الدرس في الإيمان الأوسط 32، الدرس الثاني والثلاثون:( ولهذا قال علي الصلاة والسلام:الجالب مرزوق والمحتكر ملعون ... وقيل:ما يتكرر كل عام فهو على العامل وما عداه فعلى رب الأرض ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يتناول هذا الفصل مفهوم الإحسان في المعاملات المالية وأهمية طلب الحلال والابتعاد عن البيوع الفاسدة. كما يشير إلى فضل النفقة على العيال والعمل الصالح.
يتناول هذا الفصل أهمية الإحسان في البيوع ويحذر من الحلف والكذب والغش في المعاملات التجارية. كما يشير إلى أن البيع يجب أن يكون مبنيًا على الصدق والعدل.
يتناول هذا الفصل أحكام البيع والشراء ويشدد على أهمية الصدق والتبيين في المعاملات. كما يبين فضل الإحسان في هذا السياق ويشير إلى وجوب إطعام الجائع وكسوة العاري.
يتحدث هذا الفصل عن وجوب الوقف لمساعدة المحتاجين ودرء المفسدة، ويستشهد بمواقف الصحابة وأحاديث النبي صلى الله عليه وسلم. كما يتناول أحكام المشاركة في الأعمال والبيوع.
الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. قال المؤلف رحمه الله تعالى: ولهذا قال عليه الصلاة والسلام: «الجالب مرزوق والمحتكر ملعون» والحديث لا يصح. قال: «وقال: لا يحتكر إلا خاطئ» رواه مسلم، وهذا هو أصح ما روي في الاحتكار، فلا يجوز الاحتكار. والاحتكار المذكور هنا هو ما فيه إضرار بالمسلمين. وأما معنى الاحتكار في اللغة أوسع؛ فقد يحفظ الإنسان بعض السلع مع وجودها في السوق، وهو لا يمنع سلعته من السوق، ولكن يحفظها لأن سعرها -مثلًا- ساقط، فينتظر تحسن الأسعار، فهذا لا حرج فيه. فحفظها بهذا الوجه ليس فيه ضرار بأهل السوق، ليس من الخطأ. قال: وأما ما جاء في قفيز الطحان من النهي، فهذا لا أصل له. والمقصود بقفيز الطحان -يعني- مما يحفظ، فيكون فيما يظن أنه يجوز من الاحتكار وليس كذلك. قال: لأنه لم يكن يومئذ بالمدينة طحان ولا خباز، لعدم حاجتهم إلى ذلك. كما أن المسلمين لما فتحوا البلاد، كان الفلاحون كفارًا، فاستعملوهم فيها حتى أغناهم الله عنهم -يعني- في البلاد التي فتحوها. قال: ولهذا ذهب طائفة من أهل العلم -كمحمد بن جرير الطبري- أن الكفار لا يقرون في دار الإسلام بالجزية إلا إذا كان أهل القبل يحتاجون إليهم، فإذا استغنوا عنهم أجلوهم، كما أجل النبي صلى الله عليه وسلم بني النضير، وأجل عمر رضي الله عنه أهل خيبر. وهو موضع خلاف بين أهل العلم، ليس هذا موضع بسطه. والصواب أن هذا الحكم خاص بجزيرة العرب، أما غير جزيرة العرب فيجوز بقاؤهم فيها، ولو لم تكن هناك حاجة إليهم، فيترك الناس يرزق بعضهم بعضًا. وكذلك لعل ذلك مدعاة لإسلامهم ودخولهم في هذا الدين، وبالضوابط والشروط التي ذكرها العلماء في أحكام أهل الذمة. قال: والغرض هنا، إذا كان الكافر الذي هو عدو الملة يجاور ويعامل، ويعطى أجرة المثل عند الحاجة، ولا يحل ظلمه في شيء، فكيف المسلم إذا قام بما يجب عليه من مصالح إخوانه، من طحن بر وإصلاح خبز وتسوية طعام وإحكام بناء ونسج ثوب، وغير ذلك مما هو فرض كفاية؟ فحقه أن من احتاج إلى أخيه بشيء من ذلك، الإحسان إليه يدفع ما يتعين له من أجرة أو ثمن أو قرض أو عوض. وهذا هو الإحسان في هذا الباب، وقد أمر الله عز وجل بالإحسان في كل شيء. وهذا هو المقصود من ذكر هذه الاستطرادات والمسائل التي مرت معنا. قال: فقد قال عليه الصلاة والسلام: «خيركم أحسنكم قضاء» وهذا عام يتناول الدين، ويتناول كذلك كل قول وعمل له مكافأة، فيكافأ بالأحسن. ولهذا قال الله عز وجل: «وَإِذَا حُيِّيْتُم بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا» فهو على هذه القاعدة: «خيركم أحسنكم قضاء». سلم عليك ترد عليه السلام بأحسن، عمل لك خبزًا تعطيه أجرة بأحسن مما يتوقع، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «سمحًا إذا باع، سمحًا إذا اشترى». فسماحة الإسلام في البيع أنك تزيد في العطاء، وسماحة الإسلام في الشراء أنك تكون أكرم من البائع. فلو أن أهل الإسلام حققوا آداب أخلاق الإسلام التي دعا إليها هذا الدين، لكان مجتمعًا مثاليًا، الكل يتنافس على الإحسان والبر. البائع يزيد، المشتري يكرمه، له كيلو يزيده فوق، والكيلو زيادة، هذا من الإحسان. «سمحًا إذا باع» وهكذا كذلك المشتري سيكون أكرم منه. قال: وهؤلاء الذين يبيعون سائر أصناف الحلال، فعليهم فيما يبيعون فيه ويشترون الزكاة إذا بلغ النصاب، حال عليه الحول. وهذا من الإحسان؛ لأنه -كما تقدم معنا- الإحسان يتناول الواجب والمستحب. قال: ومن أحب أن يلحق بدرجة الأبرار ويتشبه بالأخيار، فلينوي في كل يوم تطلع فيه الشمس نفع الخلق فيما يسر الله من مصالحهم على يديه، وليطع الله في أخذ ما حل وترك ما حرم، وليتورع عن الشبهات ما استطاع. فإن طلب الحلال والنفقة على العيال، فإن طلب الحلال والنفقة على العيال باب عظيم لا يعدله شيء من أعمال البر. ومعناه: هو من مواضع الإحسان التي ينبغي للمسلم أن يحتسبها. وإذا احتسب ذلك نال أجرًا عظيمًا. فإذا كان النفقة على الغريب فيها دعوة الملك: «اللهم أعط منفقًا خلفًا» فالنفقة على القريب من باب أولى. قال: وقد روينا عن الصديق عائشة رضي الله عنها مرفوعًا إلى النبي صلى الله عليه وسلم: «أحسن أكل العذب من كسب يده، وإن ولده من كسبه». ومعنى الحديث ما تقدم. والحديث -كما أشار- صحاحه العلام الألباني في الصحيح، النسائي وغيره. قال رحمه الله تعالى: وللبخاري: «خفف على داود القرآن، فكان يأمر بدوابه فتسرج، فيختم القرآن قبل أن يفرغ من شأنها، وكان يأكل من عمل يده». والشاهد من الحديث أنه كان يأكل من عمل يده. وهذا معنى أنه كذلك كان يطعم أهل بيته من هذه النفقة. فإذا كان الأنبياء يحرصون على ذلك، فنحن من باب أولى أن نحرص على هذا. فهذا لا ينافي التفرغ للخير والطاعة. وقرن هذا الحديث بين هذين العملين: الديني والدنيوي، لأجل أن لا يضن أن الاجتهاد في الطاعة ينافيه الكسب. فهذا داود عليه الصلاة والسلام كان يجتهد في قراءة القرآن -يعني- من كلام الله الذي أنزل إليه، ومع ذلك مع هذا الاجتهاد ما منعه ذلك من أن يعمل من كسب يده، هذا المقصود. قال: وقال ابن المبارك لأصحابه -وهو في الغزو-: هل تعلمون عملًا أفضل من هذا؟ قالوا: لا نعلمه. قال: بلى، أنا أعلمه: رجل متعفف محترف أبو عيال، قام من الليل فوجد صبيانه مكشفين فغطاهم، وثار إلى صلاته -يعني- جمع بين حق الله وحق عباد الله. فهذا أفضل الناس عند الله، أفضل من المجاهد في سبيل الله -كما ذكر ابن المبارك- لماذا؟ لأن هذا الجهاد الذي ذكره جهاد في وجه مستحب، وقيام هذا الأب بحق أبنائه ما عبادته لربه، حتى أنه يقوم الليل فيقوم بهذين الحقين، هذا من الواجب، ومن الفضل على الأقربين الذي هو أفضل من غيره من أبواب الفضل. فالجهاد في سبيل الله من أفضل الأعمال، لكن إذا عارضه واجب فالواجب أفضل، وإذا عارضه منفع في حق الأقربين فهو أفضل. ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم لذلك الذي يريد الجهاد -أي- المستحب، وأبواك حيان: «أبواك حيان، ففيهما فجاهد». لماذا؟ لأن هذا من تأدية الحق الواجب أو المستحب في حق الأقربين، والأقربون أولى بالمعروف. فكان هذا من فقه ابن المبارك رحمه الله. قال: ومن اجتنب البيوع الفاسدة، ونزه لسانه عن الحلف في البيع، كذلك من الإحسان. قال: روى البخاري مرفوعًا إلى النبي صلى الله عليه وسلم: «اجتنب الحلف في البيع؛ فإنه ينفق ثم يمحق» -يعني- ينفق السلعة، لكن يمحق بركة البيع. فليس من الإحسان الحلف في البيع. ومعنى من أراد الإحسان فلا يحلف في بيعه وشرائه. وقد ورد في هذا الباب أحاديث كثيرة عن النبي عليه الصلاة والسلام: الحلف منفقة للسلعة، ومنحقة للبركة. قال: ومن حفظ معاملته عن المخادعة في البيع، وخلف الوعد، فقد وفق لأمر عظيم. وأفضل ما يستعين به من له عناية بدينه القناعة. وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم: «موت أحد عطاء أوسع» أفضل من هذا المعنى. والقناعة كنز عظيم: أن يقنع المرء، يقنع الله عز وجل المرء بما آتاه الله وأعطاه. فالغنى غنى النفس. ومن أسباب حب الناس أن يزهد المرء في أيدي الناس. وهذا كذلك من أعظم أسباب حب الله. قالوا: حسن الظن بالله، والثقة بما ضمن من الرزق، وخوف الحساب، ومراقبة الجليل؛ فإنه قال: «وَقُولُوا الْحَقَّ فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُون» والمعنى: أن هذه كلها من أبواب الإحسان التي ينبغي أن تراعى في البيوع. قال رحمه الله: فصل. قوله صلى الله عليه وسلم: «البيعان بالخيار ما لم يتفرقا» الحديث رواه ابن عمر، وحكيم بن حزام، وغيرهما رضي الله عنهم. قال: فعامة البيوع المباحة تحتاج إلى الصدق، وهو محض الحق، وبذل النصرة، وتفسد بالكذب: كتمان العيب أو النقص، وهذا عين الخيانة، وأصل الغش. وهذا من الإحسان في البيع. فإن صدقا وبينا بورك لهما في بيعهما، وإن كتما وكذبا محقت بركة بيعهما -كما صح عن النبي عليه الصلاة والسلام-. قال: والبيع تارة يكون مباحًا -كرجل احتاج إلى ثمن شيء فباعه- لا يريد بذلك إلا الثمن، لنفقة واجبة، ومصلحة. ويكون البيع واجبًا -كطعام يجب بذله لمحتاج إليه بثمن المثل- لا وكسة ولا شطط. وهذا قد تقدم معنا: أنه حتى يجوز للسلطان أن يلزم بهذا البيع. ولكن من العدل والإحسان أن يكون بثمن المثل. ومعنى لا وكس ولا شطط: يعني لا نقص فيه، ولا كذلك مجاوزة للحد، ولا مجاوزة للحد، بل يلزم في ذلك العدل. قال: ولهذا نهى عن تلقي الركبان، الحديث. وأثبت له الخيار إذا بلغ السوق. وهذا من العدل والإحسان. فمن الإحسان إلى أهل السوق، ومن يرد إليه: أن لا يحصل تلقي الركبان. وإذا وقع فهو بالخيار إذا بلغ السوق. قال: ولهذا كان مذهب أكثر الفقهاء على أنه نهي عن ذلك؛ من أجل ضرر البائع هنا؛ لأنه إذا لم يكن عرف قيمة المثل، ولا درى السعر بالحاضر، وتلقيت منه السلعة، فاشتريت بمبلغ، لعله دون القيمة. وهذا هو الغالب، وهو الذي يدفع الناس إلى الخروج خارج الأسواق، وتلقي الركبان. قال: فأثبت له الخيار إذا بلغ السوق. وفي الخيار هنا أقوال: منها أنه يثبت له الخيار إذا غبن في البيع، وإليه ذهب أحمد. والثاني: أنه يثبت مطلقًا، وبه قال الشافعي، وأكثر أهل العلم، وهو أظهر قوليه -يعني- في هذه المسألة، وهو الصواب؛ لأن في هذا منفعة كذلك لأهل السوق. فتلقي الركبان، ولو كان بنفس سعر السوق، هو يضر أهل السوق. فلهذا نهي عن ذلك. قال: وقال طائفة: إنما نهي من أجل ضرر المشتري؛ لأنه إذا اشتراه بثمن، لا يبيعه بالسوق إلا بالزيادة، فيغلو على المحتاج إليه. وهذا وجه آخر -كما تقدم- فكأنه صلى الله عليه وسلم أراد أن يشتريه من يحتاجه بغير واسطة؛ لألا يتضاعف الربح، فيغلو. وكل المعنيين مقصود -كما سبق-. قال: وفي الجملة: فقد نهي فضلًا للمصلحة. فإذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم نهي عن البيع الذي هو حلال الجنس، حتى يعرف السعر، البائع ويتحقق المشتري السلعة. وصاحب القياس الفاسد يقول للمشتري: أن يشتري ما شاء، أين شاء، وقد اشترى برضى البائع. ولا شك أن في هذا شيء من الإخفاء والكتمان الذي يمحق الله به البركة؛ لأنه ما خرج له إلى الخارج إلا وهو يريد أن يخفي عليه شيء، ويريد أن يأخذ منه بأقل. فإذا ينبغي للمسلم أن يعامل أخاه المسلم بما يحب لنفسه: «لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يُحِبَّ لِأَخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ». قال: والشارع رعى المصلحة العامة؛ لأن الجالب إذا لم يعرف السعر، ولا أخبر بثمن المثل، كان المشتري قد غره. وليس ذلك من الصدق، ولا النصح في شيء، إنما هو خيانة وغش. فإذا أضاف إليها كذبًا صريحًا -مثل أن يقول: قد أعطيت فوق ما يساوي في سوقه، لأجل حاجتي إلى ذلك- ونحو هذا مما يستعمله من لا عناية له: مطعمه ومشربه -يعني- من الصدق، وتحرى الحلال. ومن جُل قصده تثمير المال -يعني- زيادته، ولو بغير حلال -كحال الكثير من الناس- إلا من رحم الله. قال: والمفاخرة والمكاثرة بحسن المخادعة في البيوع، وكل ذلك محرم محذور. وقد تقدم معنا: أن الكتمان يعتبر خطيئة، فكيف بالكذب والخيانة؟ فهو أشد. وبه نعرف بطلان ما يقوله العامة: «البيع والشراء حرب المؤمنين». إيش معنى حرب المؤمنين؟ معنى عندهم: افعل ما تشاء فيه، اكذب، وغش، وخن، وافعل ما تفعل، فحرب المؤمنين. وهذا كذب على الله، وعلى رسوله، وعلى دين الله سبحانه. ما كان المؤمن يكذب، ويغش، ويخون أبدًا، بل هذا حرب الفجار الذين لا دين عندهم، ولا أمانة. قال: ولذلك ألحق مالك، وأحمد: كل سليم الصدر في الفهم، لا يساوم ولا يماكس بالجالب. فلا يأخذ من هؤلاء إلا قيمة المثل، وأن يقنع في معاملتهم بأيسر ربحين؛ لأنهم جاهلون بالسعر. والبيع يعتبر فيه الرضا، والرضا تبع للعلم. وإما إذا لم يعلم المشتري بسعر المبيع، ولا الجيد من جنسه، فاستسلم للبايع، فإنما رضاه باختياره له، وليس ذلك الرضا المشترط في صحة البيع. ولهذا قال العلماء، ونصوا على ذلك: أن من لا يحسن المماكسة -معنى المماكسة- يعني المبايعة. فالبيع معه على هذا الوصف ظلم له. قال: بعض الناس يأتي ويقول: السوق عندنا أن ترفع قليلًا، ثم يماكسك المشتري فتنزل. لكن هذا يختلف، بعض الناس يخوفك في الرفع، تقول له: بكم هذه السلعة؟ يقول: بألف. تقول: كم النهاية؟ يقول: خمسمائة. حتى ترتعد. إيش خمسمائة؟ من ألف إلى خمسمائة مرة واحدة، فتمشي قليلًا، يقول: تعال خذه بميتين وخمسين. هذه مماكسة خطيرة. طيب إذا جاء الإنسان الغريب: بكم هذا؟ قال: بألف. أعطاك الألف، هل يحل لك أخذ هذه الألف؟ نص العلماء: أن مثل هذا لا يحل، ولو أعطاك الألف؛ لأنك تعرف أن قيمة هذه السلعة الحقيقية كم؟ ميتين وخمسين. كيف تأخذ منه ألفًا؟ لأنه جاهل بالسعر، لأنه لا يحسن المماكسة، لأنه رجل غريب. هذا لا يجوز، ولا يحل. بل يجب عليك أن تقول له: تعال يا أخي، أنا كنت أظنك إنسانًا تحسن البيع والشراء، خذ سبعمائة وخمسين. هذا من أعظم العدل والإحسان الواجب، ليس المستحب، بل الإحسان الواجب في هذا الباب. قال رحمه الله: أما إذا علم أنه غبن في المشتري، ودلس عليه بجنسها، ورضيه، فهذا لا بأس به؛ لأنه يجوز للعبد أن يترك بعض حقه، ويقدر على استيفائه. وهذا إذا سامح. وأما إذا لم يسامح، فيبقى في ذمته. هذا إذا سامح -مثلا- قال لك: هذا بخمسمائة، وأنت تعرف أنه يباع باربعمائة، ما تريد الجدال والتعب، قلت له: أعطني واحدة. أخذت ومشيت، فأنت سامحت برضى وطيب نفس منك. يبقى الآن عندك الرجل، هل السعر بين الخمسمائة والأربعمائة؟ إن كان كذلك حلت له المئة، وإن كان ليس كذلك لم يحل له حتى يناديك: تعال هذا يباع باربعمائة، إنما أنا وزيت أريدك تماكس. فما دمت لم تماكس، خذ المئة. فإن قال لك: لا، خلاص خذ المئة مسامح، حلت لك. فإذا لم يسامح لم تحل. قال رحمه الله: وإذا أخذ منه ثمن المثل، ولم يرضى، لم يلتفت إلى سخطه. وهذا يحصل مع البايع المؤذي، المشتري المؤذي. بعض المشترين مؤذي، ما يشتري منك إلا طلع عندك الضغط: بكم هذا؟ بكم هذا؟ بكم هذا؟ ثم بعد ذلك نزل، نزل، نزل. فإذا بعت له، وعطيته السعر الذي هو سعر السوق، لماذا لا تنزل؟ أنت ظلمتني، أنت ظالم. إيش تقول؟ تسكت فقط، تأخذ منه المال وتسكت. وهذا هو قوله: لم يلتفت إلى سخطه. ما دمت أنت سلكت مسلك العدل، وأحسنت إليه بقدر المستطاع، فانتظر ما عند الله، وترك ما عند هذا الإنسان. «وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا» فلا ترد السيئة بالسيئة، والخطأ بالخطأ. هكذا يؤدبنا هذا الدين. قال: ولهذا أثبت الشارع الخيار لمن يعلم العيب والتدليس؛ فإن الأصل في السلع الصحة، وأن يكون الظاهر كالباطن. فإذا اشترى على ذلك اعتبر رضاه. فإذا اطلع على عيب أو غبن، فهو كالجالب الجاهل بقيمة المثل، إن وجد عيبًا. وكالمشتري من الجالب جاهل الصفة، فثبت له الخيار حفظًا للجانبين. فإن المشتري إذا علم عيبًا في المبيع، أو غبن في الثمن، قد يرضى، وقد لا يرضى. فإلا يرضى، فله فسخ البيع. وقد دلت الأدلة الكثيرة على ذلك -كالذي تقدم- من أحاديث. وهكذا كذلك -مثل بيع المصرّة- فهذا من الغبن والعيب الذي قد يطلع عليه بعد وقت. ومع ذلك أجاز الشرع له فسخ البيع إذا علم بهذا الغش. قال: ففي الصحيحين عن حكيم بن حزام: «البيعان بالخيار ما لم يتفرقا، فإن صدقا وبينا بورك لهما» الحديث. وفي السنن: أن رجلًا كانت له شجرة في أرض غيره، وكان صاحب الأرض يتبرر بدخول صاحب الشجرة، فشك ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فأمر صاحب الشجرة أن يتبرع -إن شاء- أو يأخذ من ملك الرجل شجرة بدلها. فأبى إلا قطعها، أو الدخول عليه من أجلها. فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «إنما أنت مضار». والحديث لا يصح، ومعناه صحيح. ومعناه صحيح، وقد ثبت في الصحيح معناه. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «من يشتريها؟» فقام رجل، قال: «وله الجنة». فلم يزل يساوم ويبايع حتى اشتراها بأضعافها -يريد بذلك الجنة- يعني لحل هذا النزاع. فإذا كان هذا في حق الغريب، فصاحب الحق إذا تنازل عن حقه، فهو محسن. وقد نال بذلك: الفضل، نال بذلك الفضل؛ لحل هذا النزاع والخصومة. قال: وحاجة الناس إلى الطعام والشراب واللباس، وآلات الحرب مما يستعان به على الجهاد، وما لا تتم المصالح إلا به، أكبر من حاجة هذا الرجل لحفظ أرضه. فلهذا أمروا بالعدل في البيوع، والصدق في المعاملات؛ ليكون ذلك سبب سماح نفس صاحب السلع ببيعها، ورغبة المحتاج إلى شرائها. فهذا وجه الحكمة في قوله: «بورك لهما» لهما في بيعهما -يعني- لأجل أن يؤمر الناس، لأجل أن يمتثل الناس أمر الصدق والتبيين، وسلوك مسلك الإحسان في هذا الباب، وغيره من باب أولى. قال: فلو أن إنسانًا غبن في سوق مرة على إثر أخرى، حمله ذلك على أن لا يحمل إليه سلعة، ولا يعامل فيه مخلوقًا، فجر ذلك ضررًا، وأثر فسادًا. وهذا واقع. ثم قد تكون ثمرة أخرى: وهي رد الخطأ بالخطأ، والسيئة بالسيئة. فعند ذلك يكون من الظلم والعدوان، والغش والخيانة، ما به تفسد أحوال الناس. وسبب ذلك هو من سن تلك السنة السيئة في الغش والكتمان، وعدم الصدق. فله وزرها، ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة. قال: ولهذا -عندي- يتعين على الإمام أنهم إذا كانوا يتبايعون الطعام بثمن معروف، أو يتعين على الإمام -لعله هكذا قال-: ولهذا يعين على الإمام أنهم إذا كانوا لا يتبايعون الطعام بثمن معروف، سعر لهم فيما يحفظ حرمة البايع والمشتري، وهو بيع الطعام بثمن المثل، وقيمة العدل، لا شطط ولا وكس. وهذا -كما تقدم- التفصيل في التسعير. فالأصل عدم التسعير. فإذا حصل ظلم وعدوان، وبغي، وقل الدين، وجهل، فيضبط ذلك الحاكم. قال: فصل. قولوا تعالى: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا﴾. قال: ويطعم الطعام للمحتاج فرض على الكفاية باتفاق أمة المسلمين. وفي البخاري: أنه قال صلى الله عليه وسلم: «عودوا المريض، وأطعموا الجائع، وفكوا العاني». ومعنى أن هذا من أبواب الإحسان. قال: وفي المسند: «أيما رجل مات في قوم جوعًا، فقد بريت منهم ذمة الله، وذمة رسوله». فعلم. والحديث معناه صحيح، وإن كان لا يعرف له سند صحيح بهذا اللفظ، لكن معناه صحيح. ودلت عليه عمومات كثيرة. فيكون فيه إشارة إلى أن دفع الضرر عن المسلمين من الأمور الواجبة المفروضة. فليس هو فضلًا ومستحبًا، بل هو واجب. قال رحمه الله: ولو مات فيهم رجل جوعًا، لزمته ديته. وكذلك كسوة العرايا فرض كفاية. وهذا الفرض على من له فضل من مالي. وما ترى محتاجًا، وغلب على ظنه أن غيره لا يقوم بحاجتي، تعين عليك أن تطعمه. ولهذا ينتبه لمثل هذا الباب؛ فبعض السائلين قد يكون ممن صح فيه ترده اللقمة واللقمتان. وبعض السائلين من عابر السبيل، والمتعفف، والفقير الذي يضطر للمسألة، أو يتعرض لها، يكون قد تعين عليك دفع مضرته؛ لما ترى في وجهه، وفي حاله. وأنت تعلم أنه ربما لا يتعرض لغيرك، تعرض لك في وقت طعام -مثلا- وأنت تعرف إذا فات وقت الطعام، ما يستطيع يسأل أحدًا. فهنا قد يجب عليك وجوبًا عينيًا، ما لا يجب على غيرك؛ لعلمك أنه لا أحد يقوم بحاجته. فينبغي أن ينتبه لمثل هذا. قال: ثم هذا، وأمثاله من الفروض الكفائية، ليس هو فقط من الصدقات المستحبة. قال: وفي الأثر: «لو صدق السائل لا أفلح من رده». وهذا لم يصح مرفوعًا، ولكن روي في ذلك آثار موقوفة لم تصح، وبعضها عن من دون الصحابة. ومعناه صحيح: يعني كثر من يسأل كذبًا، فلذلك عذر من رد هؤلاء السائلين، أو أعطاهم بالشيء الذي يردهم فقط. قال المروذي: قلت لأحمد بن حنبل: إذا علمت أن السائل صادق، أيجب عليك؟ قال: نعم -يعني- دفع مضرته. وهذا الوجوب قد يكون وجوبًا كفائيًا، وهذا هو الأصل. وقد يكون وجوبًا عينيًا إذا علمت أن مضرته لا تندفع إلا بك. قال: وهذا مثل -مثلا- كأن يكون في سفر، وفي مكان مقطَع، ما أحد عنده. ومنه -مثلا- إذا وجدت رجلًا متعطلًا في موضع خلاء، يجب عليك أن تقف له. بل قد يتعين عليك. وهذا إذا أمنت الفتنة والمضرة؛ لأنه للأسف بعض أهل الكذب، وقطاع الطرق صاروا يستخدمون هذه الطرق للإضرار بالناس. يفتح لك كبوت السيارة، ويظهر لك العطل، فإذا وقفت أشهر لك السلاح، وأخذ ما عندك من مال، وربما أخذ سيارتك وتركها في الصحراء. فإذا أمنت الفتنة وجب الوقوف لأمثال هؤلاء. وإذا لم تؤمن الفتنة فلا تقف لأمثال هؤلاء. فدرء المفسدة أولى من جلب المصلحة. وتدرع المفسدة الكبرى بالصغرى. فحال هذا الإنسان مضنون، وغلبة السرقة المشهورة في تلك المنطقة مما يغلب به الظن. فيكون هذا أعلى من هذا. وديننا دين العدل، وديننا دين الحكمة. فلذلك ينبغي أن تراعى الضوابط الشرعية في هذا الباب. قال رحمه الله: وقد كان الصحابة رضوان الله عليهم يصابون بالحاجة، فأمرهم النبي صلى الله عليه وسلم أن يتصدقوا بفضول أموالهم، حتى يفضل من كل جنس من منافعهم، حتى ظنوا أنه لا حق لأحد في شيء من فضل ماله -كما جاء معناه في الصحيح مسلم- من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، حين مر بهم شدة في سفر -كما ذكره في التعليق-: ﴿بَيْنَمَا نَحْنُ فِي سَفَرٍ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذْ جَاءَ رَجُلٌ عَلَى رَاحِلَةٍ لَهُ فَجَعَلَ يَصْرِفُ بَصَرَهُ يَمِينًا وَشِمَالًا فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَنْ كَانَ مَعَهُ فَضْلُ ظَهْرٍ فَلْيَعُطِهِ مَنْ لَا ظَهْرَ لَهُ إِلَى آخِرِ الْحَدِيثِ﴾. وهكذا في حديث جرير بن عبد الله البجلي، وغيره من الأحاديث التي سبقت الإشارة إليها. قال رحمه الله: ولو قام أحدهم فجمع فضول أموالهم لكان حسن. وعلى ولي الأمر أن يجبرهم على مواساة من علموا احتياجه إليها. وهذا قد وقع في زمن النبي صلى الله عليه وسلم؛ لما جاء أولئك الفقراء، وعليهم جلود أنمار، تأسف النبي صلى الله عليه وسلم لحالهم، وحزن، وغضب على أصحابه أن لم يأبهوا لهم، ولم يتصدقوا عليهم. فحث على الصدقة حتى تتابع الناس، فكان ما يغنيهم. فهكذا ينبغي أن يكون. وهذا من فروض الكفايات، وقد يكون من فروض الأعيان. قال رحمه الله: فصل. المغارسة والمناصبة تجوز في ظاهر مذهب أحمد. ذكرها العكبري والقاضي، وجوزها، وقاسها على المزارعة. فإن المزارعة تقتضي المشاركة في التمرة. وقد ورد عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: «نقركم ما شئنا» رواه مسلم. ثم إذا كان الغرس من صاحب الأرض، فهو كما لو كان البذر من العامل، فيشتركان فيما يحدثه الله من الثمر والزرع. وقد وقع الزرع من اليهود، وأقرهم النبي صلى الله عليه وسلم. وفي بعض روايات الحديث -في حديث ابن عمر- ما يدل أنه كان من قبلهم -أي- بذر الأرض. فالغرس من باب أولى. لكن بالشروط المتقدمة: في شيء مضمون معلوم، لا في شيء مجهول يحصل به الخصومة والنزاع. قال رحمه الله: ومالك، وأحمد، وأبو حنيفة يصححون شركة الأبدان. والشافعي لا يجوز هذا. والصحيح: أن شركة الأبدان تجوز. وتذكر أنواع المشاركات في البيوع في كتب الفقه. فهناك شركة أبدان، وهناك شركة وجوه، وهناك غير ذلك. فشركة الأبدان: أن يجتمعان على جمع ما بينهما -مثلا- فيقسمانه بالسوية، أو بحسب ما يتفقان عليه. وكل بجهده -مثل أن يخرج اثنان لجمع الحطب- فيقول: ما نجمعه -مثلا- نصفين. أو يقول: من له الحمار، ما نجمعه ثلاثة أثلاث: ثلثان لي -باعتبار أني سأبذل بجهدي، وسأحمل على حماري- وثلث لك. فيجوز ذلك؛ لأن هذا شيء معلوم. قال: وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يبعث عبد الله بن رواحه ليقسم التمر المشترك بين المسلمين، وبين أهل خيبر. فإن كان قد عاملهم بنصف ما تخرج الأرض، فدل على جواز العقد، لا وجوبه. على أن يعمروها من أموالهم. وكان للمسلمين نصف الثمار والزرع. وكان يبعث ابن رواحه ليعرف حق الشركاء، ويعرف مقدار الزكاة الواجبة. فكان إذا خرصها سلمها إلى اليهود -يعني- قبل أن يأخذوا منها شيئًا. والخرص: والخرص هو معرفة مقدار ما أخرجته الأرض والثمار، ما زالت في الأشجار. وجوز الإسلام مثل ذلك في الزكاة، وغيرها؛ من باب تحصيل المصالح. والمشقة تجلب التيسير. فإن إخراج ما في الزروع فيه مشقة، إخراج الثمار من الزروع فيه مشقة. والناس قد لا يحتاجون إلى إخراجه دفعة واحدة، أو لا يستطيعون ذلك. فلهذا أجاز الإسلام الخرص -من صاحب الخبرة- بوصفه، وشروطه التي ذكرها العلماء والفقهاء -بما دلت عليه الأدلة-. قال: ولقد قالوا له مرة: يا عبد الله، لقد زدت علينا. ورشوه بشيء من حلي نسائهم. فقال: «يا معشر يهود، كيف نقضي العهد فيكم؟» قالوا: شديد. قال: «فإني عهدت محمدًا صلى الله عليه وسلم ألا أكتم حقًا، أو أواطىء على باطل». فرد إليهم الحلي. فأيسوا منه، ولم يجد بدًا من دفع الحق إلى المسلمين -يعني- النصف الذي فرضه رسول الله صلى الله عليه وسلم إليهم. وهذا الأثر -كما أشار في التعليق- مرسل، فيه إرسال، فهو من قسم الضعيف. لكن ليس هذا عن اليهود ببعيد. وأشار بعده إلى شيء قريب من هذا المعنى، وهو صحيح. قال رحمه الله تعالى: وروي مرفوعًا إلى النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «لعن الله الراشي والمرتشي». وفي رواية: