الدرة البهية شرح القصيدة التائية  3

الدرة البهية شرح القصيدة التائية 3

الدرس في الدرة البهية شرح القصيدة التائية 3، الدرس الثالث:من( فهذا الجواب المجمل وأما الجواب المفصل فقد ذكره الشيخ ... وإنما يقصد باحتجاجه دفع الشناعة عن نفسه). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

الخصومة في باب القدر وعلاقتها بإبليس

يشرح الشيخ أن السؤال عن القدر هو سؤال معاند ومخاصم لله، ويحذر من الخصومة في المعاصي لأنها من فعل إبليس. القدرية الذين ضلوا في باب القدر هم خصوم الله ويؤول بهم الأمر إلى النار.

معتقدات القدرية النفاة ونقضها

يناقش الشارح معتقدات القدرية النفاة، وهم المعتزلة الذين ينفون قدرة الله على أفعال العباد، ويبين أن هذا المعتقد يتعارض مع نصوص الكتاب والسنة ويشبه معتقد المجوس.

الرد على القدرية واحتجاجهم بالقدر

يرد الشارح على القدرية بأن الله خلق قدرة العباد وإرادتهم، ويبين أن الاحتجاج بالقدر على المعاصي باطل، مستدلًا بآيات قرآنية على بطلان هذا الاحتجاج.

  • 12 جمادى الأولى 1430هـ - 06/05/2009مـ
التفريغ النصي الكامل

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. قال المؤلف رحمه الله تعالى: قال فهذا الجواب المجمل، وأما الجواب المفصل، وقد ذكره الشيخ قدس الله روحه، فقال: سؤالك يا هذا سؤال معاند مخاصم رب العرش باري البرية، فهذا سؤال خاصم الملأ العلا قديما به إبليس أصل البلية، ومن يكو خصما للمهيمين يرجعا على أم رأس هاويا في الحفيرة. قال: بين الشيخ في أول الجواب أن هذا السؤال والإيراد إنما صدر عن رجل معاند مكابر مخاصم لله، فإن هذا السؤال في الحقيقة موجه إلى الله، والسائل قد أورده على ربه واعترض عليه، وزعم أن الله ظالم له حيث قدر عليه الكفر والمعاصي وعذبه عليه، وكل من عاند الله فحجته داحظة باطلة، وهو مخصوم محجوج. وهذا السؤال من جنس سؤال إبليس حيث قال: ﴿فبما أغويتني لأقعدن لهم صراطك المستقيم﴾، فقال: ﴿فبما أغويتني﴾ ولم يقل غويت، وإبليس هو الذي غوا واستكبر عن أمر ربه، حيث أمره بالسجود لآدم، فقال: «أسجد لمن خلقت طينا»، قال: «أرأيتك هذا الذي كرمت عليه لئن أخرتني إلى يوم القيامة لأحتنكن ذريته إلا قليلا»، فإبليس خاصم الله وبادأه بالمعصية، واستكبر عن أمره واستكبر على آدم، فكل من خاصم عن نفسه أو عن غيره في معصية الله فهو وارث إبليس، وعنه أخذ هذه الخصومة، ومعناه أنه لا يجوز الخصومة في المعاصي، فإن المخاصمة بالقدر على المعاصي هو فعل إبليس، فلا يجوز للمسلم أن يحتج بالقدر على المعاصي. قال: فكل من خاصم الحق فلج وخصم، كما أن كل من خاصم بالحق فلج وغلب، قال تعالى: ﴿قل جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا﴾، قال: وكل من نصر الباطل فهو من خصوم الله، أي من أعداء الله، وما ظنك بمن هو قد عاداه الله سبحانه وتعالى، كيف يكون حاله بالدنيا والآخرة؟ قال رحمه الله: ولكن أصناف القدرية الثلاثة هم أحق الناس بهذا الوصف، فلهذا قال الشيخ، والمعنى القدرية الثلاثة، أي الذين ضلوا في باب القدر. قال: قال الشيخ رحمه الله: وتدعى خصوم الله يوم معادهم إلى النار طرا معشر القدرية، سواء نفوه أو سعوا ليخاصموا به الله أو ماروا به للشريعة. وهو يشير رحمه الله في مقدمة هذا الرد أن هؤلاء الذين يخاصمون في باب القدر هم خصوم الله، أي في الدنيا وفي الآخرة، وهم إلى النار قرًا، أي يقذفون ويؤخذون إلى النار. ثم ذكر أن هؤلاء القدرية الذين ضلوا في باب القدر، سواء فعلوا ذلك على وجه المخاصمة أو المماراة للشريعة أو غير ذلك مما يدل عليه معنى كلامه، فإنهم يلحقهم ما يلحق القدرية مما جاء في الوعيد مما سيأتي الإشارة إلى بعضه. قال الشارح رحمه الله: يشير الشيخ إلى ما رواه ابن ماجة عن عائشة رضي الله عنها، قالت: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «من تكلم في شيء من القدر سئل عنه يوم القيامة»، قال: أي سؤال تقريع وتوبيخ. والحديث معناه صحيح، لكنه بهذا الإسناد واللفظ ضعيف، ضعفه العلامة الألباني رحمه الله في مواضع من كتبه في ضعيف ابن ماجة، وفي المشكاة، وفي ضعيف الجامع. لكن معناه صحيح من جهة أنهم بتكذيبهم للقدر يعذبون، ويكون لهم ما يكون من عذاب الله في الآخرة. قال رحمه الله: وهو كما ذكر الشيخ يشمل طوائف القدرية الثلاثة: القدرية النفاة، والقدرية المجبرة، والقدرية المشركين. وسيأتي تفصيل إن شاء الله هذه الطوائف الثلاث. فقال: فكل الطوائف الثلاث خاضوا في القدر خوضا منحرفا، وبعضهم أغلظ من بعض، وكلهم عن الصراط ناكبون، أي ضالون مبتعدون. قال: فأما القدرية النفاة، فهم الذين يطلق عليهم أكثر العلماء اسم القدرية، يعني إذا أطلق لفظ القدرية بدون قيد، فهم القدرية النفاة، أي الذين ينفون القدر، وهؤلاء هم المعتزلة ومن وافقهم في ذلك. قال: وهم الذين ورد فيهم الحديث الذي في السنن أنهم «مجوس هذه الأمة»، قد روي الحديث عن جماعة من الصحابة، رواية عن جابر بن عبد الله، رواه ابن ماجه بإسناد حسن، وغيره: «أنهم مجوس هذه الأمة»، هي القدرية المكذبون بأقدار الله، «إن مرضوا فلا تعودوهم، وإن ماتوا فلا تشهدوهم، وإن لقيتموهم فلا تسلموا عليهم». قال الشيخ الألباني رحمه الله: حديث حسن دون لفظ التسليم، يعني لفظ التسليم لا يصح. ورواه الحاكم، أبو داود من حديث بن عمر بنحو حديث جابر بن عبد الله دون لفظ التسليم. ورواه أحمد، أبو داود من حديث حديثة، وهو كذلك حديث حسن، حسنه الألباني رحمه الله، وكذلك حديث بن عمر. قال رحمه الله تعالى: وأكثر المعتزلة على هذا المذهب الباطل، أي نفي القدر. قال: وحقيقة مذهبهم أنهم يقولون: إن أفعال العباد وطاعتهم ومعاصيهم لم تدخل تحت قضاء الله وقدره، فأثبتوا قدرة الله على أعيان المخلوقات وأوصافها، ونفوا قدرته على أفعال المكلفين. قال: ويزعمون أنهم بهذا القول ينزهون الله عن الظلم، لأنه لو قدر المعاصي عليهم ثم عذبهم عليها لكان ظالما لهم، وللزم من إثبات قدرة الله على أفعالهم الجبر الذي هو باطل بالشرع والعقل كما تقدمت الإشارة إليه. وهذه شبهة كانت سببا في ضلال القدرية. قال: ولكنهم بهذا القول الباطل ردوا نصوصا كثيرة من الكتاب والسنة تثبت وتصرح أن جميع أعمال العباد من خير وشر وطاعة ومعصية بقضاء الله وقدره، كما أجمع المسلمون أنه ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، كما قال سبحانه: ﴿وما تشاءون إلا أن يشاء الله رب العالمين﴾. قال: وسموا مجوس هذه الأمة لأنهم أشبه المجوس الذين أثبتوا خالقا للخير وهو الله، وخالقا للشر وهو إبليس على زعم المجوس. قال: وهؤلاء القدرية أثبتوا أن الله خالق للعباد لأعيانهم وأوصافهم، ولم يثبتوا أنه خالق لأفعالهم، فأخرجوا أفعال العباد عن قدر الله، ولم يهتدوا إلى ما اهتد إليه أهل السنة من أن الله كما أنه الذي خلقهم خلق ما به يفعلون من قدرتهم وإرادتهم. قال: ثم فعلوا الأفعال المتنوعة من طاعة ومعصية بقدرتهم وإرادتهم اللتين خلقهما الله، باتفاق المسلمين، حتى هؤلاء القدرية يثبتون أن قدرة العباد وإراداتهم مخلوقة لله، لأنها من الأعيان ومن الدوات. قال: فالعبد المؤمن هو الذي يصلي ويصوم ويتصدق ويحج ويعمل أعمال البر بما مكنه الله وأعطاه من قدرة وإرادة يتمكن بهما من أفعال الخير. والعبد الكافر أو الفاجر هو الذي يشرك ويقتل ويزني ويسرق ويعمل أجناس المعاصي بما مكنه الله به وأعطاه من قدرة وإرادة يفعل بهما تلك الأفعال. قال: والقدرة والإرادة اللتان أعطاهما الله للعبد هما خير ونعمة وفضل من الله، لكن العبد العاصي هو الذي وجه قواه وأفعاله إلى أعمال الشر، فلم يكن له على الله حجة، بل لله عليه الحجة البالغة. قال: نهج الله له طريق الخير فأباه، وسلك بنفسه طريق الشر وارتضاه، أي هذا الفاجر والكافر، فلا يلومن من بعد ذلك إلا نفسه. فمن احتج مع ذلك على ربه وقال: إنه قدر علي المعاصي فلا لوم علي، قيل له: هذه حجة أبطلها الله في كتابه حيث قال: ﴿سيقول الذين أشركوا لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا ولا حرمنا من شيء كذلك كذب الذين من قبلهم حتى ذاقوا بأسنا قل هل عندكم من علم فتخرجوه لنا إن تتبعون إلا الظن وإن أنتم إلا تخرصون قل فلله الحجة البالغة فلو شاء لهداكم أجمعين﴾. قال: فتضمنت هاتان الآيتان أن الاحتجاج بالقدر على المعاصي باطل من وجوه، منها أن هذا هو احتجاج المشركين، فصار من يستدل بالقدر على المعاصي طريقته طريقة المشركين، بل هي طريقة إبليس قبل ذلك. قال: ومنها أن هذا الاحتجاج بالقدر على الشر لم يمنعهم من عذاب الله، بل العكس يوجب ذلك العذاب مرتين: المرة الأولى لأجل المعصية أو الكفر، والمرة الثانية للاستدلال بما لا يصح الاستدلال به، وهو من المخاصمة بالباطل، فيعدد مرة أولى لكفره أو معصيته، ومرة ثانية لمخاصمته بالباطل. قال: لم يمنعهم من عذاب الله حيث قال: ﴿كذلك كذب الذين من قبلهم حتى ذاقوا بأسنا﴾، يعني تكذيبهم ما نفعهم ولا عذرهم، بل عذبهم الله. قال: ومنها أن الله وبخهم على ذلك وطالبهم بالبرهان في قوله: ﴿قل هل عندكم من علم فتخرجوه لنا﴾، فنفع عنهم العلم، وأخبر أنهم يتبعون الظن الذي لا يغني من الحق شيئا. قال: ومنها أنه أخبر أن له الحجة البالغة على جميع من تجرأ على معاصيه بقوله: ﴿قل فلله الحجة البالغة﴾، هذه الحجة البالغة أولا بالفطرة التي فطر الإنسان بالتمييز بين الخير والشر، وهي ثانيا بإرسال الرسل وإنزال الكتب وظهور هذه البينات. قال: فالمحتج بالقدر على المعاصي يكذبه الكتاب والسنة والعقل وضميره، يكذبه كما ذكرنا، وإنما يقصد باحتجاجه دفع الشناعة عن نفسه. طيب، نقف عند هذا الحد في المبحث، طويل ونترك الباقي إلى درس لاحق، والله تعالى أعلم.