الدرة البهية شرح القصيدة التائية  4

الدرة البهية شرح القصيدة التائية 4

الدرس في الدرة البهية شرح القصيدة التائية 4، الدرس الرابع:من( وكانت طائفة القدر في أول أمرهم ينكرون العلم ... فزعموا أن أفعال العباد خارجة من هذا العموم ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

تكفير من أنكر العلم والقدر

ناقش الشيخ آراء القدرية في إنكار العلم والقدر، واستدل على كفر من أنكر العلم بالكتاب والسنة. وأوضح أن إثبات العلم يلزمهم بالدخول في مبحث القدر.

تناقض القدرية في إنكار القدر مع إثبات العلم

يتناول المقطع تناقض القدرية في قولهم إن الله يعلم أعمال العباد قبل أن يعملوها ولم يقدرها. ويبين أن هذا القول يتناقض مع إقرارهم بأن الله بكل شيء عليم.

مشيئة الله تعالى وأفعال العباد

يشرح المقطع مفهوم مشيئة الله تعالى في أفعال العباد، حيث يؤكد أن أفعال العباد خاضعة لمشيئة الله تعالى. ويُثبت ذلك من خلال تفسير الآيات القرآنية وردًا على فرقتي القدرية النفاة والمجبرة.

ختام الدرس والإشارة إلى الدرس اللاحق

تم اختتام الدرس عند هذه النقطة مع الإشارة إلى استكماله في درس لاحق. تم التأكيد على أن الله تعالى أعلم بكل شيء.

  • 12 جمادى الأولى 1430هـ - 06/05/2009مـ
التفريغ النصي الكامل

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، قال الشارح رحمه الله تعالى: قال: وكان الطائفة القدر في أول أمرهم ينكرون العلم وينكرون القدر، فيقولون: إن الله لا يعلم أعمال العباد قبل أن يعملوها، ولا تعلقت بها مشيئة الله. فلما شنع عليهم المسلمون وكفروهم بذلك، تحولوا عن قولهم الأول، فأثبتوا العلم وأنكروا القدر. ولهذا كان أئمة كالإمام أحمد وغيره يقولون: ناظر القدرية بالعلم، فإن أنكروا العلم كفروا، وإن اعترفوا به خصموا. وهؤلاء هم القدرية النفاة. ونقل نحو هذه العبارة، كما أشار رحمه الله، عن الإمام أحمد وغيره، ومنهم الإمام الشافعي رحمه الله تعالى. وقد كان أئمة كفروا من قال بذلك القول، أي من أنكر العلم والكتابة. وقد نقل شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله عن عدد من الأئمة أنهم كفروا من أنكر هذه الدرجة، أي يريد درجة العلم والكتابة. فقد نقل ذلك عن جماعة من الصحابة، منهم عبد الله بن عمر وابن عباس وجابر بن عبد الله وواثل بن الأسقع، وجماعة. وهكذا نقل عن عدد من التابعين وأتباع التابعين وأئمة. فروي ذلك، أي تكفير منكر ذلك من مراتب القدر، أي العلم والكتابة، عن الإمام مالك رحمه الله وأحمد. وهكذا نقله شيخ الإسلام وغيره. وذكر الحافظ بن رجب رحمه الله في شرح حديث عمر هذا المعنى عن أحمد والشافعي، وذكر نحو ذلك الحافظ بن حجر في شرحه. وهؤلاء، كما قيل، كانوا في أول الأمر، ثم إنهم اندثروا، أي لم يعد أحد ينكر العلم من القدرية. وذلك لأحد أمرين: إما أنهم علموا شناعة هذا القول فتحولوا من تلك البدعة إلى ما هو أخف منها، وإما أنهم خافوا الكفر فتستروا بإنكار ما لا يكون إنكارهم به كفرًا. وكلا الأمرين واقع. قال رحمه الله تعالى: يعني أن القدرية النافين لعلم الله بأفعال عباده جاحدون لنصوص الكتاب والسنة المصرحة بإحاطة علم الله بما كان وما يكون من أعيان وأوصاف وأفعال مما دق وجل، يعني وصار جليًا أو ولو صغر وإن كان هامًا. قال: فمن أنكر ذلك فقد كذب الكتاب والسنة صريحًا، وذلك هو الكفر. ولأنه شيء معلوم من الدين بالضرورة. قال: وإن اعترفوا بإحاطة علم الله بكل شيء وبأفعال العباد قبل وقوعها، كما هو القول الذي استقر عليه مذهبهم، خصموا. يعني: إن تراجعوا عن قولهم في إنكار العلم، فإن ذلك يلزمهم في مبحث القدر، وبهذا يخصمون. إن أنكروا العلم كفروا، وإن اعترفوا به خصموا. قال: وجه ذلك أنهم يقولون: إن أفعالهم لا تتعلق بها مشيئة الله وإرادته، وإنما هم مستقلون بها من كل وجه. قال: إذا كان هذا قولهم في مشيئة الله مع قولهم إن الله يعلم أعمال العباد قبل أن يعملوها، فهذا تناقض محض. كيف يعلمها وهو لم يقدرها ولم يردها؟ بل لازم ذلك أنه قدرها وأرادها، ما دام أن الله عز وجل بكل شيء عليم. ومن ذلك أنه يعلم ما يفعله هؤلاء العباد من خير وشر، وهذا لا يكاد مسلم، مهما كان مذهبه، إلا ويقر به. مهما كان مذهبه، فهو يقر بأن الله بكل شيء عليم، مما كان ومما يكون ومما سيكون يوم يكون كيف يكون. فكل ذلك يعلمه جل وعلا، ولا يخفى عليه منه شيء، خيره وشره وهداه وضلاله، فكله يعلمه الله سبحانه وتعالى. فإن أقر امرؤ بذلك، لزمه عند ذلك أن يقر بأن الذي علم بها قد كتبها وأمر بكتابتها، كما جاءت النصوص الصحيحة في الكتاب والسنة، وهو كذلك قدرها، كما جاءت النصوص الصحيحة من الكتاب والسنة، وهو كذلك أذن بوقوعها في كونه، كما جاءت بذلك أدلة الكتاب والسنة، وهو كذلك خلق الخلق وجعل مشيئتهم تابعة لمشيئته، كما جلت على ذلك أدلة الكتاب والسنة: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾، وخلقهم وخلق أعمالهم. وبهذا يخصم القدرية، فإن أقروا به أو وإن اعترفوا به خصموا. قال رحمه الله: فهذا تناقض محض، كيف يعلمها وهو لم يقدرها ولم يردها؟ هذا محال. قال الله تعالى: ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾. وما أحسن ما يذكر ويروى عن الإمام الشافعي رحمه الله تعالى - والله أعلم بصحة نسبة إليه، ولكنه مشتهر - أنه ذكر في نظم له: مَا شِئْتَ كَانَ وَإِنْ لَمْ أَشَأْ وَمَا شِئْتُ إِنْ لَمْ تَشَأْ لَمْ يَكُنْ خَلَقْتُ الْعِبَادَ عَلَى مَا عَلِمْتَ فَفِي الْعِلْمِ يَجْرِي الْفَتَى وَالْمُسِنُ قَالَ عَلَى ذَا مَنْ أَنْتَ وَهَذَا خُذْلَتْ وَهَذَا عُنِيَتْ وَهَذَا لَمْ تُعِنْ فَمِنْهُمْ شَقِيٌ وَمِنْهُمْ سَعِيدٌ وَمِنْهُمْ قَبِيحٌ وَمِنْهُمْ حَسَنٌ فإذا أقر المرء بأن الله عز وجل خلق الذوات على ما هي عليه باختلاف صفاتها وذواتها، فكذلك جل وعلا خلق أفعال أرباب هذه الذوات باختلاف صفاتها خيرًا وشرًا. فهو خلق الخلق وخلق أعمالهم. وقد روي عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، وحسنه العلامة الألباني رحمه الله، فيما رواه البزار وغيره، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الشقي من شقي في بطن أمه، والسعيد من سعد في بطن أمه». فكل شيء مقدر، وقد سبق به علم الله سبحانه وتعالى. قال رحمه الله تعالى: فيلزمهم أحد أمرين: إما أن لا يتناقضوا فينفوا الأمرين - علم الله بأفعالهم ومشيئته لها - فيتضح كفرهم، وإما أن يرجع إلى الحق الذي دل عليه الكتاب والسنة وأجمع عليه المسلمون، وهو أنه تعالى كما أنه بكل شيء عليم وبكل شيء محيط، فإنه على كل شيء قدير. ومن جملة الأشياء أفعال العباد، طاعتهم ومعاصيهم، فهو تعالى يعلمها إجمالًا وتفصيلًا قبل أن يعملوها، وأعمالهم وأفعالهم داخلة تحت مشيئة الله وإرادته، فقد شاءها منهم وأرادها، ولم يجبرهم لا على الطاعات ولا على المعاصي، بل هم الذين فعلوها باختيارهم، كما قال تعالى: ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ * وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾. قال: فهذه الآية فيها رد على القدرية النفاة، وعلى القدرية المجبرة، وإثبات للحق الذي عليه أهل السنة والجماعة. قال: فقوله: ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ﴾ أثبت أنه لهم شيء حقيقية وفعلًا حقيقيًا، وهو الاستقامة باختيارهم. فهذا رد على الجبرية، يعني الذين يزعمون أنه ليس للعبد فعل واختيار. قال: وقوله: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ أخبر أن مشيئة العبد تابعة لمشيئة الله، وأنها لا توجد بدونها. فما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن. ففيها رد على القدرية القائلين: إن مشيئة العباد مستقلة، ليست تابعة لمشيئة الله، بل عندهم يشاء العباد ويفعلون ما لا يشاءه الله ولا يقدره. وهذا كما هو باطل بالشرع، فهو باطل كذلك بالحس والعقل والفطرة. ويروى أن رجلًا أعرابيًا جاء إلى عمر بن عبيد - وهو في حلقته - فقال له: إن ناقتي قد سرقت، فادع الله أن يردها علي. فرفع يديه عمر بن عبيد وقال: «اللهم إنك لم تشأ أن تسرق ناقة عبدك، اللهم فردها عليه». فقال الأعرابي: لا حاجة لي في دعائك. قال له: لما؟ قال: إنك قلت: «اللهم إنك لم تشأ أن تسرق ناقة عبدك». فسرقت، فارددها عليه. فأخشى أنه يشاء - أخشى أنه يشاء أن ترد إلي - فلا ترد. إذا كان يريد أن يقول له: إذا كان هو لم يشأ أن تسرق فسرقت، فكذلك إذا شاء أن ترجع فلا ترجع؛ لأن هناك من له مشيئة فوق مشيئة الله. فإذا لا حاجة لي لدعائك. وصدق رحمه الله تعالى؛ لأنه في الحقيقة ما علم شريعة الله، وما عرف ربه، أي هذا المعتزلي القدري. وإلا فالله عز وجل مشيئته نافذة، وهذا من تمام كمال ربوبيته وألوهيته سبحانه. فما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن. قال رحمه الله تعالى: ودلت الآية على الحق الواضح، وهو أن العباد هم الذين يعملون الطاعات والمعاصي حقيقة، ليسوا مجبورين عليها، وأنها مع ذلك تابعة لمشيئة الله، كما تقدم كيفية وجه ذلك. والآيات الدالة على هذا كثيرة جدًا. قال: فهذه إحدى الطوائف الثلاث المخاصمين لله. فإنهم أنكروا عموم مشيئة الله وقدرته - أو قدره - يجوز هذا ويجوز هذا، أنا عندي غير واضح الكلمة. قال: وجحدوا ما قرره الله في كتابه وعلى لسان رسوله من شمول قدره لكل شيء. فزعموا أن أفعال العباد خارجة من هذا العموم. وقد علمنا بما سبق أنه قول باطل مخالف للكتاب والسنة والعقل والحس والفطرة. طيب، نقف إلى هنا، ونترك الباقي إن شاء الله إلى درس لاحق. والله تعالى أعلم.