الدرس في كتاب الإيمان 18، باب بيان تفاضل الإسلام وأي أموره أفضل . ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يتكلم هذا الفصل عن معنى تفاضل الإسلام وأفضل أموره، ويوضح أن الإسلام يتفاضل بحسب الأعمال الصالحة. كما يبين أن الإسلام هو دين الأنبياء جميعاً وخاتم الأديان.
يشرح هذا الفصل مفهوم تفاوت الإيمان وعلاقته بالأعمال الظاهرة والباطنة، ويبين أن الإيمان يزيد وينقص بحسب الأعمال الصالحة والمعاصي. كما يبين أن الإيمان أعلى رتبة من الإسلام.
يتناول هذا الفصل أهمية سؤال أهل العلم والاستفادة منهم في أمور الدين، ويبرز فضل الصحابة في بحثهم عن أبواب الخير. كما يشير إلى فضل إطعام الطعام وإن كان يسيرًا، ويحث على التغلب على وساوس الشيطان في الصدقة.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. قال المؤلف رحمه الله تعالى: باب بيان تفاضل الإسلام، أي أموره أفضل. قال حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما: أن رجلا سأل النبي صلى الله عليه وسلم: أي الإسلام خير؟ قال: «تطعم الطعام، وتقرأ السلام على من عرفت ومن لم تعرف». قال: أخرجه البخاري في كتاب الإيمان، باب إطعام الطعام من الإسلام. أورد المؤلف رحمه الله تعالى هذا الباب فيما بوب به تبويب الإيمان مسلم، وأورد حديث عبد الله بن عمر، وهو من الأحاديث الصحيحة التي في الصحيحين. فقد أخرج الإيمان مسلم في هذا الباب، وهكذا الإمام البخاري رحمه الله في كتاب الإيمان، باب إطعام الطعام من الإسلام. وهذا لفظ الإمام البخاري. وقوله: باب بيان تفاضل الإسلام، وأي أموره أفضل، أي هذا مدخل في بيان تفاضل الإسلام، أي في إظهار أن الإسلام يتفاضل، وأي أموره أفضل، أي وأي هذه الأعمال والخصال من خصال الإسلام هي الأعلى والأفضل. وأورد ذلك في كتاب الإيمان لبيان أن الإيمان يتفاوت، فهو يزيد بالطاعات وينقص بغيرها. وفي الحديث مسائل، من أهم هذه المسائل بيان تفاضل الإسلام. ومر معنا أن الإسلام مسمى لهذا الدين، فيدخل فيه كل ما جاء به نبينا عليه الصلاة والسلام، ومنه ما نسخت به الشرائع السابقة، فهو الدين الذي ختم الله به الأديان، ولا يقبل دينا غيره، ﴿إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾، فكل الآيتين تدل على هذا المعنى. ويأتي معنى الإسلام أنه دين الأنبياء والمرسلين جميعاً، كما قال إبراهيم عليه الصلاة والسلام: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾، فدل أن معنى الإسلام ليس أول من جاء به نبينا عليه الصلاة والسلام، بل هو دين سائر الأنبياء، وهو ما توافقت به شرائع الأنبياء مما بعثهم الله به من الدعوة إلى التوحيد وتقرير خصال الفطرة. وأما ما يتعلق بالتشريع والأحكام، فهو يختلف بحسب حكمة الله عز وجل فيما ينفع الخلق من شريعة إلى شريعة، فبهذا المعنى الثاني يصير الإسلام دين جميع الأنبياء. ولما كان الإسلام هو أكمل هذه الأديان وأتمها، ختم به سائر الأديان. وهكذا كذلك يأتي معنى ثالث للإسلام، وهو أنه معنى ما أمر الله عز وجل به من الخصال العملية، ومنها أركان الإسلام الخمسة. وهو بهذا المعنى الثالث أحد مراتب هذا الدين، فالدين ثلاثة مراتب: إسلام وإيمان وإحسان، كما تقدم معنى في حديث جبريل عليه الصلاة والسلام حين جاء يعلم الناس دينهم. وعلى هذا المعنى الثالث، فالإسلام يتفاضل بحسب زيادة أعمال الناس ونقصانها. والإسلام والإيمان كما قال العلماء: إذا اجتمع افترق، وإذا افترق اجتمع، يعني إذا ورد الإسلام وحده قد يدخل معه الإيمان، وإذا ذكر الإيمان وحده قد يدخل فيه الإسلام. وإذا ذكر الإيمان والإسلام، فإنه يحمل الإسلام على الأعمال الظاهرة، والإيمان على ما زاد على ذلك من العقيدة الباطنة، فيكون الإيمان أعلى رتبة من الإسلام؛ لأنه إسلام وزيادة إظهار الأعمال الباطنة والظاهرة مع ما يوافقه من الأعمال الباطنة. وبهذا نعلم مناسبة إيراد هذا الباب في كتاب الإيمان لبيان أن الإيمان يتفاوت ويتفاضل. وهذا فيه رد على المرجئة الذين يزعمون أن الإيمان شيء واحد والإسلام تدرج. وهكذا في مقابلهم الوعيدية، فالوعيدية من الخوارج والمعتزلة والمرجئة بكافة فرقهم اعتقدوا أن الإيمان والإسلام شيء واحد، فإذا ذهب بعضه ذهب كله. وعلى هذا المفهوم الخاطئ قال الوعيدية: أنه لا يجتمع إيمان وإسلام مع ما ينقصه من كبائر الذنوب والفسوق، فيزعمون بهذا إذا ذهب بعضه ذهب كله، فإذن عندهم أن من فعل الكبيرة فهو ليس بمؤمن. وفي مقابل هؤلاء المرجئة كذلك أرادوا أن يردوا باطل الوعيدية، فوقعوا في باطل آخر، فهم يظنون أن الإيمان والإسلام شيء واحد إذا ذهب بعضه ذهب كله. فلهذا يقولون: أنه لا يتجزأ، إذن لا فرق بين إيمان الملائكة والأنبياء وأفسق وأفجر الرجل في الأرض، فيظنون أن الإيمان شيء واحد، يعني إثباته على ما هو عليه. وهذا خطأ، فكل القولين خطأ. والصواب ما دلت عليها دلالة الكتاب والسنة أن الإيمان يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية. والأدلة على هذا كثيرة من كتاب الله وسنة رسول الله عليه الصلاة والسلام، كما قال الله عز وجل: ﴿وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾، والآية الأخرى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾، فالأعمال الصالحة تزيد في الإيمان، والعكس المعاصي تنقص الإيمان. «لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، لا يسرق السارق إن يسرق وهو مؤمن»، معناه أن إيمانه ينقص ويذهب عنه في وقت المعصية، وليس معناه أنه كافر، ولكنه ناقص الإيمان. وهكذا كذلك هذا الحديث، فإطعام الطعام وإفشاء السلام مما تزيد به خصال الإيمان والإسلام. سئل النبي عليه الصلاة والسلام: أي الإسلام خير؟ قال: «تطعم الطعام، وتقرأ السلام على من عرفته ومن لم تعرف». وفيه من المسائل كذلك فضيلة إطعام الطعام، وأنه من الأعمال الصالحة ومن علامات الخير في الإسلام، فمن وفقه لهذا العمل الصالح فهو على خير مراتب الإسلام أو منازل الإسلام. وفيه كذلك استحباب إفشاء السلام على من عرفته وعلى من لم تعرفه. وفيه دليل كذلك أن تخصيص السلام ليس من خصال الفطرة والإسلام، أي أنك تسلم إلا على من عرفته، كحال كثير من الناس يمر ولا يسلم، فإذا سألته: لماذا لم تسلم؟ قال: ما أعرفه. طيب هو مسلم، ولو ما عرفته، ليس شرط السلام أن تكون الرجل معروفا لديك أنت، ما دمت تمر بالمسلم فسلم عليه، لك فيه أجر. وكذلك تعينه على كسب الأجر، ويكون في هذا إدخال المودة والتراحم، وكذلك إشاعة خصال الخير في هذا المجتمع. وهكذا كذلك في هذا الحديث أهمية سؤال أهل العلم والاستفادة منهم. وكثيرا ما نجد في الأحاديث سؤال الصحابة رضي الله عنهم للنبي عليه الصلاة والسلام، بينما نجد الناس اليوم لا يسألون إلا إذا وقعوا في ورطة. كما يقال: فيجعلون السؤال للضرورة، وبعضهم حتى في مثل هذا يفتي نفسه بنفسه ولا يسأل إلا من رحم الله. على أن الذي ينبغي أن يحرص المسلم على أن يسأل في أمور دينه ويتفقه. وفيه فضيلة الصحابة رضي الله عنهم، فمن فضائلهم أنهم كانوا يبحثون عن أبواب القربات والخيرات. وهذا يدل على حسن سريرتهم وعلو همتهم في الحرص على الأعمال الصالحة. ما يأتي إنسان ويقول: أي الإسلام خير؟ إلا وهو يريد ماذا يفعل هذا الخير؟ يبحث عن أبواب الخير ليفعلها وليسابق فيها. وهذا إن دل على شيء، دل على فضيلة الصحابة رضي الله عنهم وحسن سريرتهم وعلو همتهم وحرصهم على الأعمال الصالحة، رضي الله عنهم أرضاهم. وهكذا ينبغي أن نقتدي بهم أن نحرص في السؤال على ما ينفعنا ويقربنا إلى الله. تفكر وتأمل أن الأعمال الصالحة كثيرة، فما هو الذي تستطيع أن تفعله من هذا الكثير فتحصل على الأجر الكثير في العمل القليل؟ أو توفق لخير الأعمال؟ وما أكثر ذلك كما قلنا في سؤال الصحابة رضي الله تعالى عنهم أرضاهم للنبي عليه الصلاة والسلام. وفيه دليل كذلك على أن إطعام الطعام ليس من شرطه الولائم كما يظنه بعض الناس، ولا الموائد، ولا كذلك الإغداق بالكثير منه، بل إطعام الطعام ولو باليسير. فكان غالب طعامهم التمر والماء، وهم الذين نعرف في الفقر والفاقة، ومع ذلك يحثهم النبي عليه الصلاة والسلام على إطعام الطعام، فنحن من باب أولى. الكثير من الناس اليوم يزهد في إطعام الطعام والصدقة بها، في ظنه أن الذي يملك شيء حقير ما يستحق أن يتصدق به. وكأن الصدقة لا تجوز إلا في الأشياء التي تكون فيها الرفاهية ويكون فيها الإغداق. وليس هذا المقصود من الصدقة والإطعام، الصدقة بأي شيء، حتى ولو شق تمرة، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «اتقوا النار ولو بشق تمرة»، يعني حتى نصف تمرة إذا كان أحد سينتفع بها فهي صدقة. فلا تزهد في الصدقة، فالمرء في ظل صدقته يوم القيامة. أنت تستطيع أن تطعم الطعام ولو جار لك فقير ترسل له أحيانا ما تظن أنه ليس عنده، حتى لو أرسلت تفاحة أو تفاحتين. صحيح كل الناس يستطيع أن يشتري هذا، لكن هذا في ظنك، وأما في الحقيقة ربما في الواقع ليس كل الناس يستطيع هذا. وهكذا كذلك أشياء كثيرة من الطعام هي يسيرة علينا، ولكن الشيطان يزهد الناس بمثل هذه الأوهام، فيحرمهم باب الخير، كأنه يقول لهم: ما تنفعكم هذه الصدقة إلا أن يكون كثيرا. وهذا مثل صنيع المنافقين، إذا تصدق الإنسان بالصدقة الكثيرة من المسلمين قالوا: هذا يرائي، ما فعل ذلك إلا رياء وسمعة. وإذا تصدق الإنسان بالشيء اليسير قالوا: إن الله غني عن صدقة هذا. فماذا يريدون إذن؟ لا يريدون أحدا يتصدق لا قليل ولا كثير. وهكذا الشيطان يدخل في قلب الإنسان أحيانا الأوهام، فلذلك ينبغي للإنسان أن يحرص على الصدقة، ومنها إطعام الطعام ولو بالشيء اليسير.