الدرس في الدرة البهية شرح القصيدة التائية 19، الدرس التاسع عشر:من( وحجة محتج بتقدير ربه*يزيد عذابا كاحتاج مريضة ... فإن الاعتذار يهون عليه كل ذنب كما هو مشاهد ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
المحتج بتقدير ربه يزيد عذابا لأنه عمل جرمين: فعل الذنب واحتجاجه بالقدر كذبا. هذا الفعل يضاعف العقاب لأنه ينكر الحق ويجادل بالباطل.
الاستدلال بالقدر على المعاصي لا يبرر الخطأ ويشبه بالعامل الذي يخفق في امتحانه ثم يحتج بمعرفته مسبقا بخيانته. هذا الاعتذار يهون على الإنسان ارتكاب المعاصي ويجعله مستمرا فيها.
هذا العمل يضر بصاحبه في الدنيا والآخرة ويتنافى مع جميع الأديان السماوية. يؤدي إلى نتائج باطلة مثل تصحيح الباطل ومدح الأشرار ومعانقة الظالمين.
الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. قال رحمه الله: وحجة محتج بتقدير ربه يزيد عذابا، كاحتجاج مريضة. قال: وذلك لأنه عمل في الحقيقة جرمين، بل ثلاثة. أحدهما فعله للدم، ثانيا احتجاجه عليه بالقدر، وهو كذب، فإن مضمون الاحتجاج بالقدر يعني أن الله اضطره وألجاه إليه وأكرهه عليه، وهو لا يريد الذم، وهو كذب صريح، فإن الله مكنه من الترك، بل فتح له كل باب يصده عن الذم. وقد أبت نفسه الأمارة بالسوء إلا أن توقعه في الدم، فالملام عليه لا على ربه. ومر معنا فيما ذكره أهل العلم من باب تقريب المعنى، ولله المثل الأعلى، فيما إذا كان لرب عمل - أي صاحب عمل - عاملان في عمله، وأراد أن يمتحنهما، فقال: فلان سيثبت في الامتحان - أي سيكون أمينا - وفلان لن يثبت في الامتحان - أي سيكون خائنا - فوقع الامتحان على مثل ما قد تخرصه، وغلب على ظن صاحب العمل لخبرته، ولمعرفته لحال هذين العاملين. فإذا احتج هذا الذي فشل في امتحانه على خيانته بكون صاحب العمل قد أخبر سابقا أنه سيفشل في امتحانه، فلا حق له أن يلومه أو يعاقبه. لو قال مثل هذه المقولة، لاستحق العقاب مرتين: المرة الأولى لأجل خيانته، والمرة الثانية لأجل مجادلته، واستدلاله بما لا يصح الاستدلال به. وهكذا كذلك، ولله المثل الأعلى. يقال لمن استدل بالمعاصي أو بالقدر على المعاصي: إنه يستحق العقاب مرتين. أولا لأجل معصيته وذنبه، كما ذكر المؤلف رحمه الله. وثانيا لأجل استدلاله بالقدر، وسابق علم الله، وهو لا يصح له أن يفعل ذلك، بل فعله ذلك يعد من المجادل بالباطل، ومن كذلك المكابرة عن الحق. قال رحمه الله تعالى: ثالثا، أنه بهذا الاعتذار يمهد لنفسه الإصرار على الذنوب، والإقامة على ما يسخط علام الغيوب. فإن هذا الاعتذار يهون عليه كل دم، كما هو مشاهد، وهذا واقع. هذا الذي يقول: لا تلومني بخيانتي لأنك قد تكلمت بذلك من قبل، كأنه يقول: إذن أنا سأخون وسأخون وسأخون، ولا حجة لك علي، ولا حق بالإنكار علي لك. فكذلك صاحب الدم، هذا الذي يستدل بالقدر على معاصيه، كأنه يقول: سأصر على الذنوب والمعاصي، وسأفعل وسأفعل، ولا حجة لكم علي. فهذا يضره في دنياه وفي أخراه، وباطل لكل من عرف دين الإسلام، بل حتى سائر الأديان، كما أشار شيخ الإسلام إلى ذلك. بل سبقت الإشارة أن هذا مقتضى تصحيح كل باطل، ومدح كل شرير، ومعانت كل ظالم، وغير ذلك من اللوازم الباطلة. طيب، نقف لهنا، والله تعالى أعلم.