الدرس في شرح سلم الوصول للشيخ حافظ الحكمي رحمه الله 31، الدرس الحادي والثلاثون : (وفي حديث سيد الأنام ... فضيلة وحجبوا أعداؤه ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يتناول إثبات رؤية الله تعالى في الآخرة بناءً على أدلة من السنة النبوية وأقوال الصحابة والتابعين والأئمة. يُؤكد على أن رؤية الله تعالى ستكون حقيقية وواضحة كما يُرى القمر ليلة البدر.
يناقش مسألة رؤية الله عز وجل في الآخرة، ويؤكد أن الرؤية حقيقية وليست رؤية قلب أو بغير محل، مستنداً إلى أدلة من الأحاديث النبوية الصحيحة. يؤكد أن الكفار محجوبون عن رؤية ربهم يوم القيامة.
يناقش مسائل الرؤية يوم القيامة وفي الدنيا، ويبين أن رؤية الله في الدنيا تكون بالقلب وليس بالعين. واستفدنا من الأبيات أن السنة أثبتت الرؤية الحقيقية لله تعالى لأوليائه بينما يحجب عنها الأعداء.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. وفي حديث سيد الأنام: من غير ما شك، من غير ما شك ولا إهام، ويتحقق ليس ينكرونها كالشمس صحر، لا سحاب دونها، خصة بهذه الرؤية أولياءه فضيلة، وتجاب أعداء. أورد المؤلف رحمه الله تعالى هذه الأبيات الثلاثة، فتضمنت هذه الأبيات مجموعة من المسائل، أولها أن مسألة الرؤية قد دلت عليه أدلة السنة. وأدلة السنة الدالة على إثبات الرؤية كثيرة. وقد قال رحمه الله تعالى في شرحه في سرد الأدلة الواردة من السنة في إثبات الرؤية، وإن كان بعضها فيه ضعف، لكن الكثير منها من قسم الصحيح. وهذه الأدلة منها ما جاء في الصحيحين بحديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه: «إنكم سترون ربكم كما ترون القمر ليلة البدر، لا تضامون في رؤيته». وجاء عن غيره: «إنكم سترون ربكم كما ترون القمر ليلة البدر أو يوم البدر». وجاء بعض الألفاظ: «كما ترون الشمس، لا تضامون في رؤيته». ورؤية وتضامون وتضامون بالتخفيف والتشديد، يعني لا تزدحمون فيغطي بعضكم على بعض رؤيته، ولا يحجب عنكم بسحاب أو غيره، بل إنكم ترونه رؤية واضحة كما ترون القمر ليلة البدر، ليس دونها سحاب، رؤية واضحة. هكذا كذلك الرؤية. وهذا كما قال أهل العلم هو تشبيه ليس للمرئي بالمرئي، ولكن للرؤية بالرؤية. فكما أن الرؤية للشمس وللقمر على هذا الوصف في الدنيا واضحة، لا يحجب منها شيء، فكذلك الرؤية لله عز وجل في ذلك اليوم تكون في مثل هذا الوضوح، ولا يحجب منها شيء. ومن هذه الأدلة حديث عدي بن حاتم رضي الله عنه: «ما منكم إلا سيرى ربه، ليس بينه وبينه ترجمان ولا حجاب يحجبه». والمعنى أن الله عز وجل سيرى من كل أحد، وسيكلمه الله عز وجل كذلك. ومن هذه الأدلة كذلك التي بينت إثبات الرؤية قول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في حديث مسلم عن رجل غير مسمى من أصحاب النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «تعلموا أنكم لن تروا ربكم حتى تموتوا». وهذا الحديث في إثبات الرؤية أن هذه الرؤية تكون بعد الموت، ولا تكون في الدنيا. فهذه الأحاديث وغيرها من الأحاديث الأخرى الكثيرة فيها إثبات الرؤية لله عز وجل. وهذا تسرد المؤلف رحمه الله آثارا عن الصحابة، وعن التابعين، وعن الأئمة في ذكر الرؤية وإثباتها، وكذلك الإنكار على من جحدها ونفاها. ولهذا قال: من غير ما شك ولا إيهام، يعني هذه الأحاديث لا يشك في ثبوتها ولا في معانيها ودلالتها. فكل الأمرين ثابت، فهي أحاديث صحيحة. كما قال بعض أهل العلم: تصل إلى حد التواتر؛ لأنها كثيرة. الحديث التي وردت في إثبات الرؤية، وهذا لكذلك كما أنه لا يشك في صحتها، فكذلك لا يشك في دلالتها ومعانيها، وهي دلت على إثبات رؤية حقيقية لله عز وجل. فلا نقول كما قال المعتزلة: نردها ولا نقبلها، أو قالوا: وإن كانت متواترة فهي قطعية الثبوت، ظنية الدلالة، فنفوها. وكل القولين باطل مردود بأدلة الشرع. ولا نقول كما قال كذلك المعتزلة، ومن الكلابية، ولا الشاعر والماتريدية، فزعموا أن هذه الرؤية ليست رؤية حقيقية، بل رؤية قلب أو رؤية بغير محل. قالوا: كرؤية المرآة رؤية، لكنها بغير رؤية، فيجعلونها كالخيال وكالشيء المعنوي. هذا كله تعطيل. ولهذا قال: من غير ما شك ولا إيهام، ليس في شيء مما جاء شك، ولا كذلك في شيء مما ثبت عندهم، بل كل ما جاء صحيح ثابت يجب الإيمان به واعتقاده. وقد ذكر رحمه الله كما سبق الأدلة الكثيرة من كلام سلف الأمة من الصحابة والتابعين، وإجماعهم وكلام أئمة الدين فيما يتعلق بإثبات الرؤية لله عز وجل. وهكذا كذلك من هذه المسائل أنه رحمه الله تعالى نبه أن هذه الرؤية رؤية حقيقية. وهذه الرؤية الحقيقية كرؤية الشمس صحوا، ليس دونها سحاب. ويريد بذلك أنه لا يجوز أن تفسر هذه الرؤية بشيء من المعاني المعنوية، وهذا هو قول الأشاعرة والمعتزلة. لا نقول: رؤية قلب، لا نقول: رؤية في غير محل، لا نقول بأي عبارة ولفظ يكون فيه هذا المعنى الذي فيه تحريف لحقيقة إثبات الرؤية، بل رؤية حقيقية تكون بالأعين، لا تكون بالقلوب. أثبتها الله عز وجل لنفسه. وقد جاءت الأحاديث الكثيرة التي تثبت أنها رؤية عين لا رؤية قلب. فمن ذلك ما جاء في رواية للبخاري بحديث جرير بن عبد الله البجلي من رواية ابن عبد ربه قال: «إنكم سترون ربكم عيانا». وهذه الرواية قد توبعت خارج الصحيح، فهي رواية صحيحة، أي سترون ربكم رؤية عين. وهكذا كذلك جاء في حديث أبي هريرة في صحيح مسلم في ذكر ما ذكره النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم من أحوال يوم القيامة، قال: فيخرجنا فيكون الناس في المحشر، فيطلع إليهم الرب جل وعلا، فيقول: من تنتظرون؟ فيقول: إنا ننتظر ربنا. فيقول: بما تنتظرون؟ قال: ننتظره. فيقول: فيخرج إليهم، فيرفعون أبصارهم. فقوله: فيرفعون أبصارهم، دليل على أن الرؤية رؤية عين، ليست رؤية قلبية كما زعم هؤلاء المعطلة. ومن الأدلة كذلك حديث عدي بن حاتم: «ما منكم إلا سيُرى ربه، ليس بينه وبينه ترجمان ولا حجاب يحجبه». والحجاب هل يكون على رؤية القلب؟ وعلى رؤية العين؟ على رؤية العين. والحديث الذي مر: «تعلموا أنكم لن تروا ربكم حتى تموتوا». فالرؤية رؤية عين لا رؤية قلب. وهكذا كذلك ختم هذه الأبيات بأن هذه الرؤية إنما هي تكون لأوليائه، ولا تكون لأعدائه، تكون لأوليائه لا تكون لأعدائه. فالكفار محجوبون عن رؤية ربهم، لقول الله عز وجل: ﴿فَلَا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾. وقد استفاض أهل العلم في أهل الكتاب والمنافقين: هل يرون ربهم جل وعلا أو لا يرون؟ لأنه قد جاءت رواية في صحيح مسلم، وهكذا رواية أحمد في ذكر غبرات من أهل الكتاب والمنافقين يرفعون مع أهل الإيمان حتى يتجلى لهم الرب جل وعلا في عرصات يوم القيامة. وأفتى عدد من أهل العلم بهذه الرؤية، ولكن قالوا: يحمل هذه الآية في حق أهل الكتاب والمنافقين أنهم لا يرون الله عز وجل رؤية عامة، وإنما يرونه رؤية سخط. وهكذا كذلك يحمل ما جاء بالأدلة الأخرى فيما يتعلق بالفساق من المؤمنين، فحديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه فيمن يسبل إزاره، قوله: «لا ينظر الله إليه ولا يكلمه، وله عذاب أليم». فالله لا ينظر إليه نظر إنعام، إنما نظر سخط. فمع أن بعض أهل العلم قال: هذا إنما هو إثبات النظر من الله، لا من المخلوق لله، من الله لا من المخلوق لله عز وجل. وعلى هذا، المهم يقال: من ثبتت له الرؤية بالأدلة الشرعية، وجاء بالأدلة الأخرى ما يدل على أنه ينفى عنه، فيكون ذلك المعنى أنه لا يكون على وجه الإنعام، بل على وجه السخط. ومن مسائل الرؤية التي ينبني عليها ما ذكر في الحديث المتقدم: أنه لن يرى أحد ربه في هذه الدنيا. وعلى هذا قول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «رأيت ربي في أحسن صورة». هذا الحديث الذي رواه عبد الله بن عباس، وصحح ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم رأى ربه بقلبه مرتين. وهذا هو معنى قوله عليه الصلاة والسلام: «رأيت ربي في أحسن صورة». أولا لقوله في حديث أبي ذر في صحيح مسلم: «نور أن أراه». وهكذا روي عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: «من زعم أن محمدا قد رأى ربه فقد أعظم على الله الفرية». وهكذا لقوله بالحديث الذي تقدم: «تعلموا أنكم لن تروا ربكم حتى تموتوا». فعلم بهذا أنه ليس أحد يرى ربه في هذه الدنيا بعينه، وإنما تكون رؤية قلب كما وقعت للنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، تكون رؤية قلب، أو الرؤية يوم القيامة. وقد نقل شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله الإجماع في ذلك أن الأمة أجمعت على أنه لن يرى أحد ربه بعينيه في هذه الدنيا. وقاله في ذلك من ضل من كفرة الصوفية أهل الحلول والاتحاد الذين زعموا اتحاد الله بكل شيء، تعالى الله عن قولهم علوا كبيرا. وهكذا من مسائل الرؤية أن هذه الرؤية القلبية نثبتها للنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ولغير النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم هي ممكنة، ولكن لا يستطاع أن يجزم أن أحدا رأى ربه؛ لأنه ليس له مثال سبق حتى يجزم به، ليس كمثله شيء وهو السميع البصير. فهو ممكن من حيث الإمكان، لكنه لا يستطاع أن يجزم به. كما نبه على ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله بفتاويه. فخلاصة هذا: استفدنا من هذه الأبيات أولا أن الأدلة في السنة وكلام سلف الأمة كثيرة بإثبات الرؤية، وأنها رؤية حقيقية، وأن هذه الرؤية تكون لأوليائه، وأعداؤه يحجب عنها، وأن هذا الحجاب يكون على نوعي حجاب بالكلية، أو يكون حجاب عن رؤية الإنعام، وإنما يكون فيه رؤية سخط. وبهذا القدر نكتفي، الحمد لله رب العالمين.