الدرس في كتاب الإيمان 50، 59-باب في ذكر المسيح ابن مريم والمسيح الدجال . ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يتناول هذا الفصل شرحًا لأحاديث نبوية متعلقة بالمسيح ابن مريم والمسيح الدجال، حيث يصف النبي صلى الله عليه وسلم أوصافهما ويفرق بينهما. يُوضح أيضًا سبب تسمية كليهما بالمسيح ودلالة هذه الأوصاف على قدرة الله.
يشرح هذا الفصل تفاصيل حادثة الإسراء والمعجزة التي أكرم الله بها نبيه صلى الله عليه وسلم، حيث جلى له بيت المقدس ليصفه لقومه بعد أن كذبوه. كما يتطرق إلى موضوع إعادة بناء الكعبة على أساس إبراهيم عليه السلام.
يشير هذا الفصل إلى أن الحديث المذكور هو جزء من حديث الإسراء، وقد ذكره البخاري في هذا السياق. تم الإشارة إلى ذلك كجزء من استعراض الحديث النبوي.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. قال المؤلف رحمه الله تعالى: باب في ذكر المسيح بن مريم والمسيح الدجال. قال حديث عبد الله بن عمر، قال: ذكر النبي صلى الله عليه وسلم يومًا بين ظهري الناس المسيح الدجال، فقال: «إن الله ليس بأعور، ألا إن المسيح الدجال أعور العين اليمنى، كأن عينه عنبة طافية». أخرجه البخاري بكتاب الأنبياء، باب ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ﴾. قال حديث عبد الله بن عمر، قال: رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أراني الليلة عند الكعبة في المنام، فإذا رجل آدم، أحسن ما يرى من أدم الرجال، تضرب لمته بين منكبيه، رجل الشعر، يقطر رأسه ماء، واضع يديه على منكبي رجلين، وهو يطوف بالبيت، فقلت: من هذا؟ فقالوا: هذا المسيح ابن مريم. ثم رأيت رجلًا وراءه، جعدًا قططًا، أعور العين اليمنى، كأشبه من رأيت بابن قطن، واضع يديه على منكبي رجل، يطوف بالبيت، فقلت: من هذا؟ قال: المسيح الدجال». أخرجه البخاري بكتاب الأنبياء، باب ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ﴾. قال حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما، أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «لما كذبتني قريش، قمت في الحجر، فجل الله لي بيت المقدس، فطفقت أخبرهم عن آياته، وأنا أنظر إليه». أخرجه البخاري في كتاب مناقب الأنصار، باب حديث الإسراء، وقول الله تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا﴾. أورد المؤلف رحمه الله هذه الأحاديث الثلاثة من الأحاديث التي اتفق عليها الشيخان، فيما يتعلق بباب في ذكر المسيح ابن مريم والمسيح الدجال، يعني في ذكر بعض أوصاف المسيح ابن مريم والمسيح الدجال. ومناسبة ذكر ذلك؛ لأنه ذكر في بعض الأحاديث مجتمعًا، كحديث ابن عمر، ولأجل التفريق، ولأجل التفريق كذلك الذي ذكر في الأحاديث، والاشتباه اللفظ المسمى به. المسيح ابن مريم نبي الله عليه الصلاة والسلام، سمي مسيحًا، قيل: للمسح عليه، وقيل: لمسحه الأرض، وقيل: لما يكون بعد ذلك حين نزوله بعد رفعه، وقيل: غير ذلك. والمسيح الدجال سمي مسيحًا، قيل: لأجل مسحه الأرض ودورانه فيها؛ فإنه يمر على أهل الأرض فيفتنهم امتحانًا وابتلاءً من الله سبحانه وتعالى، وقيل: لأن عينه أو أحد عينيه قد مسحت، وقيل: غير هذا. وهذا هو المشهور. ثم ذكر حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، وقد ورده البخاري بالباب المشار إليه، فقال: حدثنا إبراهيم بن المندر، قال: حدثنا أبو ضمرة، قال: حدثنا موسى، عن نافع، قال: عبد الله، فذكر الحديث بلفظه. وذكر المسيح الدجال أنه أعور، وأن الله ليس بأعور، جاء معناه كذلك في الصحيحين من حديث أنس. ثم ذكر حديث عبد الله بن عمر الآخر، وقد ذكره البخاري في الباب المشار إليه بنفس الإسناد المتقدم. وذكر حديث جابر بن عبد الله، وقد أخرجه البخاري في الباب المشار إليه، فقال: حدثنا يحيى بن أبو كير، قال: حدثنا الليث، عن عقيل، عن ابن الشهاب، قال: حدثنا أبو سلمة بن عبد الرحمن، أنه سمع جابر بن عبد الله، فذكر الحديث بلفظه. وفي هذه الأحاديث من المسائل: أولًا: ذكر وصف المسيح بن مريم، ففي ذكر وصف المسيح بن مريم عليه الصلاة والسلام، علم الفرق بينه وبين المسيح الدجال. وهكذا ذكر وصف المسيح الدجال. وقد مر معنا من وصف نبي الله عيسى بن مريم عليه الصلاة والسلام في الأحاديث السابقة، ما يغني عن التكرار. ورؤيا الأنبياء حق، ولله حكمه فيما أرى نبيه عليه الصلاة والسلام. وهو سبحانه وتعالى يري نبيه عليه الصلاة والسلام بعض ما يكون فيه من الغيب مما يعلم أمته صلى الله عليه وسلم. ومن صفات المسيح الدجال: أنه أعور العين اليمنى، كأن عينه عنبة طافية، أي: فيها بروز، أي: فيها بروز كالحب من العنب في العنقود، تبرز كذلك إحدى عينيه. ولا ينافيه ما جاء في صحيح مسلم من ذكر مسح العين الأخرى، فيكون في كل أو كلتا عينيه خلل، أحدهما لا يرى فيهما، والأخرى يرى. وهكذا كذلك فيه إثبات العينين لله عز وجل بالإجماع، فقد استدل الإمام الدارمي رحمه الله، ونقل فيه الإجماع بهذا الحديث على إثبات العينين لله عز وجل، على ما يليق بجلاله وعظمته، ليس كمثله شيء، وهو السميع البصير. يثبتون ذلك إثبات وجود، لا إثبات تمثيل وتشبيه، فلله المثل الأعلى. فالله عز وجل يرى، وهو سبحانه وتعالى له عينان تليقان بجلاله وعظمته، سبحانه وتعالى، استدلالًا بهذا الحديث: «إن الله ليس بأعور». وقد نقل الإجماع في هذا. وفيه كذلك ما ذكر من وصف الدجال: من أن أشبه الناس بمن رأى بابن قطن. ولا يضره شبهه. وفيه دليل على أن المسيح الدجال من بني آدم، خلافًا لمن زعم غير هذا. ولا ينافيه ما ذكر في حديث تميم الداري؛ فإنه من بني آدم، ولحكمة جعل الله عز وجل فيه ما جعل مما ذكر في حديث تميم وغيره من الأحاديث في وصفه. وهكذا كذلك في هذا الحديث ذكر شيء من صفتي المسيح الدجال، وأنه كذلك له طاعة، ولهذا قد يفتتن به بعض الناس. فهنا ذكر أنه يطوف بالبيت، وحين يأتي للناس كذلك يفتنهم بما جعل الله عز وجل بين يديه. وقد ذكر في وصفه وأمره أشياء كثيرة، سيأتي بعضها إن شاء الله في أحاديث أخرى، فيجعل الله عز وجل له جنة ونارًا، ويكون فيه من الابتلاء والامتحان ما الله به عليم. ولا يتابعه إلا من هم ظنة الجهل، كاليهود، وكذلك الأعراب والنساء. وهكذا كذلك في هذه الأحاديث: حديث بن عمر بروايته، ذكر شيء من صفات نبينا عيسى عليه الصلاة والسلام. ولهذا ذكره الإمام البخاري بكتاب الأنبياء. ذكره بكتاب الأنبياء. ثم ذكر حديث جابر بن عبد الله، وفيه شيء مما وقع للنبي صلى الله عليه وسلم في ليلة الإسراء. فلما كذبه قومه، طلب منه وصف البيت، بيت المقدس، فجلاه الله عز وجل له، فصار يصفه لهم مما يرى، وهو ينظر إليه. وهذه آية أخرى ودليل من دلائل نبوته وصدق رسالته عليه الصلاة والسلام. وقوله: «قمت في الحجر»، أي: حجر الكعبة الذي يسميه الناس بحجر إسماعيل، وهو خطأ؛ فليس هو بحجر إسماعيل، وإنما هو الجزء الذي لم يكتمل من بناء الكعبة. فإن قريشًا لما أعادت بناء البيت، تعاهدت على أن تبنيه من صالح وخالص مالها، فلم يسعهم بناء كل البيت، فبنوا ذلك الجزء الموجود اليوم، وما لم يستطيعوا بناءه جعلوا له هذا الحجر. وكان النبي صلى الله عليه وسلم يريد أن يعيد البيت على أساس إبراهيم، يعني: يدخل الحجر فيه. فالحجر من البيت، ولكنه خشي فتنة أهل مكة، وهم حديث عهد بإسلام، فترك ذلكم الأمر. وقد استأذن بعض الأمراء أمير المؤمنين الإمام مالك رحمه الله في إعادة البيت على أساس إبراهيم، بعد أن كان قد أعاده عليه عبد الله بن الزبير، فهدمه من بعده من بني أمية، وأعادوه كما كان. فاستؤذن الإمام مالك في ذلك، فأشار إليهم رحمه الله بأن لا يفعلوا ذلك؛ حتى لا يكون البيت عرضة للامتهان بالهدم والبناء من الملوك. فأخذ برأيه، فبقي البيت على هذا إلى يومنا هذا. ولله حكمه في ذلك؛ فإن لله الحكمة البالغة في هذا. فصار الناس يدخلون ويصلون في الحجر، ومن صلى في الحجر صلى في البيت؛ من صلى في الحجر فكأنما صلى في البيت؛ لأن الحجر من البيت. وهذه حكمة، وفي ذلك كذلك حكم أخرى. فالحمد لله الذي هدى هذه الأمة لما فيه الخير لها. وفي قوله: «فجل الله لي بيت المقدس، فطفقت أخبرهم عن آياته، وأنا أنظر إليه»، فيه: أن من علامات ودلائل النبوة: أن يكشف الشيء البعيد. والله عز وجل قد أرى نبيه صلى الله عليه وسلم ذلك. وقد اختلف أهل العلم: هل جلاه فرآه في مكانه، أو خيل له وهو في مكانه في السماء؟ جاءت بعض الروايات بهذا، أي: تدل على هذا، وجاءت بعض الروايات تدل على الأول. ولا مانع أن يكون قد جمع له الأمران، جمعًا بين هذه الروايات: جلي له كأنه يرى في مكانه، وجلي له فرآه بين يديه عند الجبل، وهو يصف لهم ذلك وصفًا دقيقًا. فيكون جمع له بين ما يراه أمامه من البناء، وما يراه في مكانه، وما حوله من الأرض. فإنهم قد يسألونه عن أشياء يحتاج أن يصفها بأرضها، وقد يسألونه عن أشياء يحتاج أن يصفها بما يراه معاينة في تفاصيل بنائها. وكل ذلك وقع، فوصف لهم عليه الصلاة والسلام، فكان في ذلك الحجة عليهم. وفي قوله صلى الله عليه وسلم: «أخبرهم عن آياته، وأنا أنظر إليه»، فيه: أنه نظر حقيقي، ليس بخيال، ولا كذلك بمنام، بل وصف حقيقي. والله عز وجل على كل شيء قدير، جلاه الله عز وجل له، فرآه رؤيا حقيقية. وهذا الحديث كذلك من حديث الإسراء، ولهذا ذكره البخاري رحمه الله في باب حديث الإسراء. نكتفي بهذا القدر، وإلى هنا، والله تعالى أعلم.