الدرس في مفيد المستفيد 11، الدرس الحادي عشر:من( وقال أبو العباس أحمد بن تيمية في الرد على المتكلمين ... ومدح الشرك وذبهم دونه بالمال واليد واللسان فالله المستعان ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يناقش التحذير من الشرك وآثاره، ويبرز أهمية التوحيد كحقيقة للدين. يشدد على أن مجرد القول بالتوحيد لا يكفي دون العمل به.
يشرح أهمية التوحيد بالقول والعمل، وينتقد من يقول بالتوحيد دون تطبيقه. يتناول مفهوم النفاق وتأثيره على التوحيد.
يؤكد على أن التوحيد لا يكفي أن يقال باللسان بل يجب أن تدعمه الأفعال. يبين أن النفاق يمكن أن يكون في قول الشخص دون أن يتبعه عمل.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم، قال شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب، رحمه الله تعالى، في كتابه «مفيد المستفيد بكفر تارك التوحيد»: وقال أبو العباس بن تيمية، رحمه الله تعالى، في الرد على المتكلمين -يعني كتابه «الرد على المتكلمين» ويسمى كذلك «بالرد على المنطقيين» وطبع بهذا العنوان- قال: «لما ذكر بعض أحوال أمتهم، قال: وكل شرك في العالم إنما حدث برأي جنسهم، فهم الآمرون بالشرك والفاعلون له، ومن لم يأمر منهم بالشرك فلم ينهَ عنه». ويريد برأي جنسهم يعني ممن خاض في الأمور بالعقل، فإن من خاض في الأمور بالعقل وقع في الشرك والكفر وأنواع من الضلالات. فشرك من أشرك من عبدة الأوثان أو النجوم أو كذلك فلاسفة الهند وغيرهم، فهم سلكوا نفس المسلك. قال رحمه الله تعالى: «ومن لم يأمر منهم بالشرك فلم ينهَ عنه»، يعني من هؤلاء الفلاسفة قديمًا وحديثًا من هو فاعل للشرك آمر له، كفلاسفة الهند وليونان، وهكذا كذلك بعض فلاسفة أهل الإسلام الذين دخلوا من باب وخرجوا من باب آخر. وقد مر معنا تسمية بعضهم كالرازي، وهكذا كذلك البلخي وثابت بن قره، وجماعة ممن اشتغل بعلم الفلسفة، فأورثه ذلك الوقوع في الشرك والكفر، فهؤلاء فاعلون للشرك آمرون به. وصنف آخر منهم، قال: «ومن لم يأمر منهم بالشرك فلم ينهَ عنه»، لا تجد فيلسوفًا ومتكلمًا من المتكلمين، وإن لم يقع في الشرك ولم يأمر به، فإنه يكون عنده شر ثالث، وهو عدم النهي عن الشرك، يعني يرى الشرك في المجتمعات ولا ينهى عنه، لا ينهى عنه لأن دينه لا يدعوه إلى النهي عن مثل ذلك، وهذا من شر علم الكلام. قال رحمه الله: «بل يقر هؤلاء وهؤلاء، وإن رجح الموحدين ترجيحًا»، يعني وإن رجح هو -محذوف- «الموحدين ترجيحًا»، ما فقد يرجح غيره المشركين. وقد يعرض عن الأمرين جميعًا، فتدبر هذا، فإنه نافع جدًا. كأنه يريد رحمه الله: وإن كان هؤلاء وهؤلاء -يعني الفرق الأولى من الفلاسفة الآمرون بالشرك الفاعلون له، والفرق الثانية من الفلاسفة المتكلمين غير الفاعلين وغير الآمرين، لكنهم غير ناهين عن الشرك- قد يقر هؤلاء وهؤلاء، أي الفرق الأولى والفرق الثانية، وإن رجح الموحدين ترجيحًا ما، فقد يرجح غيره المشركين، يعني قد يكون عندهم ترجيح للموحدين أن هؤلاء حالهم أفضل، لكنه ربما لا ينكر على من رجح المشركين، لا ينكر على من رجح المشركين، وربما أعرض عن ترجيح أحد الطائفتين، لا أهل التوحيد ولا أهل الشرك، كأن هذه القضية ليست بكبيرة عنده ولا ذات أهمية، وربما هون من أمرها. فإذا كان كذلك، علما أن ما عندهم من دين في الحقيقة ليس فيه القيام بالعبودية لله عز وجل. قال: «فتدبر هذا، فإنه نافع جدًا». ويريد أن هذا كما قاله شيخ الإسلام ابن تيمية، رحمه الله، فكذلك ينبغي أن تعلم أن من فعل الشرك أو دعا إليه أو لم ينهَ عنه، وهؤلاء هم أمثال المتكلمين الذين ذكروا في هذا الكلام من كلام شيخ الإسلام. ومن هؤلاء من عباد القبور، ومن دافع عنهم أو من وافق قوله قولهم. قال: «ولهذا كان رؤوسهم المتقدمون والمتأخرون يأمرون بالشرك، وكذلك الذين كانوا في ملة الإسلام لا ينهون عن الشرك ويوجبون التوحيد، بل يسوّغون الشرك أو يأمرون به أو لا يوجبون التوحيد». وقد رأيتم من مصنفات في عبادة الملائكة وعبادة الأنفس المفارقة -يعني أهل القول بتناسخ الأرواح من الفلاسفة- قال: «و» عبادة الأنفس المفارقة «أنفس الأنبياء وغيرهم، ما هو أصل الشرك»، يعني ما يصل به قولهم إلى أصل شرك المشركين. فالشرك أهل الهند يقوم على معنى القول بالتناسخ -تناسخ الأرواح- والشرك أهل اليونان يقوم على التعلق بالكواكب وما كان بمعناها، فيما يزعمون أنها أنفس علية، وهذا هو أصل شرك المشركين. فإذا كان كذلك، فمن لم ينهَ عن الشرك فلا خير فيه. فحقيقة الدين هو الأمر بالتوحيد والقيام به، والنهي عن الشرك مع تركه والتحذير منه. قال: «وهم إذا ادعوا التوحيد، إنما توحيدهم بالقول لا بالعبادة والعمل، والتوحيد الذي جاءت به الرسل لا بد فيه من التوحيد بإخلاص الدين لله وعبادته وحده لا شريك له، وهذا شيء لا يعرفونه». فلو كانوا موحدين بالقول والكلام، لكان معهم التوحيد دون العمل، وذلك لا يكفي في السعادة والنجاح، بل لا بد أن يعبد الله وحده ويتخذه إلهًا دون ما سواه، وهذا معنى قول «لا إله إلا الله». انتهى كلام الشيخ. انظر إلى هذا الكلام العظيم من شيخ الإسلام، وعرضه على واقع حال الناس من عباد القبور والمدافعين عنهم، تجد أنه ينطبق عليهم تمام الانطباق. فإن الكثير من الناس يقول: «لا إله إلا الله»، ويأمر بالتوحيد، وربما يقول: الشرك ليس بصحيح وخطأ، لكن هل ينهى عن الشرك؟ وهل يأمر بالتوحيد في مجتمعه فيصوب ويخطئ ويجعل قومًا مؤمنين وقومًا مشركين، ولو بالفعل ليس بالأعيان؟ هل يقول بهذا؟ الجواب: الكثير منهم ما يجرؤ على هذا، ما يجرؤ أن يقول: إن في المسلمين من يقع في الشرك، ولو لم يطلب منه تعيين أحد، يقول: أبدًا، كل من قال: «لا إله إلا الله» فهو مسلم، وكل من صلى لله فهو مسلم. وهذا خطأ؛ لأن الإسلام هو الاستسلام لله عز وجل بالتوحيد والانقياد له بالطاعة، وليس من الاستسلام لله بالتوحيد بقى ما ينقض التوحيد من الشرك، بل لا بد أن يكون توحيد وترك للشرك، وهذا هو معنى «لا إله إلا الله». فالموحد الحقيقي هو الذي يقول بلسانه كلمة التوحيد ويعمل بجوارحه بمقتضى هذه الكلمة. ومن العمل بالجوارح ليس العمل في نفسه فقط، بل وكذلك اعتقاده في أحوال المخالفين للتوحيد، لا يكون المسلم موحدًا تمام التوحيد حتى يقوم به في نفسه، وهكذا في غيره، بأن يقول: هذا توحيد، وهذا شرك، وهذا صواب، وهذا خطأ، وهذا هدى، وهذا ضلال. وأما أن يقول عن المشركين أو يقول عن فعل الشرك، ولو تورع في تعيين أحد، فينبغي أن لا يتورع، ولا يجوز له أن يتوقف في أصل فعل الشرك. ما رأيك بمن يعبد القبور، يدعو لها ويذبح لها؟ هل هذا شرك؟ يقول: لا، ما يمكن، من قال: «لا إله إلا الله» وصلى وصام فهو مسلم، لا تقول له: زيد أو عمر أو خالد، إنما تقول: هذا الفعل شرك أم ليس بشرك؟ هل هذا يضر بصلاته ويضر بإسلامه وإيمانه وتوحيده أم لا يضر؟ يقول لك: لا، ما يضر، ما دام يقول: «لا إله إلا الله»، وما دام هو مسلم، وما دام هو يصلي، إذن لا يضره ذلك. وهذا خطير؛ لأن هذا معناه عدم الإقرار بوجود الشرك وعدم الإنكار عليه. قال رحمه الله: «فتأمل رحمك الله هذا الكلام، فإنه مثل ما قال الشيخ، فيه نافع جدًا». ومن أكبر ما فيه من الفوائد أنه يبين لك حال من أقر بهذا الدين وشهد أنه الحق، وأن الشرك هو الباطل، وقال بلسانه ما يريده، ولكن لا يدين بذلك، إما بغضًا له أو عدم محبته، كما هي حال المنافقين الذين بين أظهرنا. يعني أن من الناس من يقول بلسانه بالتوحيد، وهو في قرارة قلبه يبغض هذا التوحيد أو لا يحبه؛ لأنه فيه شيء من النفاق. وهذا النفاق ليس معناه نفاق كنفاق الأولين من بغض رسالة النبي عليه الصلاة والسلام، لا، ولو كان في بغض لبعض أصول الدين، كأن يكون مثلًا هو مقر بأن محمدًا عليه الصلاة والسلام رسول، وأن دين الإسلام دين حق، لكنه يبغض قضية التوحيد، يبغض قضية التوحيد، يقول: أنا ما أريد هذه القضية، هذه القضية تفرق المسلمين، وهذه القضية غلو، هذا القول كفر إذا كان يرى أن التوحيد غلو، وأن التوحيد يفرق، فهذا كفر. والمعنى: التوحيد بمعناه الشرعي الذي دلت عليه الأدلة الشرعية هو -سبق الكلام عليه في أول الكتاب- فإذا كان كذلك، فهذا البغض وهذا الذي هو عدم المحبة هو في الحقيقة ينقض إسلامه، ولذلك هو لا يستطيع أن يظهره، ما يستطيع أن يقوله للناس، إذا قيل له: ما تقول في من يدعو غير الله ويسجد لغير الله ويذبح لغير الله؟ ماذا يقول؟ يقول: لا يجوز، لا بد من توحيد الله وحده، بلسانه، أما في قلبه يرى أن هذا لا بأس به، وأن هذا لا يضر، هذا منافق؛ لأنه بالحقيقة أظهر التوحيد وأبطن الشرك، وهو يبغض هذا التوحيد ويرى أنه غير صواب ولا يحبه، فهذا نوع من النفاق. قال: «وإما إيثار الدنيا»، ناقص ألف، تزاد ألف، قال: «وإما إيثار الدنيا، مثل تجارة أو غيرها، فيدخلون في الإسلام ثم يخرجون منه، كما قال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا﴾﴾ [التوبة: ٦٦] الآية»، يعني صنف من المنافقين يدخلون في الإسلام أولًا دخولًا صحيحًا، ثم لشيء من الدنيا يخرجون من الإسلام، يخرجون من الإسلام، كيف يخرجون؟ يخرجون لأجل الدنيا، لأجل الدنيا يتركون التوحيد ويوافقون على الشرك ويرضون بالتنازلات على حساب العقيدة. قال: «وقال تعالى: ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمه إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ إِلَى قَوْلِهِ﴾﴾ [النحل: ١٠٦]»، يعني الآية إنما تعذر من يقول الكفر بلسانه وقلبه مطمئن بالإيمان، أما من قال ذلك وقلبه غير مطمئن، فهذا يخشى عليه. قال: «فإذا قال هؤلاء بألسنتهم: نشهد أن هذا دين الله، دين الله ورسوله، وأن المخالف له باطل، وأنه الشرك بالله»، غرر بهذا الكلام «ضعيف البصيرة»، يعني أن بعض الناس يقول بلسانه أنه يشهد أن هذا الدين هو دين الله ودين الرسول، وأن المخالف له على باطل، وأن الشرك بالله لا يجوز، فصار هذا الكلام باللسان سببًا للتغرير ببعض ضعفاء البصيرة. والمراد بضعفاء البصيرة: من لم يدرك هذه الدقائق من مسائل التوحيد، وهو أن التوحيد لا يكفي أن يكون باللسان حتى يكون هذا الذي باللسان له برهان من قول الرجل وفعله، فإن لم يكن له برهان من قوله وفعله وتدينه لربه، فهذا القول الذي بلسانه قول باطل وغير صحيح، ولا يُقبل منه. قال رحمه الله: «أعظم من هذا وأطم: أن أهل حريم لا ومن والاه مصرحون بمسبة الدين، وأن الحق ما عليه أكثر الناس، يستدلون بالكثرة على حسن ما هم عليه من الدين ويفعلون ويقولون ما هو من أكبر الردة وأفحشها». فإذا قالوا: «التوحيد حق والشرك باطل»، وأيضًا لم يحدثوا في بلدهم أوثانًا، جادل الملحد عنهم، وقال: «إنهم يقرون أن هذا شرك، وأن التوحيد هو الحق، ولا يضرهم عنده ما هم عليه من السب لدين الله وبغي العوج له ومدح الشرك وذبهم دونه بالمال واليد واللسان»، فالله المستعان. وهنا انتقل إلى قضية عين في حال بعض من يدافع عن المشركين من أهل حريم لا، وهي منطقة قريبة من بلدته «العينة»، كما مر معنا، وأن في هذه البلدة -وهي من بلاد نجد- كان في زمن الشيخ رحمه الله فيها بعض المجادلين عن عباد القبور والمدافعين عنهم، وهم ربما يظهرون التوحيد بألسنتهم والإنكار على الشرك، وربما كذلك ليس في بلدتهم شيء من آثار الوثنيين، يعني ليس هناك قبر يعبد، ولا قبة تزار، ولا غير ذلك، فيكون عندهم نوع من النفاق. وهذا حال أهل الإسلام إذا قوي أمرهم في كل مكان وزمان، أنه لا يوجد بينهم أعداء يظهرون العداوة، ولكن يوجد فيهم بعض المنافقين الذين يظهرون لحم القول والضلال، لكن بغير الصريح من العبارة، كحال المنافقين في المدينة، فإنهم لم يستطيعوا أن يواجهوا أهل الإسلام عند قوتهم وقوتهم بما يواجه به الكفار في مكة وغيرها، فلذلك سلكوا مسلك النفاق. وهكذا كذلك يريد الشيخ رحمه الله: بأن هؤلاء وإن أظهروا الإيمان والتوحيد بألسنتهم، وإنكارهم على الشرك، وأن الشرك باطل، بل وربما ليس في بلادهم أي في هذه البلدة أوثان تعبد، لا قبر ولا قبة ولا ضريح ولا تابوت ولا شيء، فهذا فتن بعض من لا بصيرة له من الموحدين، بعض أهل التوحيد يكون صادقًا في توحيده، لكن يغتر بهذا الكلام من أمثال هؤلاء، فربما دافع عنهم وقال: «لا تظلموا هؤلاء، هؤلاء عندهم حق، وهؤلاء يريدون الخير»، وهم في الحقيقة يفسدون على الناس. قال رحمه الله: «قال: إنهم يقرون أن هذا شرك، وأن التوحيد هو الحق، ولا يضرهم عنده ما هم عليه من السب لدين الله وبغي العوج له ومدح الشرك وذبهم دونه بالمال واليد واللسان»، يعني ينبغي أن تنظر إلى من يدعي التوحيد بلسانه والنهي عن الشرك بلسانه، إلى أفعاله، هل أفعاله توافق ما يدعيه بلسانه؟ إن كانت أفعاله توافق، فهو موحد، وإن كانت أفعاله لا توافق، فهو ليس بموحد، ولو صرخ بذلك وملأ الدنيا صراخًا، لا ينفعه صراخه، ولا تنفعه شهادته، ولا الشهود أن يشهدوا على أنه قال ذلك بلسانه، حتى يصدق ذلك فعله. قال: «فالله المستعان»، يعني على هذا الواقع الأليم. نكتفي بهذا، ونترك الباقي إلى درس لاحق، والله تعالى أعلم.