الدرس في التعليق على شرح الميمية للعلامة العثيمين 11، الدرس الحادي عشر:من( ثم قال رحمه الله:وما رئي الشيطان أغيظ في الورى*وأحقر منه عندها وهو ألأم ... لأنهم لا يذهبون إلى جمع إلا بعد غروب الشمس ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يوم عرفة يوم عظيم تغيظ الشيطان بسبب نزول الرحمة والعتق من النار. الشيطان يغيظه أن يرحم الله أعداءه ويفرح بما يسوءهم.
يشرح الشيخ أبيات شعرية تتعلق بغيظ الشيطان عند رؤية رحمة الله ومغفرته. مكر إبليس يهدمه الله عز وجل كما هو مبين في الآيات القرآنية والأحاديث النبوية.
الرواح إلى المزدلفة لا يعني بالضرورة الذهاب بعد الزوال، بل يمكن أن يعني الانطلاق في أي وقت. الحجاج لا يخرجون من عرفة إلا بعد غروب الشمس كما دلت على ذلك السنة النبوية.
مشهد انتقال الحجاج من عرفة إلى المزدلفة كمشهد عظيم يشبه ما سيحدث يوم القيامة. يُعد هذا المشهد تمثيلاً لما سيحدث يوم القيامة ويهدف الناظم إلى إيصال هذا المعنى.
الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة، ثم قال رحمه الله تعالى: «وما رؤي الشيطان أغيض في الوراء وأحقر منه عنده وهو الأم»، يعني رحمه الله أن الشيطان يصيبه من الغيض والذل والحقارة في هذا اليوم ما لم يصبه من قبل، إلا ما كان في يوم بدر. لأن الشيطان عدو لنا، بل عدو لبني آدم، وكل عدو فإنه يغيظه أن يرحم عدوه، ويفرح بما يسوء عدوه، فإذا غفر الله لأهل عرفة ساءه ذلك واغتلمه. وقوله: «وما رؤي الشيطان أغيظ» أي: ما رؤي الشيطان أغيظ في يوم من الأيام من يوم عرفة. ولهذا قال بعد ذلك: «وذاك لأمر قد رآه فغاضه، فأقبل يحتو التربة غيظا ويلطم»، قال: «إلا ما رؤي يوم بدر»، فلقد كان غيظه في يوم بدر أشد وأعظم، وذلك لأن يوم بدر حصل فيه من نصرة النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه والمؤمنين ما لم يحصل مثله إلى يوم القيامة. حتى سماه الله يوم الفرقان، فقتل فيه من صناديد قريش عدد لم يقتل في أي وقعة أخرى، فقد قتل أربعة وعشرون رجلا وألقوا في قليب خبيثة من قلوب بدر. ووقف النبي عليه الصلاة والسلام ينادي عليهم بأسمائهم وأسماء آبائهم، فيقول: «يا فلان ابن فلان، هل وجدتم ما وعد ربكم حقا؟ فإني وجدتم ما وعدني ربي حقا». فكلمهم وهم أموات توبيخا وتقريعا وتنديما لهم، فقال له الصحابة: «يا رسول الله، كيف تكلم أقواما جيفوا؟» فقال صلى الله عليه وسلم: «ما أنتم بأسمع لما أقول منهم»، يعني أنهم يسمعون أكثر مما تسمعون، لكنهم لا يجيبون. ولقد كان المسلمون في هذه المعركة عددهم ثلاثمائة وبضعة عشر رجلا، وليس معهم إلا سبعون بعيرا وفرسان فقط، يتعاقبون عليها ويقاتلون نحو ألف رجل جاءوا بعددهم وعدتهم. وجاءوا كما قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بَطَرًا وَرِئَاءَ النَّاسِ﴾. وكان يقول زعيمهم أبو جهل: «والله ما نرجع حتى نقدم بدرا فنقيم فيها ثلاثا ننحر الجزور ونسقي الخمور وتعزف لنا القيان» -يعني الجواري المغنيات- قالوا: «وتسمعوا بين العرب فلا يزالون يهابوننا أبدا». قالوا: «هذه الأغراض الأربعة صارت على عكس ما أرادوا»، فنعم قد سمعت بهم العرب، ولكن سمعت بذلهم وهزيمتهم. وصارت وقعة بدر والحمد لله ذلا لهم إلى يوم القيامة -يعني للمشركين-. أورد رحمه الله هذا التعليق على هذه الأبيات لابن القيم رحمه الله تعالى، وهو يصف أهل الموقف وغيظ الشيطان مما يراه من الخير الذي يأتيهم، كما سبق من مغفرة الله عز وجل وعتق الكثير منهم من النار. وأبن القيم رحمه الله يشير إلى حديث يروى عن النبي صلى الله عليه وسلم، روي مرسلا وروي موصولا. وأشار في التعليق إلى هذا الحديث، وهو حديث طلح بن عبيد الله بن كريز يرويه مرسلا عن النبي عليه الصلاة والسلام: «أن إبليس ما رؤي يوما هو أصغر ولا أحقر ولا أدحر ولا أغيظ من يوم عرفة، وذلك مما يرى من نزول الرحمة والعفو عن الذنوب» -يعني في ذاك اليوم- «إلا ما رأى يوم بدر». فقالوا -أي الصحابة-: «يا رسول الله، وما رأى يوم بدر؟» قال: «أما إنه رأى جبريل عليه السلام يزع الملائكة» -يعني ما يغيظه أكثر ما يغيظ إبليس أكثر- فإنه لم يأتيه الغيض بأعظم مما وقع له من يوم بدر وبعده ما يقع له في يوم عرفة. وهذا الحديث كما أشار المعلق، وقد ذكر ذلك غير واحد من أهل العلم أنه مرسل. وعندكم تعليق بهذا، والنقل عن ابن كثير وغيره، وبعض أهل العلم حسنه كما نقل عن ابن عبد البر، وهو كذلك جاء عن غيره -أي تحسين هذا الأثر المرسل- لأنه جاء من طريق أخرى موصولة عند الحاكم عن أبي الدرداء. ولكن الصحيح أن الحديث ضعيف، فأسانيده لا ترتقي إلى الصحة والحسن. ولهذا ذكره بعض أهل العلم، ومنهم العلامة الألباني رحمه الله مع الأحاديث الضعيفة، فقد ذكره في ضعيف الترغيب. لكن بالجملة معناه صحيح. فالشيطان كما ذكر الشيخ يغيظه ما يكون به فرح عدوه، وهذا من هذا الباب. وما ذكره بعد ذلك: «وذاك لأمر قد رآه فغاضه، فأقبل يحكو التربة غيظا ويلطم»، وهذا الأمر الذي رآه فأغاضه هو ما يغفر الله وما يعتق في هذا اليوم مما ليس له نظير في غيره من الأيام. قال رحمه الله تعالى: ثم قال رحمه الله: «وأما ما ذكر الشيخ رحمه الله بالنسبة لقتل المشركين يوم بدر وخطاب النبي صلى الله عليه وسلم لهم وقوله: "ما أنتم بأسمع لما أقول منهم" فإن ذلك لا ينافي قول الله عز وجل: ﴿إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾، وقوله سبحانه: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾. فإن بعض عباد القبور يستدلون بمثل هذا الحديث على جواز مخاطبة أهل القبور، ما أنه هناك فرق، فهؤلاء كفار وأهل شرك وخاطبهم النبي صلى الله عليه وسلم على وجه التنكيل. وهؤلاء المفتونون بالقبور يدعون المسلمين من يرجون منه ما لا يجوز أن يرجى إلا من الله، ومن نزلوهم منزلة فيها محادة ومنادة لما هو لله سبحانه وتعالى. ومع ذلك فهذا كما قلنا لو قدر أنه صحيح أن الميت يسمع، فليس معنى ذلك أن يصنع معه ما يصنع عباد القبور مع من غلوا فيهم فعبدوهم من دون الله. فكيف إذا علم أن هذا الحديث الصحيح أنه يوجه بتوجيه؟ وذلك أن أدلة الكتاب والسنة تدل على أن الميت لا يسمع إلا في مواضع استثناها الدليل. من هذه المواضع خطاب النبي صلى الله عليه وسلم للمشركين في هذا الموضع خاصة، وهكذا كذلك سماع الميت في لحظات يسيرة عند انصراف الناس، حكمة من الله سبحانه وتعالى، وهذا عندما يسمع قرع النعال، فهو لا يسمع بعد ذلك لأنه يكون في العالم الآخر، وهو عالم أهل البرزخ. فآيات القرآن وأحاديث النبي عليه الصلاة والسلام تدل على ذلك، وبهذا تجتمع الأدلة، وإعمال الدليلين أولى من إهمال أحدهما. ثم قال رحمه الله: قال ثم قال رحمه الله: «لما عاينت عيناه من رحمة أتت ومغفرة من عندي ذي العرش تقسم»، قال: قوله «لما» اللام للتعليل، يعني أنه فعل ذلك لأجل ما عاينت عيناه من الرحمات العظيمة. وهو يشير إلى ما سبق ذكره من غيظ الشيطان وفعله بنفسه ما ذكر، وهو يشير إلى الحديث المتقدم. قال ثم قال رحمه الله: «بنا ما بنا حتى إذا ظن أنه تمكن من بنيانه فهو محكم أتى الله بنيانا له من أساسه فخر عليه صاغرا يتهدم، وكم قدر ما يعلو البناء وينتهي إذا كان يبنيه وذو العرش يهدم». قال: معنى هذه الأبيات الثلاثة أنه إذا كان الله عز وجل يهدم ما بناه إبليس في لحظة، فإنه لا يمكن أن يعلو له بناء. وأنت مهما عملت من المعاصي ثم تبت إلى ربك وأنبت بإخلاص وصدق، فإن هذه المعاصي كلها تزول، قال تعالى: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾. والمعنى كما أن إبليس يهدم الله عز وجل بناءه -والمراد بذلك مكره ووسوسته وسيء أفعاله- فكذلك ينبغي أن يعتبر كل مسيء. وفي المقابل كذلك يعتبر كل من استعتب ويرجو رحمة الله سبحانه وتعالى بما يكون من فرح قوم وغيظ آخرين وندمهم حيث لا ينفعهم ندم في هذا الموقف العظيم، وهو يوم عرفة، فكذلك ينبغي أن يكون في غيره. قال ثم قال رحمه الله: «وراحوا إلى جمع فباتوا بمشعر الحرام وصلوا الفجر ثم تقدموا»، قال: قوله «وراحوا إلى جمع» أي الحجاج، والرواح قد يراد به لا الانطلاق في آخر النهار فحسب، ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم بحديث أبي هريرة: «فيما تقدم إلى فيمن تقدم إلى يوم الجمعة من راح بالساعة الأولى»، وهذا في أول النهار. يريد أن يشير الشيخ رحمه الله أن كلام الناظم في هذا البيت «وراحوا إلى جمع» ليس معناه جواز الخروج من عرفة قبل الغروب، لأنه على القول الصحيح لا يجوز خروج الحاج من عرفة قبل غروب الشمس، بل الواجب عليه أن يخرج من عرفة بعد غروب الشمس، هذا واجب من واجبات الحج. فللحج أركانا وله واجبات، فمن واجباته وجوب البقاء في عرفة حتى تغرب الشمس. فقول المؤلف «وراحوا إلى جمع» ليس معناه خرجوا من عرفة قبل غروب الشمس، لأن الرواح هو الانطلاق قبل غروب الشمس، لكن مراد المؤلف ها هنا «وراحوا» أي وانطلقوا. وهذا كثير في الشرع، في اللغة والسياق يبين المعنى. وأشار الشيخ في هذا الحديث، وهو في الصحيحين كما أشير عندكم في التعليق، يدل على هذا المعنى، فقد قال النبي عليه الصلاة والسلام: «من راح في الساعة الأولى»، وليس المراد يذهب قبل المغرب وبعد العصر، وإنما المراد من ذهب وانطلق. فأراد أن يزيل هذا الإشكال بهذا التنبيه رحمه الله. قال: وأما قول من قال: إن الرواح يكون في آخر النهار ولا يصح لغير ذلك، فإنه قول لا أصل له. فاللغة العربية تدل على أن الرواح وإن كان في الأصل يكون بعد الزوال، ولكنه قد يطلق أيضا على مجرد الذهاب. ولهذا نظائر كثيرة في اللغة، وهكذا كذلك في الشرع. وأشار الشيخ إلى الحديث، وعندكم في التعليق ما نقله المعلق عن ابن منظور في لسان العرب في استعمال الرواح، فقد ذكر أنه يقال: «راح القوم» دساروا وغدوا. ويقول أحدهم لصاحبه: «تروح»، ويخاطب أحدهم أصحابه فيقول: «تروحوا» أي سيروا. وهذه كلها إشارات إلى أن الرواح لا يشترط أن يكون في وقت ما بعد المساء، ما بعد الظهر والزوال، بل قد يذكر ويراد به مطلق الانطلاق والذهاب. قالوا: هذا موجود حتى في اللغة العامية الآن، فأنت تقول للرجل في الصباح: «أين ذهبت؟» فيقول: «رحت لفلان»، وهذا في عرف بلاد الشيخ، وفي عرفنا كذلك هنا في بلادنا، فيقولوا: «راح فلان»، وليس معناه ذهب بعد الزوال، ولكن معناه ذهب وانطلق. فإذن الكلمة يعرف معناها بسياقها. قال: وقوله «وراحوا إلى جمع» أي بعد غروب الشمس، لأنهم لا يذهبون إلى جمع إلا بعد غروب الشمس، كما دلت السنة على ذلك، فقد صحت الأحاديث الكثيرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه فعل ذلك، وقد أمرهم أن يأخذوا مناسكهم منه عليه الصلاة والسلام. فلا يجوز الخروج من عرفة إلا بعد غروب الشمس، بل صح من قوله عليه الصلاة والسلام معناه في تفاصيل معروفة في كتب الفقه والحديث. والمقصود ها هنا أن ينبه الشيخ رحمه الله إلى ما قد يتوهم أن الإمام بن القيم رحمه الله يجيز الخروج من عرفة قبل الغروب، وهذا ليس بصحيح. ومراد بن القيم رحمه الله بهذا إشارة إلى ما تقدمت الإشارة إليه من أنه يريد أن يربط بين هذا المثل القريب بذاك المثل البعيد في حال الناس وانتقالهم في هذا المشهد العظيم، هو مشهد الحج. فإن انتقال الناس يوم عرفة من عرفة إلى جمع مشهد عظيم، كما قال شيخنا رحمه الله في تعليقه: «تكاد العين ماذا تدمع مما ترى من هول وعظم ذاك الموقف الذي لا يستطيع الإنسان معه إلا أن يعتبر ويتعظ بما يكون يوم القيامة، فهو أعظم وأعظم». وهذا هو المقصود، أراد الناظم رحمه الله أن يشير بهذا المثل القريب إلى ذاك المثل البعيد بما يكون به الاتعاظ والاعتبار. وإلى هنا والله تعالى أعلم.