الدرس في شرح سلم الوصول للشيخ حافظ الحكمي رحمه الله 63، الدرس الثالث والستون : (بل نحروا في سواحها النحائر ... بالمال والنفس واللسان ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يشرح الشيخ تحذير المؤلف من أفعال الشرك الأكبر والأصغر، ويبين أن عبادة القبور وتقريب الذبائح لها هو من فعل أهل الجاهلية. كما يوضح أن إهدار الأموال في غير ذات الله ليس من هدي أهل الإسلام.
يشرح المقطع كيف يستخدم شياطين الإنس حيلًا لإضلال الناس وإيقاعهم في عبادة القبور، مثل وضع الأموال في القبور لخداع العامة. كما يذكر أمثلة على الأذى الذي يلحقونه بالموحدين الذين يتكلمون ضد هذه العبادة.
يتناول المقطع وسائل الشرك حول القبور مثل تبديد الأموال في زخرفتها وبناء الأبنية، وسؤال الأموات الحاجات، والتوسل بالجاه. يشرح كيف أن هذه الأفعال تعد من الشرك الأكبر أو الأصغر.
المقطع يوضح أن القول بالجاه لا يعني الوقوع في البدعة بالضرورة، حيث يمكن أن يكون القصد هو الشرك الأكبر. يُفسر ذلك من خلال السياق والسباق، ويُختتم بالتأكيد على أهمية فهم النوايا الحقيقية وراء الأقوال.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. فعلاء للتسييب والبحائر قد صادهم إبليس في فخاخه، بل بعضهم قد صار من أفراقه. قال: يدعو إلى عبادة الأوثان بالمال والنفس وباللسان. فليدعُ شعري من أباح ذلك وأورط في المهالك، الظاهر في قبله بيت عندكم. ها، التمسوا أيضًا. طيب، بعد هذا البيت يدعو إلى عبادة الأوثان بالمال والنفس وباللسان. فالتمسوا الحاجات، فالتمسوا الحاجات من موتاكم، واتخذوا إلههم هواهم، واتخذوا إلههم هواهم. أورد المؤلف رحمه الله تعالى هذه الأبيات الأربعة كذلك تتمة لما سبق في إيراد بعض الأعمال التي يعملها كثير من العامة، وهي من الشرك الأكبر أو الشرك الأصغر، ويريد بذلك التحذير من هذه الأعمال، وأنه ليس هذا من سمات أهل الإسلام، بل من سمات أهل عبدة الأوثان. فقوله رحمه الله: «بل نحر في سوحها النحائر»، النحر هو الطعن في اللبة للبعير والبقر وما كان بمعناه، مما يكون النحر له أريح، والغالب يكون في البعير في الإبل الخاصة. وليس مراده أن هذا هو المنحصر في سوح تلك القبور التي تعبد من دون الله عز وجل، ولكن مراده رحمه الله ذكر الأعلى، فيدخل الأدنى من باب أولى. يعني إذا كانت النحائر تنحر حول تلك القبور، فمن باب أولى الزبائح؛ لأن النحائر أعظم. فإذا كانت تقرب الإبل وربما البقر، فمن باب أولى تقريب الشاة والغنم، وهو من فعل أهل الجاهلية كما سبق. فليس هذا من فعل أهل الإسلام، بل هو من فعل أهل الجاهلية. فلا فرق بين أن تقرب هذه النحائر إلى القبور أو تقرب إلى الأوثان وإلى الأصنام. فما قرب للأصنام وما قرب للقبور كله من صرف الشيء الذي هو عبادة لغير الله عز وجل، فإنه من الشرك. ومر معنا الكلام على ذلك في أوائل هذه الأبيات، في حديث علي: «لعن الله من دبح لغير الله»، وحديث ثابت بن الضحاك: «أل فيه وثن من أوثان الجاهلية يعبد». فإن النبي عليه الصلاة والسلام أراد منعه من نحر ما نذر إذا كان فيه كذلك، وهذا في الحقيقة فيه ما هو ذلك وأشد؛ فهي تعبد من دون الله عز وجل. قال: فعل للتسييب والبحائر. وقوله: فعل للتسييب والبحائر، يريد فعل المشركين، عبدة الأصنام. ولماذا خص وصف المشركين للتسييب والبحائر؟ يريد أن يقول: إن هذا الفعل، أي إهدار الأموال في غير ذات الله عز وجل، ليس هو من هدي أهل الإسلام. فأهل الإسلام لا يهدرون الأموال، وإنما يضعونها في مواضعها التي أمر الله عز وجل بها. وأما إهدارها بوضعها في غير موضعها، ليس هذا إلا من فعل أهل الشرك، عبدة الأصنام. وتأكيدًا لذلك، ضرب هذين الوصفين مثالًا بهذين الوصفين: السائبة وهي التي تسيب من الإبل، والبحيرة كذلك. وقد اختلف في تفسير هذين اللفظين، ومر الكلام عليهما في أوائل هذه الأبيات. وقلنا: إن أقرب الأقوال فيها بأن السائبة هي التي تسيب من الإبل، وخاصة من الذكور إذا انتهى قرقه، فإنهم يسيبونه ولا يحملون عليه شيئًا، ولا يذبحونه، ولا يستفيدون منه. وهكذا كذلك يفعلون في الناقة إذا ولدت أنثى بعد أنثى. وكل هذا من فعل أهل الشرك، فهم الذين يضيعون الأموال ويتركونها هدرًا، ولا يضعونها في حيث أمر الله عز وجل بوضعها. والمعنى أن هذا الفعل الذي يفعلونه هو مشابه تمامًا لفعل عبدة القبور، أي آله القبور. عباد القبور وافقوا وشابهوا عباد الأصنام. قال: قد صادهم إبليس في فخاخه، بل بعضهم قد صار من أفراقه. قد صادهم إبليس في فخاخه، يعني بأن أوقعهم في الشرك الذي وقع فيه أهل عبدة الأصنام. فما وقع فيه عبدة الأصنام مثله تمامًا وقع فيه عباد القبور. صارت ساحات تلك القبور ساحات للذبائح وساحات للنذور وإضاعة الأموال، وما يفعله بالمثل عباد الأصنام. وهذا مراده بفخاخه، أي وقع في نفس الأفعال التي فعلها عبدة الأصنام، وإنما تغيرت الأسماء. فهذا يسمي هذا صنمًا، وهذا يسميه قبرًا. وهذا يسمي ما يعبد به هذا الصنم عبادة، وهذا يسميه توسلًا وتبركًا. أولئك يقولون: ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى، ويجعلونهم شفعاء. وهؤلاء عباد القبور ربما بعضهم قال نفس اللفظ، وربما بعضهم قال: هم وسيلة لنا عند الله، ونحن نتبرك بهم إلى الله. وفي الحقيقة هو لفظ، وأما الفعل والاعتقاد والعمل فهو فعل المشركين، لا فرق. قال: بل بعضهم قد صار من أفراقه، يريد من أفراق إبليس، إذ كان يدعو إلى هذا الفعل ويزينه للناس. وإبليس كما تعرفون قد صح أنه ربما ظهر لبعض الناس، أي بعض جنوده من شياطين الجن، ظهر لبعض الناس ليزين لهم عبادة الأصنام، إما بظهور بعض الأصوات، وإما بظهور بعض الأشباح والصور، إما بالإغراء في الافتتان بعبادة هذه الأصنام، أو بالترهيب والتخويف من ترك عبادة هذه الأصنام. كما وقع حين أراد بعض الصحابة رضي الله تعالى عنهم تكسير بعض الأصنام، خرجت لهم امرأة عارية تدافع عن هذه الأصنام حتى قتلوها، وهي من شياطين الجن التي تدعو الناس للوقوع في هذا الشرك. وهكذا كذلك بالمثل، صار بعض الإنس من أفراق إبليس، أي في الدعوة إلى هذا الشرك الذي هو عبادة القبور، بفعل الأفعال الكثيرة والحيل المتنوعة لتعظيم هذه القبور، وأن تعبد من دون الله. أحيانًا ترغيبًا، وأحيانًا ترهيبًا من تركها. وقد ذكر المؤلف رحمه الله تعالى في شرحه بعض الأمثلة على ذلك ليؤكد وجود هذا الفعل في الواقع. ونحن أهل هذه البلاد عندنا من الأمثلة من هذا الشيء الكثير. منها ما ذكر في كتبهم من هذه الأعمال التي تعمل في فتنة العامة، وما ينكر بالعامة للاستئناس بهذه القبور. ومما ذكره بعض من رجع وهداه الله عز وجل ما كان يفعل هؤلاء، مما قد يضعون في قبة بعض القبور من الأموال أو الهدايا، ما يكون سببًا لفتنة بعض العامة. ربما بعض العامة إذا جاء يريد مالًا، يقول له السدنة: ادخل يدك، يمكن الولي يخرج بركته اليوم. فيدخل يده ويخرج، وإذا بما يخرج له، فيقول لمن يقول هذا لك من بركة الولي. فيخرج وهو يصرف ويصيح بأن الولي اليوم قد أعطاه بهذا العطاء. ونحو ذلك، ربما يوضع لبعض الناس كيس رز في القبر، فيقول: هذا جاءني من الولي الفلاني؛ لأننا أمّرناه أو فعلنا له أو نذرت له أو نحو ذلك. وعلى العكس، إذا صار رجل يعادي بعض هؤلاء أصحاب القبور، ربما تربصوا به وكادوا له المكائد، وفعلوا له من الأذية ما يريدونه أن يكون عبرة للناس فيمن تكلم في هؤلاء الذين يعبدون من دون الله عز وجل. فما أكثر ما فعلوا في كثير من الموحدين، إما أن يسحروا بعضهم إن استطاعوا، وإما أن يسلطوا من يقتله أو يجرحه أو يحرق بيته أو يقتل ولده أو يخطف أو يسرق بعض ماله وولده أو غير ذلك مما يفعل هؤلاء. بل وربما يأتون لبعض المتشككين، كما حكى لنا بعض الآباء أن بعضهم إذا وقع في قلبه شيء ورأوا أنه بدأ يشك في عقيدة عباد القبور، قالوا له: تعال، الولي الفلاني يطلبك عند القبة. فيأتي، وربما وضعوا له داخل القبة رجلًا أسود قويًا، فيقول: أدخل يدك وبايع أو تبرك. فإذا دخل يده، قبض هذا العبد هذه اليد بكل قوته، حتى يدخل الخوف إلى قلب هذا الرجل العام، فيرتعد قلبه قبل أن ترتعد جوارحه من هذا الذي قبض على يديه في هذا المكان الذي ما يتوقع أن فيه شيء. فإذا أراد أن يصرخ، قالوا: توب إلى الولي، توب، توب، أنت آذيت الولي بشيء، اسرع بالتوبة. فإذا صرخ، يقول: توبت إليك يا شيخ فلان، توبت إليك يا شيخ فلان. عند ذلك يطلق سراحه، ويتبع الناس بالتبرك له بأن الشيء تتابع عليه. وهذا في أقل أحواله أنه يمسك لسانه، ما عاد يتكلم بالولي مرة أخرى، ما عاد يستطيع أن يتكلم مرة أخرى. هذا أقل أحواله، هذا إذا لم يرتد بعد إسلامه والعياذ بالله. وهذه بعض حيل أفراق إبليس من شياطين الإنس. قال رحمه الله: يدعو إلى عبادة الأوثان بالمال والنفس وباللسان. أي هذا الذي هو من أفراق إبليس يدعو إلى عبادة الأوثان، والوثن كما قلنا أعم من الصنم. فالقبر الذي يُعبد من دون الله عز وجل هو وثن من الأوثان. بالمال والنفس وباللسان، بالمال بما يكون من زخرفة هذه القبور وبناء الأبنية وإيقاد السرج وجعل الزيارات وبذل الأموال في طعام الطعام والسقيا في أعياد الزيارة ونحو ذلك، مما يكون فيه فتنة. بل وربما من الأموال التي تبدد كما قلنا ترغيبًا وترهيبًا، ترغيبًا بإنشاء الكذب والقصص الكاذبة التي يراد منها تعظيم هذه القبور، إما كتب تؤلف أو حكايات تنشر كذبًا، أو ربما كذلك وقائع تلفق لأجل أن يعظم هذا القبر. فإن قال قائل: ما فائدة استخدام هذا الكذب وهم يعرفون أنه كذب؟ الجواب عن ذلك أن لهذا فوائد. أول ما يستفيدون به هو نصرة هذا المذهب المنحرف، فإنهم لأنهم من أهله، من أهل هذا الباطل يحبون نصرة هذا المذهب الباطل ولو بالكذب. وصاحب الباطل لا يبالي بالانتصار بالكذب؛ لأنه ليس عنده دين. والأمر الثاني: أنهم ربما يفعلون ذلك حفاظًا على الجاه. ربما يظنون أن ظهور الحق ومعرفة الناس للتوحيد وحذرهم من الشرك واجتناب هذه الأوثان التي تعبد من دون الله، معناه سقوط الجاه، كما يظنه كثير ممن انتسب لآل البيت. وهكذا من هذه الأسباب، وهو أعظمها وأكثرها الارتزاق بهذه القبور. فأكثر هؤلاء من السدنة ومن كان بمعنى هؤلاء يرتزق ويعيش بهذه القبور، فهو لا يبالي أن يبدد المال القليل ليكسب المال الكثير. ربما يقول: نحن نذبح عشر دبائح، عشرين دبيحة يكون فيها زيارة وعيد ويأتي الناس، لكن يطمعون أن يأتي عندهم أضعاف هذا المال من النذور والأوقاف والصدقات وغير ذلك مما يبدل لهذه القبور، فيكون المنتفع بها هم هؤلاء. وهكذا قوله: والنفس وباللسان، يعني أنهم يبددون في ذلك بالمال والنفس وباللسان. وتكرار الحرف بعد العطف كما قلنا يدل على معنى زائد. ومر معنى هذا قبل بأن تكرار الحرف بعد العطف يدل على إضافة معنى زائد. يعني أن كذلك الدعوة باللسان هي أعظم من أعظم وسائل الدعوة التي يدعو إليها هؤلاء إلى الشرك وإلى ما يدعو إليه إبليس. ثم ذكر رحمه الله البيت الأخير، وهو أنهم توجهوا إليه بالحاجات إلى أولئك الأموات. وفسر المؤلف رحمه الله تعالى بشرحه بأن سؤال الحاجات من الأموات هي فيما لا يقدر عليه إلا الله عز وجل. والصواب أنه لا ينحصر في هذا، بل سؤال الأموات حتى فيما يقدر عليه الحي يعد من الشرك الأكبر. فإذا سئل الميت ما يسأل الحي ويستطيعه الحي، صار هذا من الشرك الأكبر. فالشرك الأكبر ليس فقط بسؤال الميت ما لا يقدر عليه إلا الله، كدفع البلاء وجلب النفع ونحو ذلك من خصائص الرب جل وعلا. بل حتى إذا طلب من الميت ما يقدر عليه الحي، فهو يعد من الشرك الأكبر؛ لأن هذا الميت لا يملك ذلك، واعتقاد أن الميت يملك ذلك هو تشبيه له بالرب جل وعلا، ووصفه ببعض صفات الربوبية التي هي باب آخر من أبواب الشرك. فالميت لا يملك لنفسه نفعًا ولا ضرًا، فكيف يملك لهذا ما يملكه الحي؟ وقد نص العلماء على ذلك، ومر معنا من كلام شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب وغيره، شيخ الإسلام ابن تيمية، هذا الكلام في دروس ماضية. وهكذا كذلك من معاني الشرك الأكبر في دعاء هؤلاء الأموات وسؤالهم الحاجات، كذلك ما قد يقع حتى من طلب الدعاء منهم. وقد تفصّل العلماء في مسألة الدعاء لطلب الحاجات. إذا طلب من الميت الدعاء، كان يأتي إلى الميت ويقول: ادع الله لي، ادع الله لي. فمثل هذا فيه تفصيل. إن كان يظن أن هذا الميت يسمع، فهو شيء بدعة، ويقع فيه في الشرك الأصغر؛ لأنه ذريعة للشرك الأكبر. وأما إن طلب منه أن يدعو فيما لا يقدر عليه الدعاء، إنما هو من خصائص الرب جل وعلا، وفيه اعتداء على حق الله عز وجل، فهذا من الشرك الأكبر. كذلك كان يطلب منه أن ينجيه من النار أو نحو ذلك من الأمور التي هي ليست إلا إلى الله جل وعلا. وهكذا كذلك في مسألة الجاه، لو جاء وتوسل بالجاه، يكون على التفصيل المذكور. فالجاه قد يراد به معنى ليس هو إلا من معاني الشرك الأكبر. فليس كل من قال بالجاه يقع في البدعة لا؛ لأن بعض يتلطف بالجاه، ولكنه في الحقيقة يقصد ويريد، والسياق والسباق يدل على أنه يريد الشرك الأكبر. طيب، هذا خلاصة ما يذكر بهذه الأبيات، وبه نكتفي. الحمد لله رب العالمين.