الإيمان الأوسط 16

الإيمان الأوسط 16

الدرس في الإيمان الأوسط 16، الدرس السادس عشر:( وقال ابن عباس وغير واحد من السلف في قوله تعالى ومن لم يحكم بما أنزل الله ... ومنه قوله آمنت له كما يقال أقررت له فهذا فرق في اللفظ ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

تفصيل الكفر والفسق والظلم

شرح تفصيلي لأنواع الكفر والفسق والظلم، مبينًا الفروق بينها وتأثيرها على الإيمان. يوضح أن الكفر قد يكون أكبر يخرج من الإسلام أو أصغر لا يخرج.

الموالاة والتولي ودرجات النفاق

يناقش مسألة الموالاة والتولي ودرجات النفاق، ويوضح الفرق بين أنواع النفاق وتأثيرها على الإيمان. يشير إلى أن تسمية الفساق بالمنافقين لا تعني الردة.

مفهوم الإيمان وعلاقته بالتصديق وعمل القلب

يشرح مفهوم الإيمان وعلاقته بالتصديق وعمل القلب، مبينًا أن الإيمان ليس مجرد تصديق بل يتضمن عمل القلب وموجبه من محبة الله ورسوله. يوضح الفرق بين التصديق والإيمان.

تفسير الآيات القرآنية المتعلقة بالإيمان

يناقش تفسير بعض الآيات القرآنية المتعلقة بالإيمان، مثل ﴿نُؤْمِنُ لَكَ وَنَتَّبِعُكَ﴾ و﴿يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾، ويشير إلى تفسير الإمام لها.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. قال شيخ الإسلام بن تيمية رحمه الله تعالى: قال ابن عباس وغير واحد من السلف في قوله تعالى: ﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾، ﴿فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾، ﴿وَالظَّالِمُونَ﴾ يعني الآيات الثلاث من سورة المائدة في الحكم، قال: «كفر دون كفر، وفسق دون فسق، وظلم دون ظلم». وقد ذكر ذلك أحمد والبخاري وغيرهما. وهذا إشارة منه رحمه الله إلى أنه أولًا يوجد في الإسلام شيء اسمه «كفر دون كفر، وفسق دون فسق، وظلم دون ظلم». ومعنى ذلك: أن هناك كفرًا أكبر يخرج من دين الإسلام، وهناك كفر أصغر لا يخرج من دين الإسلام. وكذلك هناك فسق هو كفر، كفسق إبليس، ففسق عن أمر ربه. وهناك فسق ليس هو كفرًا، بل هو من المعاصي، فهو فسق دون فسق. وهكذا هناك ظلم هو كفر، والكافرون هم الظالمون. وهناك ظلم ليس بكفر، بل هو من الذنوب والمعاصي، فهو ظلم دون ظلم. وهذا فيه رد على الخوارج والوعيدية عمومًا في تكفيرهم أهل الإسلام بالذنوب والمعاصي، وفي قضية التحكيم خاصة. وقد سبق معنا في دروس سابقة كثيرة أنهم حتى في قضية التحكيم ما عرفوا حكم الله فيها. ومن لم يحكم بما أنزل الله ليس مما ينافي حكم الله تحكيم الرجال، بل تحكيم الرجال مما حكم الله وأنزل الله؛ لأن الله أمر بتحكيم الرجال في قضايا كثيرة، ودل الدليل من القرآن والسنة على مشروعية ذلك بالضوابط المعروفة، والتي بها حكم الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم. وفي ذكر شيخ الإسلام لهذا الأثر مع ما نقله عن إمام أحمد والبخاري وغيرهما، قد أشار في التعليق إلى بعض الآثار المروية نحو هذا في هذا الباب، إشارة إلى أن هذا الأثر مما تلقاه علماء الإسلام بالقبول، علماء أهل السنة والجماعة. فتضعيفه كما صنع بعض المتأخرين هذا مع ما فيه من الخطأ، يدل على نزعة من نزعات الخوارج. ولذلك تجد خوارج هذا العصر يضعفون هذا الأثر بشدة، ويشنعون على من صححه أو استدل به؛ لأنه يهدم عليهم أصلًا عظيمًا يكفرون به أمة الإسلام. هذا الأثر وما روي بمعناه يهدم عليهم أصلًا عظيمًا يكفرون به أمة الإسلام. قال رحمه الله تعالى: «أصل الثاني أن شعب الإيمان قد تتلازم عند القوة، ولا تتلازم عند الضعف. فإذا قوي ما في القلب من التصديق والمعرفة والمحبة لله ورسوله، أوجب بغض أعداء الله». كما قال تعالى: ﴿وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ﴾. وهل يعني ذلك أنهم كفار؟ الجواب: فيه تفصيل. قد يكون من المنافقين الأصليين، فيكونوا كفرًا. وقد يكون من ضعفة الإيمان، فيكونوا كفرًا دون كفر، ونفاقًا دون نفاق. قال: «ولا تجدوا قومًا يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله، ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم، أولئك كتب في قلوبهم الإيمان، وأيدهم بروح منه». وهذا كذلك فقد يكونوا في حق المنافقين الأصليين، وقد يكونوا في حق المسلم الذي نقص إسلامه. فليس هو مما تكمل به الإيمان، ولهذا قال: «قد تتلازم عند القوة، ولا تتلازم عند الضعف». قال: «وقد تحصل للرجل موالاتهم لرحم أو حاجة، فتكون ذنبًا ينقص به إيمانه، ولا يكون به كافرًا». كما حصل من حاطب بن أبي بلتعة لما كاتب المشركين ببعض أخبار النبي صلى الله عليه وسلم، يعني في عام الفتح. وأنزل الله فيه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِم بِالْمَوَدَّةِ﴾. ومع ذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم لعمر: «إنك لا تدري يا عمر، لعل الله اطلع على أهل بدر، فقال: افعلوا ما شئتم؛ فقد غفرت لكم». فلو كان عمله كفرًا وردة، لا أحبط كل عمل، ولو كان الجهاد في سبيل الله في غزوة بدر. لكن هذا يدل أنه ذنب ومعصية، وليست بكفر. وهذه الأعمال الصالحة تكفر بعض الذنوب والمعاصي، كما هو معنى ونص هذا الحديث عن النبي عليه الصلاة والسلام. وكون النبي صلى الله عليه وسلم أقر عمر في تسميته نفاق منافق، ليس لأنه منافق، لكن لأنه فعل ما هو من خصال النفاق. مثل ما تقدم حديث عبد الله بن عمر: «أربع من كن فيه كان منافقًا خالصًا». وكما حصل لسعد بن عبادة لما انتصر لابن أبي في قصة الإفك، فقال لسعد بن معاذ: «كذبت، والله لا تقتله ولا تقدر على قتله». يعني انتصر لابن أبي، يعني يريد بذلك في قصة الإفك حين افترى على عائشة رضي الله عنها في القصة المشهورة، قصة وحادثة الإفك. وعبد الله بن أبي معروف من رؤوس المنافقين. وسعد بن عبادة دافع عنه؛ لأنه من أهل قبيلته وعشرته، فكان خطأ منه رضي الله عنه وأرضاه. ولهذا قالت عائشة -كما ذكر رحمه الله-: «وكان قبل ذلك رجلًا صالحًا، ولكن احتملته الحمية». يعني أن هذا لم يكن على ما كان عليه من صلاحه. ومع ذلك هل هذا العمل أحبط عمله، فكان به كافرًا؟ الجواب: لا. قال: «ولهذه الشبهة سمى عمر حاطبًا منافقًا». فقال: «دعني يا رسول الله أضرب عنق هذا المنافق». فقال: «إنه شهد بدرًا». فكان عمر متأولًا بتسمية منافق للشبهة التي فعلها، أي أنه فعل ما هو من خصال النفاق، وليس لأنه منافق. قال: «وكذلك قول أسيد بن حضير لسعد بن عبادة: كذبت لعمر الله لنقتلنه، وإنما أنت منافق تجادل عن المنافقين». فهو كذلك كما قال، هو من هذا الباب، يعني أنه فعل ما هو من فعل المنافقين. فأراد بهذا رحمه الله أن يدلل أن بعض الأعمال قد تكون في حق بعض الناس موجب لذهاب الإيمان، وقد لا تكون كذلك لبعض الناس. وقد تكون كذلك محبطة، وقد لا تكون كذلك. ومنها هذه المسألة التي أشار إليها، وهي موالات الكفار والمنافقين. وبه نعرف كذلك أن مسألة الموالاة والتولي ليست مسألة يحكم فيها بالكفر والردة مطلقًا، بل فيها تفصيل. قال: «وكذلك قول من قال من الصحابة عن مالك بن الدغشم: منافق». وإن كان قال ذلك لما رأى فيه من نوع معاشرة ومودة للمنافقين. ومع ذلك نفي عنه النفاق الأكبر، نفي عنه النفاق الأكبر رضي الله عنه وأرضاه. والأحاديث التي أشار إليها كلها من أحاديث الصحيحين. قال: «ولهذا لم يكن المتهمون بالنفاق نوعًا واحدًا، بل فيهم المنافق المحض، وفيهم من فيه إيمان ونفاق، وفيهم من إيمانه غالب، وفيه شعبة من النفاق». وكان كثير ذنوبهم بحسب ظهور الإيمان. ولما قوي الإيمان وظهر الإيمان، وقوته عامة، صاروا يعاتبون من النفاق على ما لم يكونوا يعاتبون عليه قبل ذلك. ومعنى أنهم تدرجوا في خصال الإيمان حتى قوي في ذلكم العام، فلذلك صار يعاتب المسلم على فعله لخصال النفاق. قالوا: من هذا الباب ما يروى عن الحسن البصري ونحوه من السلف أنهم سموا الفساق منافقين. فجعل أهل المقالات هذا قولًا مخالفًا للجمهور، إذا حكوا تنازع الناس في الفاسق الملي: هل هو كافر أو فاسق؟ ليس معه إيمان أو مؤمن كامل الإيمان؟ أو مؤمن بما معه من الإيمان، فاسق بما معه من الفسق؟ أو منافق؟ والحسن رحمه الله لم يقل ما خرج به عن الجماعة، لكن سماه منافقًا على الوجه الذي ذكرناه. ومعناه أن بعض أهل الأهواء استدل ببعض العبارات عن السلف بما يوافق مذهبه الفاسد. ومن ذلك ما نقل عن الحسن البصري رحمه الله وجماعة من السلف من التابعين أنهم سموا الفساق منافقين. فتسميتهم للفساق بالمنافقين ليس معناه أنهم يكفرون أهل الفسق، ولا حتى بمن يجاهر بالفسق؛ لأن بعض الناس ممن فيه لوثة خارجية من المعاصرين يجعل المجاهر بالمعاصي من معاني الردة والكفر والنفاق الأكبر. وهذا ليس بالصحيح. صحيح أن المجاهر بالمعاصي أمره عظيم في دين الإسلام، لكن ليس معناه أنه كافر مرتد، وليس معناه أنه منافق نفاق أكبر. وما نقل عن بعض السلف في هذا الباب، فهو محمول -كما أشار إليه شيخ الإسلام رحمه الله- أنه «نفاق دون نفاق». وإن كان في بعض الناس ليس لأجل ذلكم الفعل بعينه، ولكن لمجتمع فيه من أوصاف معلومة قبل ذلك، قد يكون منافقًا نفاقًا أكبر. قال رحمه الله: «والنفاق كالكفر: نفاق دون نفاق». ولهذا كثيرًا ما يقال: «كفر ينقل عن الملة، وكفر لا ينقل، ونفاق أكبر، ونفاق أصغر». كما يقال: «الشرك شركان: أصغر وأكبر». وفي صحيح البخاري وغيره عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «الشرك في هذه الأمة أخفى من دبيب النمل». فقال أبو بكر: «يا رسول الله، كيف ننجو منه، وهو أخفى من دبيب النمل؟» فقال: «ألا أعلمك كلمات إذا قلتها نجوت من دقه وجله؟ قل: اللهم إني أعوذ بك أن أشرك بك وأنا أعلم، واستغفرك لما لا أعلم». والحديث بمجموع طرقه يرتقي إلى الحسن. وقد حسنه العلامة الألباني رحمه الله. وفي بعض طرقه ضعف، لكن في بعضها ما يرتقي به إلى الحسن. ومعناه صحيح تؤيده أدلة كثيرة وعمومات. ووجه الاستدلال به ما تقدم من الإشارة إلى أن الأمة لا تسلم من الشرك الخفي. ولذلك علم النبي صلى الله عليه وسلم أبا بكر أن يدعو بهذا الدعاء. ومع ذلك هو ليس بكفر، بل هو شرك دون شرك. كما أن هناك كفر دون كفر، ونفاق دون نفاق. والمقصود أن المسلم يطلب الكمال، ويجتهد في الوصول إلى ما فيه سلامته في الدنيا والآخرة. قال رحمه الله: «وبهذا تبين أن الشارع ينفي اسم الإيمان عن الشخص لانتفاء كماله الواجب، وإن كان معه بعض أجزائه». كما قال: «لا يزني الزان حين يزني وهو مؤمن، ولا يسرق حين يسرق وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن». ومنه قوله: «من غشنا فليس منا، ومن حمل علينا السلاح فليس منا». فإن صيغة «إنا ونحن» ونحو ذلك من ضمير المتكلم في مثل ذلك، يعني في هذه الأحاديث «منا»، وكذلك «من غشنا فليس منا، ومن حمل علينا السلاح فليس منا». قال: في مثل ذلك تناول النبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنين معه الإيمان المطلق الذي يستحقون به الثواب بلا عقاب. ومن هنا قيل: إن الفاسق الملي يجوز أن يقال: هو مؤمن باعتبار، ويجوز أن يقال: ليس مؤمنًا باعتبار. يعني مؤمن باعتبار أصل الإيمان، وليس بمؤمن باعتبار كمال الإيمان. فهو ينفى عنه الإيمان بهذا المعنى، ويثبت له الإيمان بذاك المعنى، وهو المعنى الأول: أصل الإيمان. قال: «وبهذا تبين أن الرجل قد يكون مسلمًا لا مؤمنًا، ولا منافقًا مطلقًا، بل يكون معه أصل الإيمان دون حقيقته الواجبة». ولهذا أنكر أحمد وغيره من الأئمة على من فسر قوله صلى الله عليه وسلم: «ليس منا» ليس مثلنا، أو ليس من خيارنا. وقد روي نحو ذلك عن الثوري، كما نقله الإمام الترمذي رحمه الله في سننه، في شرح الحديث: «ليس منا من لم يرحم صغيرنا، ويوقر كبيرنا». فذكر عن الثوري رحمه الله نحو ما ذكر هاهنا عن الإمام أحمد. فمرادهم نفي قول المرجئة الذي فيه تسوية الإيمان بإيمان النبي صلى الله عليه وسلم ومن معه من المؤمنين، أهل الإيمان المطلق. قال: «ومما يبين ذلك أنه من المعلوم أن معرفة الشيء المحبوب تقتضي حبه، ومعرفة المعظم تقتضي تعظيمه، ومعرفة المخوف تقتضي خوفه». فنفس العلم والتصديق بالله وما له من الأسماء الحسنى والصفات العلا، يوجب محبة القلب له وتعظيمه وخشته. وذلك يوجب إرادة طاعته وكراهية معصيته. ولهذا كان العلماء العاملون أخشى الناس لله. إنما يخشى الله من عباده العلماء. فهل هذا يدل أن إيمان العلماء كإيمان غير العلماء، وإن كانوا هم في عدم فعل المعصية سواء؟ الجواب: لا. قال: «والإرادة الجازمة مع القدرة تستلزم وجود المراد، ووجود المقدور عليه منه». فالعبد إذا كان مريدًا للصلاة إرادة جازمة مع قدرته عليها، صلى. فإذا لم يصل مع القدرة، دل ذلك على ضعف الإرادة. وإذا صلى، فهم كذلك تفاوتون في هذه الصلاة. فليست صلاة العالم الذي قد خشي ربه كصلاة الجاهل الذي لم يتحقق فيه الخشية. ولهذا قيل: «عادة العالم عبادة، وعبادة الجاهل عادة». عادة العالم عبادة؛ وعبادة الجاهل عادة؛ الكثير من الجهال يصلون صلاة من يصلي عادة لا عبادة. فلا يقع عنده من الخشية ومن الخوف ومن الإيمان واليقين ما يقع عند العالم. والعالم عنده ما هو أعلى من ذلك؛ حتى أن العادات عنده تنقلب إلى عبادات بالاحتساب. فهو يحتسب النوم والقوم والأكلة وكل مباح يحتسبه لله عز وجل، يستعين به في طاعة الله. فتحولت العادات إلى عبادات. بينما الجاهل العبادات صارت عنده بجهله وتفريطه وغفلته عادات. وبه نعرف ما تقدم، ويتأكد ما سبق من أن الإيمان لا يستوي في حق أهله. قال: «ومما يبين ذلك أنه من المعلوم أن معرفة الشيء المحبوب تقتضي حبه». إلى آخره. قال: «والفصل في ذلك -يعني حل النزاع في هذه المسألة وتوضيح المسألة- أن يقال: فرق بين الهم والإرادة». فالهم قد لا يقترن به شيء من الأعمال الظاهرة، فهذا لا عقوبة فيه بحال. بل إن تركه لله -كما ترك يوسف همه- أثيب على ذلك. قال أحمد: «الهم همان: هم خطرات، وهم إصرار». وقد تقدم معنى ذلك. قال: «وأما الإرادة الجازمة فلابد أن يقترن بها مع القدرة فعل المقدور، ولو بنظرة أو حركة رأس أو لفظة أو خطوة أو تحريك بدن». وبهذا يظهر معنى قوله صلى الله عليه وسلم: «إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار». فإن المقتول أراد قتل صاحبه، فعمل ما يقدر عليه من القتال، وعجز عن حصول المراد. فلذلك صار الاثنان في النار: القاتل والمقتول؛ لأن القاتل كان حريصًا على قتل صاحبه، كما جاء في الحديث. فقد بدل عملًا مع الإرادة، فهي لم تكن إرادة مجردة عن العمل. ولم يكن همًا عبارة عن خطرات، وإنما هو إصرار -كما نقل عن إمام أحمد-: «الهم همان». قال: «وكذلك الذي قال: لو أن لي مثل ما لفلان لعملت فيه مثل ما يعمل فلان». فإنه أراد فعلًا ما يقدر عليه، وهو الكلام. ولم يقدر على ذلك. ولهذا كان من دعا لضلالة كان عليه مثل أوزار من اتبع من غير أن ينقص من أوزارهم شيئًا؛ لأنه أراد ضلالهم، ففعل ما يقدر عليه من دعائهم؛ إذ لا يقدر إلا على ذلك. قال: «وإذا تبين هذا في الإرادة والعمل، فالتصديق الذي في القلب وعلمه يقتضي عمل القلب». كما يقتضي الحس الحرك الإرادية؛ لأن النفس فيه قوتان: قوة الشعور بالملائم والمنافي والإحساس بذلك والعمل بالتصديق به. وقوة الحب للملائم والبغض للمنافي، والحرك عن الحس بالخوف والرجاء والموالاة والمعاداة. قال: «فالقلوب مفطورة على الإقرار بالله تصديقًا به ودينًا له، لكن يعرض لها ما يفسدها». ومعرفة الحق تقتضي محبته، ومعرفة الباطل تقتضي بغضه؛ لما في الفطرة من حب الحق وبغض الباطل. لكن قد يعرض لها ما يفسدها: إما من الشبهات التي تصدها عن التصديق بالحق، وإما من الشهوات التي تصدها عن اتباعه. فالشبهات تصد عن التصديق بالحق، فتمنع التصديق بالحق بما يتمكن من تلك الشبهات. والشهوات تؤخر عن الاتباع للحق بما يكون من تثقيلها لصاحبها بتلك الشهوات. وهذان الأمران من أعظم ما يكون به انتكاس الفطر. قال: «ولهذا أمرنا الله أن نقول في الصلاة: اهدنا الصراط المستقيم، صراط الذين أنعمت عليهم، غير المغضوب عليهم ولا الضالين». وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «اليهود مغضوب عليهم، والنصارى ضالون». وقد صح عنه عليه الصلاة والسلام. قال: «لأن اليهود يعرفون الحق كما يعرفون أبناءهم، ولا يتبعونه؛ لما فيهم من الكبر والحسد الذي يوجب غض الحق ومعاداته». والنصارى لهم عبادة وفي قلوبهم رأفة ورحمة ورهبان يبتدعونها، لكن بلا علم. فهم ضلال: هؤلاء لهم معرفة بلا قصد صحيح، وهؤلاء لهم قصد في الخير بلا معرفة. فكل الطائفتين ضلتا بسبب حصول هذا النقص. فهؤلاء بسبب عدم العمل بالعلم، وهؤلاء بسبب عملهم بغير علم. قال: «وينضم إلى ذلك الظن واتباع الهوى، فلا يبقى في الحقيقة معرفة نافعة ولا قصد نافع». بل يكون كما قال تعالى عن مشركي أهل الكتاب: ﴿وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾. وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِّنَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ ۖ لَهُمْ قُلُوبٌ لَّا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَّا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَّا يَسْمَعُونَ بِهَا ۚ أُولَٰئِكَ كَالْأَنْعَامِ ۖ بَلْ هُمْ أَضَلُّ ۚ أُولَٰئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ﴾. فالإيمان في القلب لا يكون إيمانًا بمجرد تصديق ليس معه عمل القلب وموجبه من محبة الله ورسوله ونحو ذلك. كما أنه لا يكون إيمانًا بمجرد ظن وهواء. بل لا بد في أصل الإيمان من قول القلب وعمل القلب. إذن عمل القلب لا بد منه، فضلا عن عمل اللسان والجوارح. ولهذا كان الإيمان عند أهل السنة والجماعة: قول باللسان، واعتقاد بالجنان، وعمل بالجوارح والأركان، يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية. والتصديق الذي هو من معاني الإيمان هو معنى زائد عما قد يظنه بعض الناس من أنه مجرد إمرار كلمة التوحيد على القلب. قال رحمه الله: «وليس لفظ الإيمان مرادفًا للفظ التصديق كما يظنه طائفة من الناس». فإن التصديق يستعمل في كل خبر، فيقال لمن أخبر بالأمور المشهورة -مثل: الواحد نصف الاثنين، والسماء فوق الأرض-: «صدقت»؛ لأنه أخبر بأمر صدق، فقد صدق. قال: «صدقت وصدقنا بذلك». ولا يقال: «آمنا لك، ولا آمنا بهذا». فهذا لا يقال: لا من جهة اللغة، فضلا عن الشرع. يعني لا لغة ولا شرعًا. فهذا خطأ. حتى يكون المخبر به من الأمور الغائبة، فيقال للمخبر: «آمنا له»، وللمخبر به: «آمنا به». كما قال إخوة يوسف: ﴿مَا أَنتَ بِمُؤْمِنٍ لَّنَا﴾ أي بمقر لنا ومصدق لنا؛ لأنهم أخبروه عن غائب. إذن لفظ الإيمان يطلق فيما يرادف التصديق عن الأمر الغائب. هذا من جهة اللغة. وأما من جهة الشرع، فهو يتناول شيئًا زائدًا عن ذلك. فهو من جهة اللغة ليس بمعنى التصديق، بل فيه معنى زائد عن التصديق. والقاعدة ها هنا أن اختلاف المبنى يدل على اختلاف المعنى. وإن كان قد يترادف لفظه عند بعض الناس لجهلهم بأصل المعنى، فلا يعني ذلك أن معناه واحد. وكذلك ها هنا بين التصديق والإيمان فرق. ووضح ها هنا بأن هذا فيه زيادة معنى التصديق بالأمر الغائب. قال: «ومنها قولهم تعالى: ﴿نُؤْمِنُ لَكَ وَنَتَّبِعُكَ﴾، وقولهم تعالى: ﴿يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ يعني فيما هو من الغيب». إلى آخر ما قال رحمه الله تعالى.