الإعتكاف

الإعتكاف

المحاضرة بعنوان الإعتكاف، ألقاها الشيخ عبدالرحمن بن مرعي العدني

مشروعية الاعتكاف وفضله في العشر الأواخر

يحذر الشيخ من الفتور في العشر الأواخر من رمضان مؤكداً أنها أفضل أوقات الشهر، ويستدل بالقرآن والسنة وإجماع العلماء على مشروعية الاعتكاف. ويبين أن غايته جمع القلب على الله والانقطاع عن مشاغل الدنيا.

أحكام الاعتكاف وآدابه في العشر الأواخر

يشرح المقطع أحكام الاعتكاف كخلوة شرعية في المساجد للتفرغ للعبادة، مع بيان شروطه كعدم الخروج إلا للضرورة وتوقيت بدايته بغروب شمس ليلة الحادي والعشرين. كما يؤكد على آداب الاعتكاف من التفرغ للطاعة وتجنب اللهو، ويجوز اتخاذ الخيام بشرط عدم إحداث فوضى.

منع الشباب من إقامة الخيام في الاعتكاف

يُمنع عموم الشباب والأبناء من إقامة الخيام الجماعية في المسجد أثناء الاعتكاف حفاظاً على النظام والسكينة. ويختتم الحديث بالدعاء بالتوفيق للجميع في أداء هذه العبادة.

التفريغ النصي الكامل

موقع دار الحديث بالفيوش يقدم هذه المادة: الاعتكاف، محاضرة قيمة لفضيلة شيخنا العلامة عبد الرحمن بن مرعي العدني رحمه الله تعالى. بسم الله الرحمن الرحيم، والحمد لله، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد: فقد قطع الصائمون بفضل الله تبارك وتعالى الثلثين من الشهر، ولم يبقَ إلا الثلث. هذا الشهر العظيم الذي خصه الله عز وجل بخيرات وحسنات. وللأسف أنك ترى كثيرًا من الناس من ينشطون لأنواع الطاعات والخيرات والمبرات في أول هذا الشهر، يلازمون المساجد ويحرصون على إكمال وإتمام الصيام، ويحرصون على إكمال القيام والمشاركة مع الناس في التراويح وفي أفعال الخير. ثم سبحان الله، بسبب الشيطان وتسويله وكيده ونزغاته، فإنهم يفترون في أفضل أوقات هذا الشهر، وهي هذه العشر الأخيرة من رمضان، التي كان النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم يعطيها المزيد من الاهتمام، ويزيد اجتهادًا في طاعة الله تبارك وتعالى. فإن النبي صلى الله عليه وسلم كان يخص هذا الشهر بمزيد من العبادة، كما في حديث عائشة: «كان النبي صلى الله عليه وسلم يجتهد في رمضان ما لا يجتهد في غيره». يعني: أنواع العبادة في الصلاة وتلاوة القرآن، وأنواع الذكر من التسبيح والتحميد والصدقات وغير ذلك. ثم كان يكون في هذه العشر أكثر اجتهادًا من غيرها. وهذا كله كما يتقدم بسبب الشيطان وكيده ونزغاته. والعجب أن الإنسان يعلم أن الشيطان عدو له، ثم يطيعه ويستجيب لأمانيه. والواجب أن يتخذه عدوًا، وأن يحذر من كيده ووساوسه. قال الله سبحانه وتعالى: ﴿أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِن دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ ۚ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا﴾ [الكهف: ٥٠]. ويقول ربنا تبارك وتعالى: ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا ۚ إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ [فاطر: ٦]. فهكذا ينبغي علينا، إخواني في الله، أن نشمر عن سواعد الجد، وأن نزاد اجتهادًا في طاعة الله تبارك وتعالى في هذا الشهر، ولا سيما في هذه العشر الأواخر من رمضان. فهناك عبادة جليلة، هنيئًا لمن وفقه الله تبارك وتعالى للانضمام فيها، وأن يكون في عداد أهلها، وهي عبادة الاعتكاف. عبادة الاعتكاف: فإن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعتكف في العشر الأواخر من رمضان. هذه العبادة الجليلة التي دل عليها كتاب ربنا سبحانه وتعالى، وسنة نبينا صلى الله عليه وسلم، وإجماع سلف هذه الأمة على مشروعية هذه العبادة. قال الله سبحانه وتعالى: ﴿وَأَنتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ [البقرة: ١٨٧]. وفي حديث عائشة وغيره: «كان النبي صلى الله عليه وسلم يجتهد في العشر الأواخر من رمضان حتى توفاه الله، ثم اعتكف أزواجه من بعده». وهكذا أجمع العلماء على مشروعية الاعتكاف. هذا الاعتكاف الذي هو التفرغ لعبادة الله تبارك وتعالى في بيت من بيوت الله عز وجل، إنما شرع الاعتكاف لتحصيل غاية عظيمة. فإن كما ذكر ابن القيم رحمه الله: فضول... يعني: ليس هناك صلاح للقلب والعبد إلا بأن يجمع هذا القلب على الله سبحانه وتعالى. وهذا التشتت الذي يكون للقلب هو الذي يقطع الإنسان والعبد عن الوصول إلى ما يحبه الله تبارك وتعالى، أو يبطئ الوصول إلى مراضي الله عز وجل. وكان من فضول الطعام والشراب، وفضول مخالطة الناس، وفضول النوم، هي أسباب أيضًا تؤخر وصول العبد إلى ربه تبارك وتعالى. فلذا شرع الصوم لتقليل الطعام والشراب، ثم بفضل الله عز وجل شرع الاعتكاف. الاعتكاف الذي هو الخلوة الشرعية، ليست خلوات الصوفية وأهل البدع والخرافات. لا، خلوة أهل الإسلام في الاعتكاف: أن ينقطع في مسجد من المساجد ليتفرغ لعبادة الله تبارك وتعالى. يتفرغ لصلوات النوافل، يتفرغ لتلاوة القرآن، يتفرغ لأنواع الذكر من التسبيح والتحميد والتهليل والاستغفار والتوبة ومحاسبة النفس، ويتفرغ لكل خير. فلذا شرع الاعتكاف. هذا هو روح الاعتكاف، وهذا هو لب الاعتكاف: أن الإنسان ينتهز الفرصة، ويجعل خطراته، ويجعل همه، ويجعل أوقاته كلها مصروفة في طاعة الله تبارك وتعالى، إلا ما كان شيئًا يسيرًا يقضيه مع الإخوان في كلام مباح، أو قيام بما لا بد منه. وإلا فالمقصود من الاعتكاف هو التفرغ لطاعة الله تبارك وتعالى. فلذا من وجد الفرصة لهذه العبادة فليدخل فيها، فإنها عبادة عظيمة، عبادة جليلة، فيها ثمار، فيها ثمار حسنة، وفيها عوائد طيبة على الإنسان إذا تهيأت الأمور بالنسبة للعبد. أما من كان مشغولًا بأسرة، أو كان مشغولًا بأمر آخر، فإن النبي صلى الله عليه وسلم هو القائل: «إن لنفسك عليك حقًا، ولزوجك عليك حقًا، ولأهلك عليك حقًا، ولزورك عليك حقًا، ولربك عليك حقًا، فأعطِ كل ذي حق حقه». إذا كنت تخشى من انفلات الأسرة، أو التقصير ببعض الحقوق التي عليك تجاه أسرتك في أمور، فلا تضيع حقوق الآخرين لتتقرب إلى ربك سبحانه وتعالى على حساب تفويت حقوق الآخرين. ثم هذا الاعتكاف كما تقدم يكون في المساجد. إنسان سمع بمشروعية الاعتكاف، فقال: إذن أنا أنقطع في بيتي، ما أخرج إلا لصلاة الجماعة. ماذا تفعل؟ قال: أعتكف. لا، الاعتكاف الشرعي يكون في المساجد: ﴿وَأَنتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾. والمساجد يشمل جميع المساجد، ليست محصورة مقصورة على المساجد الثلاثة: المسجد الحرام، والمسجد النبوي، والمسجد الأقصى. لكن أفضل أنواع الاعتكاف يكون في هذه المساجد الثلاثة. ينظر الإنسان مسجدًا تقام فيه الجمعة والجماعة، فينقطع فيه إلى عبادة الله تبارك وتعالى، ولا يخرج إلا لما لا بد منه: من تناول الطعام إذا لا يمكن الإتيان بالطعام إلى المسجد، وليس هناك من يأتي له بالطعام، ممكن أن يمشي إلى البيت. أما المساجد التي هيأ فيها الطعام في نفسها، فلا يجوز له أن يخرج، لا يصح له أن يخرج لعجل تناول الطعام والشراب في بيته، وعنده الفرصة في البقاء في المسجد. وهكذا قضاء الحاجة: يخرج لقضاء الحاجة من غائط وبول، ويخرج أيضًا للأغسال المشروعة كغسل الجنابة وغسل الجمعة. وهكذا لو كان عنده مريض، أو يعني هناك أمر سيحصل له بعد يومين أو ثلاث، ممكن يشترط، ينوي في قلبه أنه سيخرج لعيادة هذا المريض إذا كان أبًا أو أمًا، لمداواه أو أخذ لعيادة أو شيء من ذلك. وإلا فالأصل أنه لا يخرج. خطأ أنه يخرج لبيع وشراء، يخرج لإلهاء، يعني قضاء للأوقات. لا، المقصود من الاعتكاف والانقطاع في المسجد: الأمر الذي لا بد منه لا بأس، الأمر الذي ليس له فيه بد فلا يخرج، لأن هذا ينافي الاعتكاف. والدخول في الاعتكاف على الراجح من أقوال أهل العلم يكون بدخول ليالي العشر، وتبدأ ليالي العشر بغروب الشمس من يوم عشرين رمضان. هذا اليوم، يوم الأربعاء، يوم كم؟ يوم عشرين من رمضان. متى تبدأ ليالي العشر؟ إذا غربت الشمس في يوم العشرين من رمضان. نحن في هذا اليوم، يوم الأربعاء، الموافق للعشرين من رمضان. فإذا غربت الشمس في هذا اليوم يبدأ الاعتكاف. فمن نوى الاعتكاف ينبغي أن يستعد ليكون متواجدًا في المسجد الذي عزم على الاعتكاف فيه مع غروب الشمس. وأما حديث عائشة رضي الله عنها: «أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا صلى الغداة دخل معتكفه». معناه: أنه يترك عادته، وهي البقاء في موضع الصلاة إلى طلوع الشمس. لا، في وقت الاعتكاف بمجرد ما ينتهي من الصلاة يذهب إلى الموضع الذي أعد له ليدخل فيه، ليدخل فيه. فأنت تريد أن تعتكف العشر الأواخر، فالعشر تبدأ بغروب الشمس، ويكون الخروج بانتهاء رمضان. متى ينتهي رمضان؟ إذا كان قد وفى الصائم... الصائم الثلاثين من رمضان، يعني أكملوا عدة شهر رمضان ثلاثين، بمجرد غروب الشمس: إذا غربت الشمس في يوم الثلاثين من رمضان فإنه يخرج، لأنه انتهى الصوم. وأما إذا كانوا في يوم تسعة وعشرين، وينظرون رؤية الهلال أو ينتظرون رؤية الهلال، فمتى ما أعلن عن رؤية الهلال، ولو كان الساعة العاشرة أو قبل أو بعد ذلك، فإنه يخرج. إذا أعلنوا عن رؤية هلال شوال. فهذه كلمة مختصرة حول الاعتكاف. ولهذا فننصح إخواننا، بارك الله فيهم، أن يخرجوا بالثمرة من هذا الاعتكاف: أنهم يتفرغون، وأنهم ينقطعون. أما من كان يستغل الاعتكاف للقيل والقال، ولفضول الكلام، وللمرح واللعب والمزاح، فهذا حقيقة ليس هو الاعتكاف الذي شرعه الله تبارك وتعالى، وليس هذا الاعتكاف الذي يخرج الإنسان بثماراته وفوائده. فينبغي للمعتكفين أن يوطنوا أنفسهم على التفرغ، وعلى الهروب من الناس، إلا في أوقات يسيرة: الكلام المباح في أوقات يسيرة من أوقات الاعتكاف. فعله النبي صلى الله عليه وسلم حينما زارته زوجه صفية، جلس معها يتحدث، ثم قام تنقلب، فقام معها ليقلبها إلى بيتها. أما أن يجعل جل الاعتكاف في القيل والقال، ومجالسة الأصحاب والخلان، فهذا ينافي، وهذا ليس هو المقصود من الاعتكاف. فهكذا ينبغي على المعتكفين أن يتواصوا بالحق، وأن يتآمروا بالمعروف، ويتناهوا عن المنكر، وأن يتناصحوا فيما بينهم. فمن رعيُوه خرج عن المقصود من الاعتكاف: من القيل والقال، والمرح واللعب، والتكاسل في العبادات، لا تلاوة للقرآن، لا حرصًا على القيام، لا حرصًا على التسبيح والتحميد. طيب، لماذا اعتكف؟ ما هو المقصود من الاعتكاف؟ هل تجده فرصة للقاء الأصحاب؟ فهكذا ننبه إخواننا أنهم يتناصحون، وننبه الشباب والأبناء: أن من أخلَّ بذلك ممكن أن يخرج من الاعتكاف، معتكف ويطرد من الاعتكاف. الله نسأل... معتكف ويطرد من الاعتكاف، لأنه يعني معتكف لم يأتِ بالمقصود من الاعتكاف، يشغل نفسه ويؤذي إخوانه، ويحرمهم بركة التفرغ. أسأل الله سبحانه وتعالى أن يوفق الجميع. وأخذ الخيام أمر مشروع، اقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم، لكن إذا كان سيؤدي إلى مفاسد فممكن أن تترك الخيام. الآن الناس في المسجد الحرام، وفي المسجد المدني النبوي، يعني ما شاء الله، آلاف، عشرات، مئات الآلاف من المعتكفين، لا خيام ولا شيء من ذلك. ليس من شرط الاعتكاف وجود الخيمة. جرّب الإخوة في الأعوام الماضية أنه ما يأتي بعد الخيام إلا الفوضى والأذية والشكاوى. لكن الإخوة العقلاء إذا جاءوا، نزام الله بهم خيرًا، يستأذنون، يتخذون لهم خيامًا فردية. أما هذه الخيام العامة فإنها سببت يعني أمورًا. لكن من رغب من الإخوة الآباء والعقلاء أن يتفرغوا - وهذا الظن بهم - للعبادة والطاعة، يتخذون لهم خيامًا فردية بعد التنسيق مع إخوانهم في المسجد، فهذا أمر لا بأس به. أما بالنسبة لعموم الشباب والأبناء، فلا يسمح لهم في إقامة هذه الخيام. وفق الله الجميع. إلى هنا، والحمد لله.