الدرس في شرح سلم الوصول للشيخ حافظ الحكمي رحمه الله 94، الدرس الرابع والتسعون : (ثالثهم عثمان ذو النورين ... بكفة في بيعة الرضوان ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يتناول هذا الفصل منزلة عثمان بن عفان عند رسول الله ﷺ وفضائله العديدة، مثل زواجه من ابنتي الرسول واستحياء الملائكة منه. كما يُبرز دوره في كبح الفتن بعد وفاة النبي ﷺ.
يُركز هذا الفصل على دور عثمان بن عفان في الإسلام، مثل اختياره للتفاوض مع كفار قريش في يوم الحديبية، وجمع القرآن الكريم، وبشارة النبي له بالجنة، ومبايعة النبي عنه في بيعة الرضوان.
يتناول هذا الفصل الرد على آراء غلاة الرافضة الذين يكفرون عثمان بن عفان ويطعن في خلافته، مؤكدًا استحقاقه للخلافة الراشدة الثالثة وترتيب الخلفاء الراشدين في الفضل.
يُشدد هذا الفصل على وجوب إقرار المسلمين بفضل الخلفاء الراشدين واتباع نهج أهل السنة والجماعة في ذلك، ردًا على الرافضة الذين يطعنون فيهم.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. ملائك الرحمن بايع عنه سيد الأكوان بكفه في بيعة الرضوان. ثلث المؤلف -رحمه الله تعالى- في ذكر فضائل الصحابة بالخليفة الثالث عثمان بن عفان، رضي الله عنه وأرضاه. هذا الخليفة الراشد الذي قد جاءت بحقه فضائل كثيرة، فهو -رضي الله عنه وأرضاه- كما ذكر المؤلف -رحمه الله- ذو نورين، أي تزوج ابنتي رسول الله ﷺ، الأولى ثم لما ماتت الثانية. إن دل ذلك على شيء، دل على عظيم منزلته في نفس النبي ﷺ، فلا يعطي الرجل ابنته ومن يحب إلا لمن يحب ومن يخصه بالمحبة، فكيف إذا انضاف إلى ذلك أنه ثنى في إعطاء اثنتين من بناته عليه الصلاة والسلام لرجل واحد، فليكن ذلك إلا لفرط محبة ولعظيم منزلة، وهو كذلك -رضي الله عنه وأرضاه-. ثم أتبع فقال: ذو الحلم والحياء بغير مين. ذو الحلم يعني أنه حليم، فكان حليمًا -رضي الله عنه وأرضاه-. ومن حلمه ما كان بحياته في زمن النبي ﷺ، فهو الذي اختاره رسول الله ﷺ من بين الصحابة جميعًا ليرسله إلى كفار قريش في يوم الحديبية، وفي بيعة الرضوان أرسله ليفاوض المشركين. ولا يرسل رسول الله ﷺ في مثل هذا المقام إلا من عنده من الحلم، ومن عنده كذلك من حسن الرأي ما يصلح أن يكون لمثل هذا المقام العصيب. فإنهم ردوا ومنعوا من بيت الله الحرام، فأرسل رسول الله ﷺ عثمان بن عفان ليكون مندوبًا عن المؤمنين ومفوضًا عنهم في دخولهم إلى بيت الله الحرام وإتمام العمرة. وهذا -كما مر- إن دل على شيء، دل على عظيم منزلته عند رسول الله ﷺ، إذ اختاره لهذه المهمة العظيمة. وهكذا بعد وفاة النبي ﷺ، كان عثمان -رضي الله عنه وأرضاه- بحلمه وحسن درايته وسياسته استطاع أن يكف كثيرًا من الفتن حتى قتل -رضي الله عنه وأرضاه-، فانفجرت عند ذلك الفتن، فدل ذلك على حلم هذا الرجل، وكذلك عظيم فضله -رضي الله عنه وأرضاه-. قال: والحياء بغير ميني كذلك، وصف بهذا الوصف، وصفه به رسول الله ﷺ كما في الصحيحين حديث عائشة -رضي الله عنها- أنه دخل على رسول الله ﷺ أبو بكر، فبقي على ما هو عليه، ثم دخل عمر فلم يبارح وبقي على ما هو عليه، فلما استأذن عثمان قام رسول الله ﷺ ولبس عليه ثيابه. فسألت عائشة -رضي الله عنها- لم صنعت يا رسول الله ولم تصنع ذلك بدخول أبي بكر وعمر؟ فقال عليه الصلاة والسلام: «ألا أستحي من رجل تستحي منه الملائكة». فإن دل ذلك على شيء، دل كذلك على عظيم منزلته وفضله -رضي الله عنه وأرضاه-. وهكذا كذلك في حديث البستان، أمر النبي ﷺ أن يأذن لمن استأذن فيدخل ويبشره بالجنة، ودخل أبو بكر فبشره بالجنة، ودخل عمر فبشره بالجنة، ودخل عثمان فبشره بالجنة -رضي الله عنهم جميعًا وأرضاهم-. وهكذا كذلك قال -رحمه الله-: بحر العلوم جامع القرآن، يعني جمع علمًا كثيرًا عثمان -رضي الله عنه وأرضاه- وجمع فضيلة كثيرة. ومن أعظم فضائله أنه كان من جمع القرآن، فهو الذي جمع القرآن، ولا يزال القرآن ينسب ويسمى باسمه -رضي الله عنه وأرضاه-، فيقال: المصحف العثماني والخط العثماني؛ لأنه خط وكتب وجمع في عهده -رضي الله عنه وأرضاه-. فما من قارئ يقرأ القرآن من المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها إلا وله العثمان عليه فضل وله منه أجر، لقول النبي ﷺ: «من سن سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة، لا ينقص ذلك من أجورهم شيئًا». فانظروا كم الأجور الذي تكتب لهذا الرجل -رضي الله عنه وأرضاه-. وهكذا كذلك من فضائله قال: «استحى منه ملائكة الرحمن»، كما مر معنا بحديث عائشة. قال: «بايع عنه سيد الأكوان»، أي بايع رسول الله ﷺ عن عثمان -رضي الله عنه وأرضاه- في بيعة الرضوان. قال: «بكفه في بيعة الرضوان»، وهذا دل على خصيصة ومزية وفضيلة عظيمة لعثمان -رضي الله عنه وأرضاه-. وذلك أنه لما أرسله إلى كفار قريش ليفاوضهم في الحديبية جاء الخبر أن عثمان قد قتل، فجمع رسول الله ﷺ أصحابه تحت الشجرة فبايعهم على القتال حتى الموت، فبايعوه وكانوا قرابة ألف وخمسمائة رجل. وكما في الصحيحين في حديث ابن عمر قال: «فأخذ رسول الله ﷺ بكف نفسه وجمعها على كفه الأخرى وقال: هذه عن يد عثمان، هذه عن يد عثمان». فجعل نفسه فداء عن عثمان -رضي الله عنه- وأنه سيقاتل رسول الله ﷺ عن نفسه وعن عثمان، فجعل مال نفسه لعثمان -رضي الله عنه وأرضاه-. وهذا إن دل على شيء، دل على عظيم كذلك فضله ومنزلته عند رسول الله ﷺ. فكيف بعد هذا كله وهذه الفضائل وغيرها كثير، يشير الشارح -رحمه الله- في شرحه إلى أحاديث كثيرة فيها فضائل عثمان -رضي الله عنه وأرضاه-. كيف بعد هذا كله يقول قائل أو عاقل بأنه لا يستحق هذه المنزلة بأن يكون ثالث الخلفاء الراشدين -رضي الله عنه وأرضاه- أو أعظم من ذلك؟ ما تقول غلاة الرافضة من تكفير -رضي الله عنه وأرضاه-؟ هؤلاء الذين ليس لهم عقول، فضلًا عن أن يكون لهم دين، كفروا أكثر الصحابة -رضي الله عنهم وأرضاهم- إلا بضعة عشر، فهؤلاء ذهبت عقولهم كما ذهب دينهم، ولهذا كانت لهم المذلة في الدنيا قبل مذلة الآخرة. وقد استقر قول أهل السنة والجماعة أن ترتيب فضل الخلفاء الراشدين كترتيب منزلتهم في الخلافة، وهم مرتبون في الخلافة على ترتيب فضلهم، هذا هو قول أهل السنة والجماعة الذي استقر وصار من عقيدة أهل السنة والجماعة. فإن ترتيب فضل الخلفاء الراشدين كترتيب خلافتهم -رضي الله عنهم وأرضاهم-. وهذا الخليفة الراشد عثمان بن عفان -رضي الله عنه وأرضاه- كان خليفة بقول علي -رضي الله عنه وأرضاه-. وذلك أن عمر -رضي الله عنه وأرضاه- جعل خلافة من بعده مشورة بين ستة، فترد الستة إلى ثلاثة، فترد الثلاثة حتى رد الأمر إلى عثمان -رضي الله عنه وأرضاه-. فكان إجماع المسلمين عامة على خلافة عثمان -رضي الله عنه وأرضاه-. فمن طعن في خلافة عثمان طعن في الصحابة جميعًا، ولهذا كان يقول الإمام أحمد -رحمه الله-: لأن من طعن في خلافة أحد من هؤلاء فإنه أضل من حمار أهله. لماذا؟ أضل من حمار أهله؛ لأنه يطعن في الصحابة جميعًا، فالصحابة -رضي الله عنهم- اجتمعوا على هذا، فلا يخالفهم إلا ظالم. والله عز وجل يقول: ﴿وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾. فهؤلاء الذين يخالفون بهذا يستحقون هذا الوعيد، ونخاف عليهم من هذا الوعيد؛ فإنهم يخالفون ما عليه المؤمنون، وأول ذلك ما كان في مسائل الدين العظام، ومنها أمر الخلافة، وقد اجتمعوا -رضي الله عنهم- على ذلك. فالواجب على المسلمين أن يقروا بهذا وأن يكون هذا على ما عليه أهل السنة والجماعة. وقال خلاصة: أن المؤلف -رحمه الله- ذكر وخص هؤلاء الخلفاء لعظيم فضلهم أولًا ومنزلتهم، وثانيًا ردًا على الرافضة ومن كان على طريقتهم ممن يطعن في هؤلاء -رضي الله عنهم وأرضاهم-. وبهذا نكتفي، الحمد لله رب العالمين.