كتاب الإيمان  29

كتاب الإيمان 29

الدرس في كتاب الإيمان 29، 21-باب بيان حال إيمان من قال لأخيه المسلم يا كافر . ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

تحريم تكفير المسلم وخطورة الكلمة

يبدأ الحديث بتحريم تكفير المسلم لأخيه المسلم، ويبين عظم هذه المعصية وخطورة الكلمة. القول بغير علم قد يعود بالضرر على القائل.

ضوابط التعامل مع المخالفين

يتطرق إلى التحذير من رمي المسلم بالفسق، ويوضح كيفية التعامل مع العصاة والمبتدعة وفق الضوابط الشرعية، مع التفريق بين أنواع المعاصي والبدع.

أحكام تكفير المسلم وحدوده

يناقش ضوابط تكفير المسلم وحدود جواز استخدام ألفاظ التكفير، مشيرًا إلى الفرق بين من يظهر معصيته ومن يستتر بها، مع الإشارة إلى ترجمة الإمام البخاري.

ختام الحديث والتأكيد على علم الله

يشير إلى انتهاء الحديث واكتفاء بما تم ذكره، مع التأكيد على أن الله تعالى هو الأعلم، ويظهر تواضع المتحدث واعترافه بحدود علمه.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين. اشهدوا أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، واشهدوا أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. قال المؤلف -رحمه الله تعالى-: باب بيان حال إيمان من قال لأخيه المسلم: يا كافر. قال: حديث عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: «أيما رجل قال لأخيه: يا كافر، فقد باء بها أحدهما». قال: أخرجه البخاري في كتاب الأدب، باب من كفر أخاه بغير تأويل. أورد المؤلف -رحمه الله- هذا الباب والحديث في الأحاديث التي اتفق عليها الشيخان: البخاري ومسلم -رحمهم الله تعالى-. وعلى قاعدته التبويب، ما بويب على صحيح مسلم، ولفظ الحديث ولفظ الإمام البخاري -رحمه الله-. وقد أخرجه في الموضع المشار إليه. وفي هذا الحديث مسائل، من أهم هذه المسائل: تحريم قول المسلم لأخيه المسلم: يا كافر، وأن ذلك من الأمور المعظمة. ولهذا قال النبي -عليه الصلاة والسلام-: «فقد باء بها أحدهما»، يعني: إن قالها بحق فقد وقعت في المقول له، وإن قالها بباطل فإنها وقعت في القائل. وهذا يدل على عظم هذه المعصية، ولهذا قال بعض أهل العلم: إنها من الكبائر. والكبائر اختلف أهل العلم: هل تعرف بالحد أم تعرف بالعد؟ وما معنى معرفتها بالحد؟ قال: نعم، التعريف يعني يعرف لها تعريف. ومن قال بالحد: إما أن يكون وعيدًا في الدنيا أو في الآخرة، أو يترتب عليه حد، أو لعن، أو قرن بفعل الكافرين أو الشياطين. ذكر ابن القيم -رحمه الله- أكثر من عشرة قيود وضوابط يعرف بها الكبيرة. ومن قال بالعد، قال: إنما الكبيرة ما سميت في الشرع كبيرة. وعلى هذا فالكبائر قليلة، وعلى الأول الكبائر كثيرة. وسواء القول بالأول أو الثاني، فلا يخرج ذلك ما في هذا الحديث من وعيد من كون هذه المعصية من المعاصي الكبار، ولو لم تسمى كبيرة. فالحاصل فيه الوعيد الشديد في هذا اللفظ. وفيه كذلك من المسائل: التحفظ في رمي هذه الكلمة والتثبت فيها، فلا يجوز للمسلم أن يرمي أخاه المسلم بهذا اللفظ. بل كذلك ما هو دونه، فلا يجوز أن ينتقص أخاه إلا بحق. وقد ذكر العلماء أن المخالفين لأمر الله ثلاثة أقسام: الكفار، والمنافقون، وعصاة المسلمين. وبعضهم أدخل المنافقين في الكفار، فجعل النفاق من الكفر، فيدخل فيه المشرك والمنافق والكافر ولو كتابي. والقسم الثاني: المبتدعة. والقسم الثالث: العصاة. والمقصود من التنبيه على هذا التقسيم أننا نعرف أن الشرع قد جعل أحكامًا وتفاصيل في التعامل مع هؤلاء. ومن هؤلاء المسلم إذا وقعت منه بدعة أو معصية، فإنه ينبغي أن ينضبط المسلم مع أمثال هؤلاء بالضوابط الشرعية. ومن ذلك أنه ينبغي أن يفرق بين بدعة وبدعة، وبين معصية ومعصية. فقسم العلماء البدع إلى قسمين: بدعة مكفرة، وبدعة غير مكفرة. فأما صاحب البدعة المكفرة بعد قيام الحجة عليه، فإنه يعامل معاملة المرتدين والكفار. وأما صاحب البدعة غير المكفرة، فإنه أخف من الأول. وهم كذلك ينقسمون إلى قسمين: أناس يدعون إلى البدعة، وهم لها وعليها متعصبون متشددون. وقوم أتباع، يكثر فيهم العامة الذين هم أتباع من سبق إليهم. أشار العلماء إلى التفريق في معاملة هؤلاء وهؤلاء، فيفرق بين القسم الأول الذين هم يعتبرون رؤوسًا وأمثالهم، فيشد عليهم بما يكون به ردعهم وردهم إلى الحق إن كان فيهم خير، وكذلك حماية المجتمع من شرهم وبدعتهم. وأما القسم الثاني، فيرفق بهم، وكذلك يلان لهم الجانب، ويتألفون بما يكون فيه تحبيب السنة إليهم وتقريبهم من الحق. وهناك ثنايا وتفاصيل قد يكون فيها استثناءات في بعض هذه الأقسام؛ لأن المقصود هو مراعاة أعلى المصلحتين ودرء أشد المفسدتين. والقسم الثالث: العصاة. وهذا هو المقصود هنا مع ما قبله. فالعصاة كذلك ينقسمون إلى قسمين: عصاة مجاهرون بالمعاصي، مفسدون لأنفسهم وغيرهم. وعصاة مستترون بمعاصيهم. فيفرق بين الأول والثاني. الأول يشد عليه ويغلب بما يكون به زجره ومنعه وتحذير الناس والمجتمع من شره وفتنته، حماية للمجتمع وردعًا للفاعل أو الفاعلين، لعل في ذلك سببًا لرجوعهم إلى الحق إن كان فيهم خير. والمستتر بمعصيته على العكس، يعان على التوبة؛ حيث إنه استتر، فينصح، وكذلك يبذل له كل وسائل الإعانة على التوبة، خصوصًا إذا كان معترفًا بزلته وتقصيره. ولا أدل على ذلك من كونه يستتر بمعصيته. وقد ذكر نحو هذا التقسيم الإمام المقدسي -رحمه الله- في كتابه العظيم النافع «مختصر منهاج القاصدين». فهو كتاب عظيم نافع يفيد طالب العلم فضلًا عن المسلم في مثل هذه التفاصيل والأحكام والآداب. والشاهد من هذا أننا إذا تبين لنا مثل هذا على وجه الاختصار، علمنا أنه جرى هذا الحديث على هذا التفصيل. لا شك أن قول المعتدي على المعتدى عليه بلفظ: يا كافر، وهو لا يستحقها، كان فيه تجاوز لمثل هذه الضوابط وخروج عنها. ولا شك كذلك في قول النبي -عليه الصلاة والسلام-: «فقد باء بها أحدهما»، فيه دليل على جواز قوله بالضوابط المتقدمة لمن يستحقه. جواز قول مثل هذا اللفظ لمن يستحقه لقوله -عليه الصلاة والسلام-: «فقد باء بها أحدهما»، ومعناه قد يكون في حق الأول فيصح إذا كان بضابطه، أو يكون في حق الثاني فيصح إذا كان كذلك بضابطه. ومما يؤيد ذلك: ترجمة الإمام البخاري -رحمه الله- بكتاب الأدب: «باب من كفر أخاه بغير تأويل». ومعنى إن كفره بتأويل صحيح فهو جائز. فيجوز أن يقول من عنده علم على من قامت عليه الحجة -مثلًا- من غلاة الرافضة الذين وصلت بدعتهم إلى الكفر: فلان كافر، أو غلاة الصوفية الذين بلغت بدعتهم إلى الشرك: فلان مشرك. متى؟ بعد قيام الحجة عليه، وبعد اليأس من نصحه، وأن يكون رأسًا من رؤوس أهل الباطل والضلال. وعلى هذا يترتب عليه كذلك أحكام هذا اللفظ، فتقول على هذا: لا تصح الصلاة خلفه، ولا يحل كذلك النكاح به، وغير ذلك مما يترتب من أحكام تحت هذا المعنى. هذا خلاصة ما يذكر في هذا الحديث، به نكتفي. والله تعالى أعلم.