الدرس في شرح كتاب الصيام من صحيح الإمام البخاري 18، ألقاها الشيخ عبدالرحمن بن مرعي العدني
يتناول هذا المحور شرح باب من جامع في نهار رمضان متعمداً وما يترتب عليه من كفارة مغلظة، مبيناً خلاف العلماء في وجوب قضاء يوم بدلاً عن اليوم المفسد بين من أوجبه ومن أسقطه.
يناقش هذا المحور المسألة الخلافية في وجوب القضاء على من جامع في نهار رمضان، موضحاً قول الجمهور بوجوبه مع الكفارة ورأي الظاهرية وابن تيمية والراجح بعدم وجوبه، كما يتناول حكم المفطر عمداً بأكل أو شرب.
يستعرض هذا المحور الراجح من أقوال أهل العلم بأن من أفطر يوماً من رمضان متعمداً بغير عذر لا قضاء عليه بل عليه التوبة والاستغفار، مستدلين بقياس حاله على المجامع وحديث عائشة فيمن احترق.
يبيّن هذا المحور أن الاختصار الوارد في حديثي أبي هريرة وعائشة واحد، وكيف استدل به المالكية على اقتصار كفارة الجماع على الإطعام، مع الرد عليهم بأن القصة واحدة والترتيب مبين في حديث أبي هريرة.
موقع دار الحديث بالفيوش يقدم لكم شرح كتاب الصيام من صحيح الإمام البخاري، شرح فضيلة شيخنا العلامة عبد الرحمن بن مرعي العدني رحمه الله تعالى. الحمد لله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. اللهم صلِّ وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد، قال الإمام البخاري رحمه الله تعالى: «باب إذا جامع في رمضان». وقال: ويذكر عن أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعاً: «من أفطر يوماً من رمضان من غير علة ولا مرض، لم يقضه صيام الدهر، وإن صامه». وبه قال ابن مسعود. وقال سعيد بن المسيب، والشعبي، وابن جبير، وإبراهيم، وقتادة، وحماد: يقضي يوماً مكانه. قال: حدثنا عبد الله بن منير، أنه سمع يزيد بن هارون، قال: حدثنا يحيى، هو ابن سعيد، أن عبد الرحمن بن القاسم أخبره، عن محمد بن جعفر بن الزبير بن العوام بن خويلد، عن عبد الله بن الزبير، أخبره أنه سمع عائشة رضي الله عنها تقول: إن رجلاً أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إنه احترق. قال: وما لك؟ قال: أصبت أهلي في رمضان. فأتي النبي صلى الله عليه وسلم بمكتل يدعى العرق، فقال: أين المحترق؟ قال: أنا. قال: تصدق بهذا. هذا الباب عقده المصنف رحمه الله لذكر الخلاف، أو ذكر الراجح في مسألة من جامع في نهار رمضان متعمداً عالماً. معلوم أن عليه الكفارة، لكن مسألة: هل عليه أن يقضي يوماً بدلاً عن اليوم الذي أفسده بجماعه فيه؟ هذه مسألة مختلف فيها بين أهل العلم. من جامع في نهار رمضان عليه الكفارة المغلظة، لكن هل عليه أن يقضي يوماً بدلاً أو يوماً مكانه؟ مسألة خلافية مشهورة بين أهل العلم، فيها ثلاثة أقوال لأهل العلم: القول الأول: أن عليه القضاء، وهذا قول الجمهور من أهل العلم، واستدلوا بحديث أبي هريرة في قصة المجامع في نهار رمضان، فقد جاء في بعض طرقه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لهذا المجامع: «واقض يوماً مكانه»، ولأنه أفسد صومه فعليه القضاء. القول الثاني: أنه إنما عليه كفارة ولا قضاء عليه، وهذا قول الظاهرية، وقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحم الله كما في الفتاوى والاختيارات، وهو أيضاً أحد الأوجه الثلاثة عند الشافعية. القول الثالث: التفصيل، إذا كان سيكفر بالصوم فلا قضاء عليه، إذا كان سيكفر بالصوم فلا قضاء عليه، وأما إذا كان سيكفر بالعتق أو بالإطعام فعليه أن يقضي، وهذا قول الأوزاعي. والراجح هو القول الثاني: أنه لا قضاء عليه. المجامع في نهار رمضان لا قضاء عليه، بل عليه أن يتوب، وأن يستغفر، وأن يكفر الكفارة المغلظة التي جاء بها الشرع. وأما استدلال الجمهور برواية «اقض يوماً مكانه» فهي ضعيفة، بجمع الطرق أنها رواية شاذة لم تصح عن النبي صلى الله عليه وسلم. والأصل براءة الذمة من أي شيء أو تكليف إلا بدليل، ولا دليل. ولم يأمر النبي صلى الله عليه وسلم هذا المجامع أن يقضي يوماً مكانه. أيضاً مسألة مشابهة: وهي من أفطر يوماً من رمضان عالماً متعمداً بغير عذر، بغير الجماع. من أفطر يوماً من رمضان بغير الجماع، مثلاً بأكل أو شرب، ما حكم هذا اليوم؟ هل عليه أن يقضي؟ ما حكم هذا اليوم؟ هل عليه أن يقضي؟ أيضاً مسألة اختلف فيها للعلم، والجمهور على القضاء، وذهب طائفة من أهل العلم لعدم وجوب القضاء، وهو قول ابن حزم، وابن تيمية، وجماعة من علمائنا المعاصرين، منهم العلامة الألباني رحمهم الله تعالى، وهذا هو الراجح. هذا هو الراجح: أنه من أفطر يوماً من رمضان متعمداً لا قضاء عليه، لكن عليه أن يتوب، وعليه أن يستغفر، وإثمه كبير، عليه أن يتوب إلى الله سبحانه وتعالى منه. وهذا القول الراجح مثل ما تقدم، لأن الجمهور قاسوا من أفطر في رمضان بالأكل أو الشرب متعمداً لغير عذر، قاسوه بالمجامع في نهار رمضان، ويتقدم معنا قبل قليل أن المجامع لا دليل على وجوب القضاء عليه فيما جامع فيه. وأيضاً لأن الله سبحانه وتعالى يقول: ﴿فمن كان منكم مريضاً أو على سفر فعدة من أيام أخر﴾، فربنا عز وجل جعل عدة من أيام أخر على من أفطر لعذر، أما هذا لم يفطر لعذر، فهذا هو الراجح من أقوال أهل العلم. وأما حديث الباب فهذا الذي يقول أنه الراجح، ونقل عن جماعة من الصحابة، منهم ابن مسعود، كما جزم بذلك البخاري في هذه الترجمة، قال: به قال ابن مسعود. وأما هذا الحديث الذي ذكره البخاري معلقاً بصيغة التمريض: «من أفطر يوماً من رمضان من غير علة ولا مرض، لم يقضه صيام الدهر، وإن صامه»، فهو من حديث أبي هريرة، وهو ضعيف، فيه ثلاث علل: الانقطاع، وجهالة حال أبي المطوس، وعدم الجزم بسماع والد أبي المطوس من أبي هريرة. بقي هذا الحديث الذي بين أيدينا من حديث عائشة، قالت: إن رجلاً أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إنه احترق، يعني علم أن فعله كان حراماً، وأنه يوجب الحرق بالنار، فقال: احترقت، وأقره النبي صلى الله عليه وسلم على هذا الوصف. فقال: أين المحترق؟ أي أن هذا إذا لم يتب منه فإنه يوجب العذاب بالنار، أو أن صاحبه يستحق العذاب بالنار إلا أن يعفو الله عز وجل عنه. تأمل، هذا الحديث فيه اختصار، فهذه الرواية فيها شيء من الاختصار، وجه الاختصار في هذا الحديث هو عدم ذكر العتق والصوم، إنما أرشده إلى الإطعام مباشرة. وهذا كما ذكر الشارح رحمه الله، اختصره بعض الرواة، إلا أن القصة واحدة في حديث أبي هريرة وحديث عائشة. وهذا الاختصار الذي كان في هذا الحديث استدل به لمذهب مالك في المشهور عنه، أن من جامع في نهار رمضان فليس عليه من الكفارة المغلظة إلا الإطعام، ليس عليه من الكفارة المغلظة إلا الإطعام. وهذا يرده كون القصة واحدة، وجاء بيان الترتيب في حديث أبي هريرة. نكتفي بهذا القدر، وإلى هنا، والحمد لله. ترجمة نانسي قنقر