من قال غير ذلك. وسواء عرف السبب أو لم يعرف؛ فهذا من المتشابه الذي يجب رده إلى المحكم. وعندنا من النصوص المحكمة في الكتاب والسنة ما تدل على وجوب التحفظ من المرأة الأجنبية؛ بعدم الخلوة بها، بل وعدم الدخول عليها، وعدم مصافحتها أو ملامستها. قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إياكم والدخول على النساء». وقال عليه الصلاة والسلام: «مجتمع رجل وامرأة؛ إلا وكان الشيطان ثالثهما». وقال عليه الصلاة والسلام: «إني لا أصافح النساء». وقال عليه الصلاة والسلام: «لأن يطعن أحدكم بمخيط في رأسه؛ خير له من أن يمس يد امرأة لا تحل له». وقالت عائشة رضي الله عنها: «ما مست يد رسول الله صلى الله عليه وسلم يد امرأة قط». وغير هذا من الأحاديث والأدلة الكثيرة. فهذه أحاديث محكمة واضحة بينة؛ كيف نلغيها ونعرض عنها؟ ثم يقول قائل -كما أثار ذلك بعض أهل الغفلة والجهل في أيام قريبة- بأن في هذا الحديث دليل على جواز مشروعية اختلاط الرجال بالنساء؛ بل وأن تفلي المرأة الأجنبية رأس الرجل الأجنبي! سبحان الله؛ كيف يجرأ مسلم أن يقول مثل هذا؟ وعنده من النصوص المحكمة في الكتاب والسنة ما ينافي ذلك. قال الله عز وجل عن تلك المرأتين في قصة موسى عليه الصلاة والسلام: وقد امتنعتا عن قربان الماء، وفيه من الرعاة من يسقي. قال موسى عليه الصلاة والسلام لهما: «ما خطبكما؟» قالتا: «لا نسقي حتى يصدر الرعاع، وأبونا شيخ كبير». ففيه دليل أنه ليس من دين الإسلام فقط؛ بل من دين الأنبياء قبل الإسلام؛ حرمت اختلاط النساء بالرجال. حرمت اختلاط النساء بالرجال؛ وأن المرأة محلها البيت. ولهذا اعتذرتا؛ فقالتا: «وأبونا شيخ كبير»؛ يعني لولا أن أبانا شيخ كبير؛ لما خرجنا من البيت. فسقى لهما. فلما أخبرتا أباهما بما صنع لهما؛ كان ما كان من استئجار موسى عليه الصلاة والسلام وتزويجه أحد الإبنتين على أن يخدمهم عشر حجج؛ أي عشر سنين. فالشاهد من هذا: نصوص الكتاب والسنة محكمة؛ فالواجب الرجوع إليها. وأما مثل هذا النص؛ فهو من المتشابه. وقد قال الله عز وجل: «فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه». وقال عن مثل ذلك: «وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم». فلا يجوز ترك المحكم وتتبع المتشابه؛ وإنما هذا صنيع الذين في قلوبهم مرض. بل القاعدة عند أهل العلم: ما وقع فيه الاحتمال؛ بطل به أو فيه الاستدلال. وهذا مما وقع فيه الاحتمال؛ محتمل أن يكون قبل الحجاب، محتمل أن يكون هناك معنى من معاني المحرمية بينهما أو غير ذلك. ولا يصح أن يعارض به النصوص الصحيحة المحكمة. نكتفي بهذا، والله تعالى أعلم. هل على المسلم إذا ذكر كلاما لأخيه، ثم يقول له: «هذا مجاز»؛ «مجاز يجوز»؟ أم يجب عليه أن لا يقول: «هذا كلام مجاز»؟ ماذا تريد بهذا؟ إن تريد به أنه مما يجوز؛ فهو ينظر؛ إن كان صحيح يجوز؛ فهو يجوز. وإن كان لا يجوز؛ فهو لا يجوز؛ بحسب الكلام الذي قلته. وإن أردت به من باب المجاز اللغوي الذي يذكره أهل البلاغة؛ فهذا غير صحيح؛ فهو مبحث خاطئ؛ ليس في الشرع ولا في اللغة ولا في العرف شيء يقال له: مجاز. يقول: لا يجوز أن يتلفظ الإنسان بالنية في الصلاة والصيام إلا في الحج والعمرة؛ أليس كذلك؟ الجواب: هكذا قال بعض أهل العلم: نعم. والصواب خلاف هذا؛ بل لا يجوز التلفظ بالنية -لا في الصلاة ولا في الصيام ولا في الحج ولا في العمرة-. وأما قول الحاج والمعتمر: «أهل بحج وعمرة» أو «أهل بعمرة»؛ ليس هو من التلفظ بالنية؛ وإنما هو من باب الدخول في النسك؛ مثل قول المصلي: «الله أكبر». فقول المصلي: «الله أكبر» هو تحريم الصلاة؛ كما قال عليه الصلاة والسلام: «تحريمها تكبير». فكذلك تحريم النسك؛ أن يقول الحاج أو المعتمر: «أهل بحج وعمرة» أو «أهل بعمرة». يقول: الذي أجاز الاختلاط وأفتى بأنه يجوز للمرأة الأجنبية أن تفلي رأس الرجل الأجنبي: سعد الغامدي. وهل سعد الغامدي من علماء أهل السنة؟ ليس سعد الغامدي القارئ؛ إنما رجل آخر غامدي. لا أذكر الآن هل هو سعد أو غيره؛ كان يعمل في هيئة الأمر بالمعروف في مكة. اسمه سعد. أيها طيب؛ فهو ليس سعد القارئ؛ وإنما هذا رجل آخر. أعلم أنه يعمل في هيئة الأمر بالمعروف، وذكر أحد الإخوان هنا أنه يعمل رئيسا لهيئة الأمر بالمعروف في مكة. وهذا من الفتنة والابتلاء؛ أن يتولى مثل هذه المناصب من ليس متمكنا في العلم وفي الدين؛ فلهذا تصدر منهم مثل هذه الشذوذات. وإلا فمثل هذه الشذوذات لا يمكن أن تصدر عن أهل التمكن والرسوخ في العلم وفي الدين؛ فالراسخون في العلم هم -بإذن الله- راسخون كذلك في الدين؛ لا تصدر منهم مثل هذه الشذوذات. وفي هذا عظة وعبرة؛ أن لا يمكن من مثل هذه المناصب إلا أهل الرسوخ. والله المستعان.