كتاب الإمارة  9

كتاب الإمارة 9

الدرس في كتاب الإمارة 9، باب الأمر بالصبر عند ظلم الولاة واستئثارهم . ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

وجوب الصبر على ظلم الولاة وعدم الخروج عليهم

يؤكد على أهمية الصبر عند ظلم الولاة وعدم الخروج عليهم طالما يقيمون الصلاة، مع التشديد على لزوم الطاعة وعدم جعل الظلم مبرراً للخروج. يُبين أهمية المحافظة على الجماعة والطاعة.

إثبات الحوض وصفاته وتحذير من تولي الولايات الكبيرة

يشرح حديث النبي حول اللقاء على الحوض ويبين دلالته على نبوته، كما يحذر من تولي الولايات الكبيرة لما فيها من أمانة ومسؤولية عظيمة يوم القيامة.

تحذير من تضييع الأمانات وبيان فضل الأنصار

يُحذر من تضييع الأمانات ويبين خطورتها يوم القيامة، ويشير إلى فضل الأنصار وأجرهم عند الله تعالى، مع التأكيد على أهمية الصبر والطاعة.

حدود السمع والطاعة في الاستطاعة

يُبين أن السمع والطاعة تكون في حدود الاستطاعة كما جاء في الأحاديث النبوية، ويشير إلى أهمية الالتزام بهذا المبدأ في مواجهة التحديات.

  • 17 جمادى الأولى 1432هـ - 20/04/2011مـ
التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، صلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم. قال المؤلف رحمه الله تعالى: باب الأمر بالصبر عند ظلم الولاة واستئثارهم. قال: حديث أسيد بن حضير أن رجلا من الأنصار قال: يا رسول الله، ألا تستعملوني كما استعملت فلانا؟ قال: «ستلقون بعدي أثرة، فاصبروا حتى تلقوني على الحوض». قال: أخرجه البخاري بكتاب مناقب الأنصار، باب قول النبي صلى الله عليه وسلم للأنصار: «اصبروا حتى تلقوني على الحوض». أورد المؤلف رحمه الله تعالى هذا الباب والحديث في سياق ذكره لإحكام الإمارة، فقال: باب الأمر بالصبر عند ظلم الولاة واستئثارهم، أي: من أحكام الإمارة الصبر على ظلم الولاة وما يكون من استئثارهم وعدم الخروج عليهم ونزع يد الطاعة، فإن معنى الصبر هو لزوم الطاعة والجماعة وعدم الخروج عليهم. وأورد حديث أسيد بن حضير، وعلى قاعدته فاللفظ لفظ الإمام البخاري، وقد أخرجه في الموضع المشار إليه، فقال رحمه الله: حدثنا محمد بن بشار قال: حدثنا غندر قال: حدثنا شعبة قال: سمعت قتادة عن أنس بن مالك رضي الله عنه عن أسيد بن حضير، فذكر الحديث بلفظه. وفي الحديث مجموعة من المسائل، من أهم هذه المسائل ما دل عليه التبويب، وهو ما بوب به على أحاديث صحيح مسلم، فإن في هذا الحديث الأمر بالصبر عند ظلم الولاة واستئثارهم. فإن من عقيدة أهل السنة والجماعة ومنهجهم، كما دلت عليه أدلة الكتاب والسنة، وكان عليه فهم سلف الأمة، الصبر على ظلم الولاة واستئثارهم ما داموا مسلمين يقيمون الصلاة. وهذا الصبر على هذا الظلم واجب، وليس مستحب، ومخالفته محرمة، وليست مكروهة، فهو من الصبر الواجب، حتى لا يقولن قائل: إنما ذلك على وجه الاستحباب، بل ذلك على وجه الوجوب؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر به في الأحاديث الكثيرة، والأصل في الأمر للوجوب. فقوله: «فاصبروا حتى تلقوني على الحوض»، أمر يقتضي الوجوب، ومن خالفه فهو عاص لله ورسوله عليه الصلاة والسلام. وكذلك هذا الظلم حده ألا يكون كفرا، فمهما كثر الظلم أو زاد، فإنه يؤمر المسلم بالصبر، كما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أن المسلم يصبر، حتى وإن جلد ظهره وأخذ ماله. فإن أخذ مالك وجلد ظهرك تصبر، والحديث وإن كان تكلم فيه بعض أهل العلم من جهة السند، لكن معناه صحيح، تؤيده عمومات ونصوص كثيرة، فلا يجوز للمسلم أن يجعل الظلم ذريعة للخروج على الحاكم المسلم، بل يجب عليه أن يصبر مهما كان هذا الظلم ما دام مسلما ويقيم الصلاة. فيجب الصبر، ويجب كذلك لزوم الجماعة والطاعة. وهكذا فيه من المسائل: علم من أعلام نبوته، ودليل من دلائل صدق رسالته عليه الصلاة والسلام، إذ أخبر عن أمر غيبي فوقع بمثل ما أخبر عليه الصلاة والسلام، وجاءت أحاديث كثيرة تدل على هذا المعنى، وتقدم معنى بعضها في الباب الذي قبله. وفي قوله عليه الصلاة والسلام: «حتى تلقوني على الحوض»، فيه كذلك أن موعد التمييز بين المسلمين الحوض، فكل من خرج عن هديه عليه الصلاة والسلام وسنته وطريقته، فإنه يطرد من الحوض، كما جاءت به الأحاديث الصحيحة عنه عليه الصلاة والسلام. فإنه يقول لأقوام يعرفهم بأشخاصهم: أصحاب أصحابي، ولأقوام يعرفهم بصفات المؤمنين علامات الوضوء: أمتي أمتي، تطردهم الملائكة، وهو ينادي: أمتي أمتي، أصحاب أصحابي، فتقول له الملائكة: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك، إنهم غيروا وبدلوا. وهذا هو المناسبة في ذكر هذه الجملة: «فاصبروا حتى تلقوني على الحوض»، ومعنى من كان مظلوما فالله سيخلف له بخير، إن لم يكن في الدنيا ففي الآخرة، ومن كان ظالما فالله سيتولى أمره، إن لم يكن في الدنيا ففي الآخرة. ولهذا قال في الحديث الذي قبله: ﴿فإن الله سائلهم عما استرعاهم﴾، وتقدمت معنا الأحاديث بهذا المعنى. وهكذا فيه إثبات الحوض المورود للنبي عليه الصلاة والسلام، وقد جاءت أحاديث كثيرة في وصف هذا الحوض الذي ماؤه أبيض من اللبن، وأحلى من العسل، وآنيته كعدد نجوم السماء، مسيره شهر، وعرضه مثل ذلك. من شرب منه شربة لم يظمأ بعدها أبدا، نسأل الله عز وجل ألا يحرمنا من الشرب من هذا الحوض، اللهم آمين. وقد صحت به أحاديث كثيرة فيها تفاصيل، منها حديث أبي ذر، حديث عبد الله بن عمر، وهو من أصح الأحاديث وأشهرها وأكثرها وصفا للحوض، وغيرها من الأحاديث الكثيرة الصحيحة. ومنها هذا الحديث، ففيه إثبات الحوض، وقد ذكر بعض أهل العلم أن حديث إثبات الحوض بلغت حد التواتر. وفيه من المسائل كذلك عدم استعمال من سأل العمل، كما تقدم معناه في الأبواب المتقدمة. وفيه من المسائل كذلك صرف السائل عما أراد بما لا يكون فيه الإشقاق عليه، وما يكون به الرفق به، فالنبي صلى الله عليه وسلم لم يقل له: لا، ولكن قال: «ستلقون بعدي أثرة، فاصبروا حتى تلقوني على الحوض»، ومعناه أنه صرفه عما طلب بهذه الجملة، إذ أراد له السلامة، كأنه يقول: أنا لا أستعملك أريد لك السلامة في دينك. وفي هذا دليل كذلك على التحذير من تولي مثل هذه الولايات والمسؤوليات، فإنها أمانة، وإنها يوم القيامة حسرة وندامة، كما صح معناه عن النبي عليه الصلاة والسلام، فالمسألة ليست مسألة سهلة هينا، بل أمرها عظيم. إذا كان المسلم يشق عليه أن يسأل عن أمانته الخاصة فيما يتعلق بنفسه، يرجو أن يخرج من هذه الدنيا كفافا لا له ولا عليه، فكيف بأمانات أمة من الناس تتعلق بعنقك، يأتون يوم القيامة وهم يشكونك ويتظلمون منك؟ فإن هذا الأمر ليس بالسهل. وهذا الحديث كذلك فيه فضل الأنصار، ولهذا ذكره الإمام البخاري رحمه الله في كتاب مناقب الأنصار، وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر الأنصار أن يصبروا حتى يلقوه على الحوض، ففيه الوعد لهم بأنهم سيلاقونه في الحوض، فهم من أهل الجنة، وهم من أهل الحوض المورود الذي لا يرده إلا الناجون. فلا يرد الحوض إلا الناجون الذين ينجون من العذاب، بنص الأحاديث الكثيرة التي وردت في هذا الباب. وفيه كذلك أن من أسباب السلامة والنجاة ترك مثل هذه المسؤوليات؛ لأنها من مضان عدم السلامة وعدم النجاة. وقد جاء معنى هذا الحديث في صحيح مسلم من حديث عبد الله بن الزيد رضي الله تعالى عنه وأرضاه، في قصة طويلة فيما وقع يوم حنين، حين قسم النبي صلى الله عليه وسلم، فتألف بعض الأعراب، فقال الأنصار مقالة، فبلغت النبي صلى الله عليه وسلم، فجمعهم، والحديث طويل، فقال فيه ما قال، ومنها قال في آخره: «إنكم ستلقون بعدي أثرة، فاصبروا حتى تلقوني على الحوض». وهكذا كذلك مما يناسب ذكره في هذا الباب، وفيه معنى هذا الباب، ما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم كذلك في صحيح مسلم من حديث سلمة بن يزيد الجعفي، أنه سأل النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، أرأيت إن قامت علينا أمراء يسألون حقهم ويمنعون حقنا، فما تأمرنا؟ فأعرض عنه النبي صلى الله عليه وسلم، ثم سأله فأعرض عنه، ثم سأله فأعرض عنه حتى كان في الثانية أو الثالثة، شك الراوي، جذبه الأشعث بن قيس -يعني: جذبا سلمة بن يزيد الجعفي- وعندها قال النبي صلى الله عليه وسلم: «اسمعوا وأطيعوا، فإنما عليه ما حمل، وعليكم ما حملتم، اسمعوا وأطيعوا، فإنما عليه ما حمل، وعليكم ما حملتم». ففيه الأمر بلزوم الطاعة، السمع والطاعة في كل الأحوال ما دام مؤمنا مسلما يقيم الصلاة ولا يظهر الكفر البواح. ومعنى قوله: «فإنما عليه ما حمل»، يعني: من الأمانة، «وعليكم ما حملتم»، يعني: من السمع والطاعة، ولزوم الجماعة، هذا المعنى. وهكذا في معنى أحاديث هذا الباب ما تقدم من حديث عبد الله بن مسعود، وطرفا من حديث أبي هريرة في الباب الذي قبله، وما تقدم معنى كذلك من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنه وأرضاه، فإنه يدل على هذا المعنى. وكذلك مر معنى في حديث ابن عمر، ومعنى في أحاديث كثيرة: أن السمع والطاعة في حدود الاستطاعة، في حدود الاستطاعة. وفي الصحيح البخاري أن عبد الله بن عمر بن الخطاب كتب إلى يزيد بن معاوية حين وقع ما وقع في المدينة يوم الحرة، وكتب بالبيعة والطاعة عن نفسه وعن أهل بيته فيما استطاعوا.