كتاب الإمارة  10

كتاب الإمارة 10

الدرس في كتاب الإمارة 10، باب الأمر بلزوم الجماعة عند ظهور الفتن وتحذير الدعاة إلى الكفر. ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

أهمية لزوم الجماعة وتحذير الدعاة إلى الكفر

يتناول هذا الفصل أهمية لزوم جماعة المسلمين وإمامهم عند ظهور الفتن، ويحذر من الدعاة إلى الكفر والخروج عن الجماعة. يستند إلى حديث حذيفة بن اليمان وابن عباس رضي الله عنهم.

مسائل ودلالات الحديثين النبويين حول لزوم الجماعة

يتناول هذا الفصل مسائل ودلالات الحديثين النبويين، مشيرًا إلى أهمية العلم والسؤال عنه، وتحذيرًا من الخروج على ولاة الأمور المسلمين، والأمر بلزوم جماعة المسلمين وإمامهم.

تحذير المسلمين من المشاركة في الفتن والقتال الداخلي

يُناقش هذا الفصل تحريم قتال المسلمين بعضهم البعض ويحذر من المشاركة في الفتن والخروج على ولاة الأمور، ويستشهد بأحاديث نبوية تُشير إلى خطورة هذه الأفعال وعواقبها الوخيمة.

  • 17 جمادى الأولى 1432هـ - 20/04/2011مـ
التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. قال المؤلف رحمه الله تعالى: باب الأمر بلزوم الجماعة عند ظهور الفتن وتحذير الدعاة إلى الكفر. قال: حديث حذيفة بن اليمان، عن أبي إدريس الخولاني، أنه سمع حذيفة بن اليمان يقول: كان الناس يسألون رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الخير، وكنت أسأله عن الشر، مخافة أن يدركني، فقلت: يا رسول الله، إنا كنا في جاهلية وشر، فجاءنا الله بهذا الخير، فهل بعد هذا الخير من شر؟ قال: نعم. قلت: وهل بعد ذلك الشر من خير؟ قال: نعم، وفيه دخن. قال: قلت: وما دخنه؟ قال: قوم يهدون بغير هدي، تعرف منهم وتنكر. قال: قلت: فهل بعد ذلك الخير من شر؟ قال: نعم، دعاة إلى أبواب جهنم، من أجابهم إليها قذفوه فيها. قلت: يا رسول الله، صفهم لنا. قال: هم من جلدتنا، ويتكلمون بألسنتنا. قال: قلت: فما تأمرني إن أدركني ذلك؟ قال: تلزم جماعة المسلمين وإمامهم. قال: قلت: فإن لم يكن لهم جماعة ولا إمام؟ قال: فاعتزل تلك الفرق كلها، ولو أن تعض بأصل شجرة حتى يدركك الموت وأنت على ذلك. قال: أفرجه البخاري بكتاب المناقب، باب علامات النبوة بالإسلام. قال: حديث ابن عباس، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: من كره من أميره شيئًا فليصبر، فإنه من خرج من السلطان شبرًا مات ميتة جاهلية. أورد المؤلف رحمه الله تعالى هذا الحديث، أو هذين الحديثين، وهذا الباب في سياق ذكره لأحكام الإمارة. فقال رحمه الله: باب الأمر بلزوم الجماعة عند ظهور الفتن وتحذير الدعاة إلى الكفر، أي: هذا مدخل في معرفة حكم الأمر بلزوم الجماعة عند ظهور الفتن، أي: أنه مما أمرت به شريعة، وتحذير الدعاة إلى الكفر، والمراد به الخروج عن الطاعة والجماعة المفضي إلى الكفر، كما سيأتي إن شاء الله. فأورد هذين الحديثين: حديث حذيفة بن اليمان، وابن عباس رضي الله تعالى عنهم، وفيهما مما يتعلق بمسألتي الباب دلالة ظاهرة. فحديث حذيفة في قوله عليه الصلاة والسلام: «تلزم جماعة المسلمين وإمامهم»، فقوله: «تلزم جماعة المسلمين وإمامهم» فيه الأمر بلزوم الجماعة، وكذلك أن لزوم الجماعة مع لزوم الإمام، وهو ولي الأمر. ولهذا فإذا لم يكن ولي أمر وتفرق المسلمون، أمر النبي عليه الصلاة والسلام أن يعتزل تلك الفرق كلها. وأما التحذير من الدعاة إلى الكفر، ففي قوله: «دعاة إلى أبواب جهنم، من أجابهم إليها قذفوه فيها»، فحذره من متابعة هؤلاء الدعاة. وفي قوله في آخر الحديث: «فاعتزل تلك الفرق كلها، ولو أن تعض بأصل شجرة»، لأن تلك الفرق تفرقت وتناحرت ومزقت الجماعة، فلذلك ليس أحد أولى من أحد، وكلها فرق تدعو إلى الكفر. والمراد بالكفر معاني كثيرة، إما الكفر الذي هو الكفر الأكبر المخرج من دين الإسلام، والمنافلة، وهذا يتوصل إليه بما يكون من التفرق والخروج عن الشرع، فيتدرج هؤلاء المتفرقون في فعل الكبائر ومخالفات الشريعة حتى يصل بهم الأمر إلى الكفر، والعياذ بالله، أي: الأكبر. وهذا يتحقق، فقد يكون ذلك بالتعاون مع الكافر وموالاته. فإن من مواضع الموالاة ما يكون كفرًا أكبر، ومنها ما لا يكون كفرًا أكبر. وقد نص العلماء أن موالات الكافر إذا كانت على حساب تسلط الكفر على الإيمان، بأن تكون كلمة الذين كفروا هي العليا، وكلمة الله هي السفلى، فإنها موالاة تقتضي الكفر الأكبر. وإن كان في كثير منها لا يوصل إلى الكفر الأكبر، لكن بهذا المعنى يفضي ويوصل إلى الكفر الأكبر. وقد نص شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله على هذه المعنى في بعض كتبه، وهكذا عن عدد من أئمة الدعوة في مسائل الموالاة، وأن منها ما يفضي إلى الكفر، ولا يعني ذلك أنها كلها تفضي إلى الكفر الأكبر، بل الكثير منها لا يفضي إلى الكفر الأكبر، بل كفر دون كفر. والله جل وعلا حين حذر المسلمين من الموالاة ناداهم من إداء الإيمان: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾، فمنادات المؤمنين بهذا النداء مع تحذيرهم من هذا العمل دل على أن ذلك العمل من لوازم الإيمان، ولكنه لا يخرج من الإيمان. وهكذا في قوله جل وعلا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِم بِالْمَوَدَّةِ﴾، فالشاهد: أن هذا التفرق عن الجماعة قد يفضي إلى الكفر الأكبر، وله صور كثيرة، ومنه هذا. وقد يفضي إلى ما هو كفر دون كفر، ومنه القتل، قتل المسلم، سماه الإسلام كفرًا، كما في حديث عبد الله بن مسعود في الصحيح: «سباب المسلم فسوق، وقتاله كفر»، سمى النبي صلى الله عليه وسلم القتال كفرًا. وقال عليه الصلاة والسلام: «لا ترجعوا بعدي كفارًا يضرب بعضكم رقاب بعض»، فسمى قتل المسلم لأخيه المسلم، وقتالهم مع بعض كفرًا، وهذا هو المعنى في هذا المقام. وحديث عبد الله بن عباس فيه كذلك الدلالة على المقصود بهذه الترجمة، في قوله: «فإنه من خرج عن السلطان شبرًا مات ميتة جاهلية»، ففيه الأمر بلزوم الجماعة وإمامهم، هو السلطان المسلم. وفيه التحذير من التفرق المفضي إلى الكفر، وعلى ما تقدم قد يكون كفرًا أكبر، وقد يكون كفرًا أصغر. ولهذا قال: «ميتة جاهلية». قالوا: سماه النبي صلى الله عليه وسلم جاهلية، ميتة جاهلية، تسميته ميتة جاهلية لا يعني ذلك أنه كفر أكبر على كل حال، ولكن لأنه شابه فعل أهل الجاهلية، فكان أهل الجاهلية أهل تفرق، وأهل تمزق، وأهل تناحر بعضهم مع بعض، إذ لم يكن لهم إمام ولا جماعة. ولذلك فالذي يخرج عن السلطان ويمزق الجماعة، إن مات مات وهو كذلك مات ميتة جاهلية. وقد تكون ميتته الجاهلية هذه مفضية إلى الكفر الأكبر، إن وقع منه ما يقتضي الكفر الأكبر. وقد تكون كفرًا دون كفر، وهو وقوعه فيما سماه الشرع كفرًا، كالقتل، وغيره من الكبائر. وعلى قاعدة المؤلف رحمه الله التبويب على ما بوّب به على صحيح مسلم، والحديث الأول أصله في البخاري في الباب المشار إليه. وعلى قاعدته فلفظه لفظ الإمام البخاري. وقد قال الإمام البخاري رحمه الله في الباب المشار إليه: حدثنا يحيى بن موسى، قال: حدثنا الوليد، قال: حدثني ابن جابر، قال: حدثني بسر بن عبيد الله الحضرمي، قال: حدثني أبو إدريس الخولاني، أنه سمع حذيفة بن اليمان، فذكر الحديث. وهكذا كذلك حديث ابن عباس أخرجه البخاري في الباب المشار إليه، فقال: حدثنا مسدد، قال: حدثنا عبد الوارث، عن الجعد، عن أبي رجاء، عن ابن عباس، فذكر الحديث بلفظه. وفي الحديثين مسائل كثيرة، من أهم هذه المسائل: فيه علم من أعلام نبوته، ودليل من دلائل صدق رسالته عليه الصلاة والسلام، إذ أخبر بهذه الأمور الغيبية، وبهذا التفصيل، فوقع بمثل ما أخبر عليه الصلاة والسلام. وهذا قليل من كثير من دلائل نبوة وصدق رسالته عليه الصلاة والسلام. وفيه كذلك من المسائل: أهمية العلم والسؤال عنه، وأنه سبب لتحصن المسلم من الفتن وغيرها. وفيه من المسائل: جواز السؤال عن الشر مخافة أن يقع فيه، وكما قال القائل: «عرفت الشر لا للشر، ولكن لأتقيه، ومن لا يعرف الشر من الخير يقع فيه». ولكنه يجب أن يضبط بالضوابط الشرعية، لأن منه ما يكون من الفضول المنهي عنه المفضي إلى زيغ القلوب وانحرافها. فالقلوب ضعيفة، والشبه خطافة، فليس من هذا الباب قراءة المبتدئ من طالب العلم في كتب أهل البدع والأهواء، واغتنائها، والسماع لأهلها، بحجة أنه يتعرف على الشر ليحذر منه. ولكن في هذا الباب يقال: اعرف الخير تحذر الشر، اعرف الحق تحذر الباطل. ولهذا كثرت الآثار عن سلف الأمة في التحذير من السماع والقراءة عن أهل الأهواء، لأن القلوب ضعيفة، والشبه خطافة. ويخطئ من يستدل بهذا الحديث على جواز القراءة في كتب أهل البدع والأهواء، والسماع منهم، حتى استدل بعضهم جهلا، ويدل ذلك على قلة التأصيل، والبعد عن الصفاء السلفي. استدل بعضهم على مشروعية كما زعموا القراءة على أهل البدع، والتعلم منهم، والاستفادة من كتبهم بحديث أبي هريرة في الصحيح مع الشيطان، حين قال له النبي عليه الصلاة والسلام: «صدقك وهو كذوب»، أي: في آية الكرسي. وهذا استدلال خاطئ وبعيد كل البعد عن الصواب، لأن النبي صلى الله عليه وسلم هو الذي علم أبا هريرة أنه صدق، فمن أين لأحد بغير هذا الطريق أن يعرف أن الشيطان قد صدق؟ وهكذا كذلك هدي السلف الصالح، وفيه من المسائل: التمهيد للسؤال بما يكون به إيضاح العلم والمسألة، وذلك يعين على الحصول على العلم، وذلك من قولي حذيفة: «يا رسول الله، إن كنا في جاهلية وشر، فجاءنا الله بهذا الخير، فهل بعد هذا الخير من شر؟» قال: نعم. وفيه كذلك التمهيد والإعذار والاعتذار لما يكره السؤال عنه، فإنه قدم هذا كالعذر للسؤال بمثل هذا السؤال، فيحسن لمن يسأل سؤال قد يساء به الظن أن يمهد له بشيء من الاعتذار. ومنه: «إن الله لا يستحي من الحق، فهل على المرأة من غسل إذا هي احتلمت؟» هذا من أدب السؤال، من أدب سؤال طالب العلم. وقل مثل ذلك في نظائر كثيرة يحتاجها طالب العلم. وهكذا كذلك فيه من المسائل: ما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم أن بعد ذلك الخير الذي كان عليه وصحابته رضي الله عنهم شر، وأنه كذلك يكون أناس يضلون الناس بأخذهم بغير هديه، يعرف منهم المسلم وينكر. ومع ذلك لم يأمر النبي صلى الله عليه وسلم بالمفارقة، يعني ما داموا على الإسلام. وتفسره وتفسره الأحاديث التي تقدمت معنا من الأمر بلزوم طاعة ولاة الأمور في غير معصية الله، يعني ولو كان منهم شيء مما يكره ويخالف الشرع. ويؤيده حديث ابن عباس بعده: «من كره من أميره شيئًا فليصبر». وفيه تحريم الخروج على ولاة الأمور المسلمين، والأمر بالصبر، لأن المفاسد المترتبة على الخروج أعظم من المصالح المرجوة، بل لو قيل: إنه دفع لمفسدة، فمفسدة الخروج أكبر من المفسدة الحاصلة الموجودة، وهذا بلا شك. وهكذا كذلك فيه: أن من أهل الإسلام من يكون داعيًا إلى جهنم من حيث لا يشعر أو يشعر. ويجهل بحال أمثال هؤلاء الكثير من المسلمين، لقوله عليه الصلاة والسلام: «دعاة إلى أبواب جهنم، من أجابهم إليها قذفوه فيها». وهؤلاء الدعاة قد يكونوا من المسلمين، وقد يكونوا من غيرهم، لكنهم «من جلدتنا ويتكلمون بألسنتنا»، يعني من العرب، ومن كذلك هذه القبائل المعروفة، ومن الناس الموجودون في زمنه عليه الصلاة والسلام. واستدل به بعض أهل العلم كذلك على جواز وقوع الكفر بعد الإسلام، خلافًا لمن زعم أنه لا يكون كفر في جزيرة العرب، فهذا ترده نصوص كثيرة، منها هذا الحديث. وفيه كذلك من المسائل: الأمر بلزوم جماعة المسلمين وإمامهم، كما تقدم. والجمع بين هذين الأمرين: الجماعة والإمام، والأحاديث في هذا المعنى كثيرة، لأنه لا جماعة إلا بإمام، لا جماعة إلا بإمام. وفي قوله: «وإمامهم» تأكيد لما تقدم وسبق في الأحاديث السابقة من شرطية الإسلام، وإقامة الصلاة. وفي قوله: «فاعتزل تلك الفرق كلها»، يعني إذا لم يكن هناك جماعة ولا إمام، تأكيد لما تقدم مما سبقت الإشارة إليه: أنه عند حصول التفرق والفتن، فعلى المسلم أن يعتزل تلك الفتن، ولو أن يعظ بأصل شجرة، تأكيد لاعتزاله للفتن. وفي حديث بسعيد: «خير مال المسلم غنم يتبع بها رؤوس الجبال ومواقع القطر، يفر بدينه من الفتن». وفي حديث ابن عباس معنى بعض المسائل التي تقدمت، وفيه الزيادة كذلك: ما سبق في الأحاديث السابقة من لزوم طاعة ولي الأمر المسلم، وإن وقع في شيء من المنكر أو الأثرة التي تكره. والمراد بالكراهة هنا: ما فوق كراهة التنزيه، بل كراهة التحريم، ليست كراهة النفس، فإن النفس قد تكره إنسانًا بغير حق، ولكن المراد بما كان من مخالفة الشرع. من كره من أميره شيئًا فليصبر، لما سبق وتقدم من أن مفسدة الخروج أعظم من مفسدة بقاء هذا المكروه من منكر أو إيثار واستئثار. وفي قوله: «شبرًا» كذلك فيه: أن الخروج عن السلطان ولو بشيء يسير وقليل يكون سببًا في الدخول في معنى الجاهلية. ولهذا حرم العلماء الخروج على السلطان، ليس بالسيف والسنان فقط، بل حتى بما يكون من الكلام، حتى ما يكون من الكلام، فإنه من الخروج على السلطان المحرم الذي لا يجوز. وهذان الحديثان في معنى هذا الباب من الأحاديث المتفق عليها. وفي معنى هذا الباب من أفراد الإمام مسلم: ما جاء عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، أنه قال عليه الصلاة والسلام: «من خرج من الطاعة، وفارق الجماعة، فمات مات ميتة جاهلية، ومن قاتل تحت راية عمية يغضب لعصبية أو يدعو إلى عصبية أو ينصر عصبية فقتل، فقتلة جاهلية، ومن خرج على أمتي يضرب برها وفاجرها، ولا يتحاشى من مؤمنها، ولا يفي لذي عهدها، فليس مني، ولست منه». وهذا حديث عظيم فيه معنى ما في هذا الباب. وقد انفرد بإخراجه الإمام مسلم، عن أبي هريرة رضي الله عنه. وهكذا كذلك: ممن فرد الإمام مسلم بإخراجه في هذا المعنى: حديث ابن عمر، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من نزع يدا من طاعة، فإنه يأتي يوم القيامة لا حجة له، ومن مات وهو مفارق للجماعة، فإنه يموت ميتة جاهلية». وهذا من زوائد مسلم كذلك في معنى هذا الباب. والذي قبله من زوائد مسلم كذلك في معنى هذا الباب. وفي هذين الحديثين مسائل كثيرة، وبعضها ما تقدم مما ذكر في الحديثين السابقين. وفي حديث أبي هريرة في قوله: «ومن قاتل تحت راية عمية يغضب لعصبية أو يدعو لعصبية إلى آخره، فقتل فقتلة جاهلية»، فيه دليل على أن الخروج عن الجماعة يلازمه في الغالب القتال تحت الرايات الجاهلية للعصبيات ولغير ذلك. ويلازمها في الغالب الطيش في القتل حتى يقتل البر والفاجر، ولا يتحاشى من المؤمن، وهذا من الكفر الذي تقدم معناه من معاني الكفر. وفي حديث ابن عمر، وفي حديث ابن عمر في قوله: «فإنه يأتي يوم القيامة لا حجة له»، يعني بخروجه عن الطاعة، ونزعه إياها. وأنه إن مات كذلك مات ميتة جاهلية، تأكيد لما تقدم في الأحاديث السابقة. هذا خلاصة ما يذكر في هذا الحديث، والله تعالى أعلم. هل يجوز لأحد أن يحجز المكان في الصف الأول بالعمامة، لعله أو الكتاب أو غيره، ثم يذهب يرجع قبيل الصلاة؟ الأصل لا يجوز هذا ما دام سيخرج من المسجد. أما إذا كان في المسجد فهو يجلس يتكيء على جدار، أو ذهب يتوضأ، أو ذهب يقرأ، يمشي وهو يقرأ، يذهب عن نفسه النعاس، كيوم الجمعة ونحوه، فهذا إن شاء الله جائز. وعلى مثل هذا المعنى تحمل بعض الآثار المروية في هذا الباب. ومنه ما إذا كان لدفع مفسدة، وهو ألا يصلي خلف الإمام من ليس بأهل، إذا كان قد يحصل مشقة في انتظار الإمام مع سرعة مسابقة الناس لوقوفهم خلف الإمام، فدفعًا لهذه المفسدة لا بأس أن يحجز مكان خلف الإمام حتى لا يأتي السفهاء وغيرهم خلف الإمام، ليلني منكم أولو الأحلام والنهى. مع أن المطلوب هو مسارعة أولو النهى وتبكيرهم لمثل هذا المكان. ما هو موقف أهل السنة مما يجري في ليبيا؟ وهل من نصيحة في ذلك؟ كثر السؤال عن هذا المعنى، فقد جاءت أسئلة كثيرة عبر الشبكة، وكذلك في بعض الاتصالات الهاتفية من دول شتى، بعض الإخوة من أوروبا، وبعضهم من الجزائر، وبعضهم من ليبيا، وغيرها، خصوصًا وقد بلغني وسمعت من سؤال هؤلاء الإخوة: ما حصل من تفرق بين الإخوة بسبب ما يجري هناك. ولا ينبغي أن يجري تفرق، الواجب على المسلم في مثل هذه الفتن أن يعتزل هذه الفتن، ويفر بدينه كما أوصى النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وقد قال عليه الصلاة والسلام في التحذير والمبالغة في التحذير من الفتن التي تكون في آخر الزمان: «القاعد فيها خير من القائم، والقائم خير من الماشي، والماشي خير من الساعي». وأمر أن من وجد ملاذًا أو معادًا فليلذ به. وسمعتم حديث بسعيد رضي الله تعالى عنه في قوله عليه الصلاة والسلام: «يوشك أن يكون خير مال المسلم غنم يتبع بها رؤوس الجبال ومواقع القطر، يفر بدينه من الفتن». فلا يجوز للمسلم أن يخوض ويشترك في هذه الفتن، بل الواجب عليه أن يجتنب هذه الفتن، ويفر بدينه، يذهب إلى الصحراء، يذهب إلى رؤوس الجبال، يفر بدينه من الفتن. ولا يجوز له أن يخوض في هذه الفتن بما يكون به هلاكه وذهاب دينه، فضلًا عما يكون من ذهاب دنياه. لو كان الأمر ذهاب الدنيا فقط ربما كان الأمر أخف، لكنه دنيا ودين، لا دنيا ولا دين. كونك تقتل المسلمين وتشارك في قتل المسلمين هذا أمر ليس بالسهل. وتعرفون حرمة دماء المسلمين في ديننا، والله جل وعلا يقول في كتابه الكريم: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَن يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً﴾، المؤمن الحقيقي لا يمكن أبدًا أن يقتل مؤمنًا متعمدًا، بل إن وقع فهو يقع على وجه الخطأ. ولهذا قال بعدها في آخر الآيات: ﴿وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾. ومن المؤسف أن نسمع أن بعض إخواننا السلفيين قد شاركوا في هذه الفتنة، فصار بعضهم في هذا الطرف، وبعضهم في هذا الطرف، بعضهم مع هذه الفئة، وبعضهم مع هذه الفئة، وهذا حرام، لا يجوز، لا يجوز للمسلم أن يقتل أخاه المسلم. وهذه فتنة عظيمة، الواجب على المسلم أن يجتنبها، ولا يخفى علينا ما في الصحيحين كذلك من أحاديث في هذا الباب. قال النبي صلى الله عليه وسلم كما في حديث أنس: «أكبر الكبائر الإشراك بالله، وقتل النفس التي حرم الله، وعقوق الوالدين». وذكر بعده في حديث حذيفة قول الزور، ومعناه في البخاري من حديث عبد الله بن عمر: ذكر اليمين الغموس. والشاهد: قتل النفس من أكبر الكبائر، ثن به النبي صلى الله عليه وسلم بعد الإشراك بالله لعظم أمره. وفي حديث عبد الله بن عمر: بعد الشرك، وعقوق الوالدين. وصح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «كل ذنب عسى الله أن يغفره إلا الشرك، وقتل المؤمن». هكذا جاء من حديث البراء عند النسائي بإسناد حسن. وجاء في حديث معاوية رضي الله عنه أنه قال: «إلا الكفر، أو إلا أن يموت الرجل كافرًا، وأن يقتل مؤمنًا متعمدًا، وأن يقتل مؤمنًا متعمدًا». فلا يجوز للمسلم أن يقتل مسلمًا متعمدًا، فإن ذلك من أعظم الذنوب والمعاصي. وقد سماه النبي صلى الله عليه وسلم كفرًا، كما مر معنا في حديث ابن مسعود في الصحيح: «سباب المسلم فسوق، وقتاله كفر». وقال عليه الصلاة والسلام كما في الصحيح في أحاديث كثيرة عن عدد من الصحابة، وهو يحذر من قتل المسلمين بعضهم بعضًا: «لا ترجعوا بعدي كفارًا يضرب بعضكم رقاب بعض». ويقول النبي صلى الله عليه وسلم كذلك: «الدنيا أهوى عند الله من قتل نفس المؤمن»، أو كما قال عليه الصلاة والسلام. وهكذا كذلك جاء في حديث عبد الله بن عمر في البخاري وغيره: أن من قتل معاهدًا أو معاهدًا لم يرح رائحة الجنة، وإن رائحتها لتبعد أربعين عامًا، أو قال: أربعين خريفًا. فإذا كان هذا نفس المعاهد، فكيف بالمؤمن؟ فالمؤمن أشد وأشد. فلذلك ننصح إخواننا سواء في ليبيا أو في غيرها أن يحذروا من هذه الفتن التي ثمرتها سفك الدماء، دماء المسلمين، وفيها ما لا يخفى من المفاسد والشر الكثير التي تضر بالمسلمين في أمر الدين والدنيا، خصوصًا أن ذلك في الحقيقة لا يرجع على المسلمين بخير. بل لو كان بين مسلمين كل يدعو براية، يعني لو كان هناك أئمة ينتسبون إلى الإسلام، فقتال أولئك لدنيا، فلا يجوز لمسلم أن يشترك في قتال الدنيا. وما أحسن تلك القصة التي رويت بإسناد حسن في جاءت فيما أذكر عنده بيعلى وغيره، وذكرها الحافظ ابن حجر في المطالب العالية في زوائد المسانيد الثمانية. من طريق عامر الشعبي أنه قال: لما قاتل مروان الضحاك بن قيس، أرسل إلى أيمن بن خريم، أرسل إليه يريد أن يقاتل معه، فقال له: «إن أحب أن تقاتل معنا»، فقال أيمن بن خريم: «إن أبي وعمي شهدا بدرًا، وقد عهد إلي أن لا أقاتل أحدًا يشهد أن لا إله إلا الله». ويروى أنه مرفوع: «أن النبي صلى الله عليه وسلم عهد إليهما»، فعهد إليه أن لا يقاتل أحدًا يشهد أن لا إله إلا الله. قال أيمن بن خريم لمروان: «فإن جئتني ببراءة قاتلت معك». ويروى: «فإن جئتني ببينة قاتلت معك». فقال له مروان: «اذهب». ووقع فيه وشتمه، فأنشىء أيمن بن خريم تلك الأبيات التي صار يرددها العلماء: لست بقاتل رجلا يصلي على سلطان آخر من قريشي له سلطانه وعلي إثمي ما عاد الله من جهل وطيشي أأقتل مسلما في غير شيء فلست بنافعي ما عشت عيشي. ومعناه: كيف أقاتل مع إنسان لأجل ملكه، ويكون ثمرة ذلك ذهاب ديني، يكون ثمرة ذلك ذهاب ديني، فلا يجوز للمسلم أن يشارك في هذه الفتن، ويكون من حطبها، ومن من يشعل نارها، فإنه لو فعل ذلك لم يلحقه إثمه فقط، بل وإثم من أضل، بل وإثم من أضل. وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «ومن سن سنة سيئة، فعليه وزرها، ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة، لا ينقص ذلك من أوزارهم شيئًا». وقال عليه الصلاة والسلام في الحديث الآخر: حديث أبي هريرة «ومن دعا إلى ضلالة، فعليه من الوزر مثل وزر من دعا، لا ينقص ذلك من أوزارهم شيئًا». وهو في صحيح مسلم، والأول في صحيح مسلم من حديث جرير. وهكذا في حديث ابن مسعود: «ما من قتيل يقتل، إلا والابن آدم الأول كفل»، يعني وزر ونصيب من الوزر يحمله بسبب ابتدائه سنة القتل. فأنت يا من تنتسب إلى السنة، حين تقاتل في هذه المقتلة العمياء، وقد سمعتم الأحاديث في هذا الباب، فأنت تسن سنة سيئة. وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم كما في حديث أبي هريرة الذي تقدم معنا في صحيح مسلم: «ومن قاتل تحت راية عمية يغضب لعصبية أو يدعو لعصبية أو ينصر عصبية فقتل، فقتلة جاهلية، ومن خرج على أمة يضرب برها وفاجرها، ولا يتحاشى من مؤمنها، ولا يفي لذي عهدها، فليس مني، ولست منه». والأحاديث في هذا الباب كثيرة. وسمعنا كذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم لحديث حذيفة حين قال له: «فإن لم يكن لهم جماعة ولا إمام»، قال: «فاعتزل تلك الفرق كلها، ولو أن تعض بأصل شجرة حتى يدركك الموت وأنت على ذلك». فالواجب على المسلم أن يجتنب هذه الفتن. ثم ها هنا لفتة: أن الواجب على المسلمين أن يحرصوا على الاجتماع والجماعة تحت ولاة أمورهم، ما دام مسلمين مؤمنين، ما دام مسلمين مؤمنين. فمن علم أنه مسلم من ولاة الأمور، لا يجوز الخروج عليه كما تقدم، لأن الخروج عليه مفسدة أعظم من المفسدة الموجودة، حتى لو وجد المنكر، حتى لو وجد الظلم. فقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم في الأحاديث الصحيحة الكثيرة بالصبر، لأن المفسدة المترتبة على الخروج أعظم من تلك المفسدة الموجودة، فضلًا أن يدعى أنه أفضل من المصلحة. ولهذا أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالصبر على جور الولاة في الأحاديث الكثيرة: «إنكم ستلقون بعد أثرة، فاصبروا حتى تلقون على الحوض». حديث سعد بن أبي وقاص في الصحيحين. وهكذا كذلك حديث ابن عباس في الصحيحين: «من كره من أميره شيئًا فليصبر، فإنه من خرج من السلطان شبرًا مات ميتة جاهلية». وأحاديث كثيرة في الصبر على جور السلطان، ما دام مسلمًا، لم ير كفرًا بواحًا، وما أقام الصلاة، فالواجب البقاء على هذا الاجتماع. فإن التفرق فيه شر كثير، من سفك الدماء، وانتهاك الأعراض، وانتهاب الأموال، وتسلط الأعداء. ولهذا فالأعداء قد يختلقون الذرائع في خروج الولاة، في خروج الشعوب على ولاة أمورهم، كما يحصل في أيامنا هذه. فإن أعداءنا يثيرون فتنًا يريدون منها التسلط على الشعوب المسلمة، ويساعد على ذلك بعض المنافقين والجاهلين والغافلين من المسلمين. فيكون بذلك الشر في المجتمعات المسلمة، يكون الشر في المجتمعات المسلمة، حتى حصلت هذه الفتن التي نسمع بها ونراءها، وأكثرها إن لم تكن كلها من صنيع أيدي الكافرين الماكرة. فالحذر الحذر عباد الله من أن نحقق أهداف الكفار فيما يقع في بلادنا. ولا أدل على ذلك ما تعين عليه بعض وسائل الإعلام المتابعة لتلك الدول الكافرة فيما فيه إثارة الفتن والكذب والغش، وإثارة كذلك التهييج والفوضى، حتى سمّوا هذه الفتن التي تجري في المجتمعات سمّوها: «ربيع الثورات العربية». نعم، بهذا القيد: «ربيع الثورات العربية». انظر مدى المكر الذي يطمع به أعداؤنا فينا. وانظروا إلى ما وقع في ليبيا من هذا التدخل العسكري الذي يزعم أنه لأجل المحاضرة على حقوق الإنسان، وطلب الحرية، وغير ذلك من الدعاوى الكاذبة. لماذا لم يحصل هذا في فلسطين، والعزل من المسلمين في فلسطين يرمون بطائرات اليهود، مزامنة مع هذه الأحداث التي تجري اليوم في الساحة؟ لماذا لم يتدخل قوى الأمن والمحافظون على السلام كما زعموا؟ لكنهم يكيلون بمكيالين. يطمعون في أشياء في بلاد المسلمين بهذه الحجج والذرائع الكاذبة الماكرة. فكيف بعد هذا يجوز لمسلم يقاتل مع هؤلاء الكافرين ضد المسلمين؟ ونتعجب من موقف بعض الثوريين ودعاة الحزبيين في هذا الزمان، وفي هذه الأيام. فنجدهم يجيزون مقاتلة المسلمين مع هؤلاء الكافرين ضد المسلمين. كتلك الفتاوى التي تصدر عن بعض أولئك الدعاة الحركيين. وهذا أمر عجيب، بالأمس لم يستفصلوا في قضية الموالاة، واتهموا علماءنا ومشايخنا بأنهم «علماء سلطان»، حين أفتوا بجواز الاستعانة بالكفار لدفع شر بضوابط شرعية، واجتهادات يجيزها العلم، حتى زعموا أن ذلك كفرًا، إلى آخر ما قالوا. واليوم هم يأتون بما هو أعظم من ذلك شرًا. هؤلاء الكفار الذين أحرقوا بلاد ليبيا حرقًا، وقتلوا المدنيين، وليس فقط العسكريين، حتى ذكرت بعض وسائل الإعلام الكافرة، فضلًا عن غيرها من تلك المجازر التي تقع في تلك البلاد. الشيء العجيب: تأتي الطائرات فتضرب المدنيين، ثم تأتي سيارات الإسعاف للإنقاذ، فتضرب مرة أخرى من قبل تلك الطائرات الكافرة. حتى دمروا الشعب وأحرقوا البلاد بحجة المحافظة على المدنيين، ولكن المقصود هو إتلاف خيرات المسلمين، والتسلط على هذه الشعوب. وبماذا؟ وبأموال هذه الشعوب. ولعل بعضكم ممن يتابع هذه الأخبار يقرأ ويجد ويسمع ما يذكر في هذا الباب. فذكروا أن ما أخذته أمريكا في عشرة أيام، أو ما احتسبته على بلاد ليبيا أكثر من خمسمائة وخمسين مليون دولار من خيرات ليبيا. تحرق ليبيا بخيراتها، تدمر