43-باب تجاوز الله عن حديث النفس والخواطر بالقلب إذا لم تستقر . 44-باب إذا هم العبد بحسنة كتبت وإذا هم بسيئة لم تكتب . 45-باب الوسوسة في الإيمان وما يقوله من وجدها . 46-باب وعيد من اقتطع حق مسلم بيمين فاجرة بالنار . 47-باب الدليل على أن من قصد أخذ مال غيره بغير حق كان القاصد مهدر الدم في حقه . 48-باب استحقاق الوالي الغاش لرعيته النار . 49-باب رفع الأمانة والإيمان من بعض القلوب وعرض الفتن على القلوب .
يتحدث عن تجاوز الله عن حديث النفس والخواطر التي لم تستقر في القلب، ويوضح أن المؤاخذة تكون عند استقرار النية وترتب العمل أو الكلام عليها. يبين أن هذا الأمر مبني على حديث نبوي يوضح هذه المسألة.
يفسر الحديث النبوي المتعلق بالهم بالحسنات والسيئات، موضحًا أن الهم بالحسنة يكتب كحسنة كاملة بينما الهم بالسيئة لا يؤاخذ عليه الإنسان إلا إذا تحول إلى عمل أو كلام. يشدد على أن حديث النفس لا يترتب عليه حكم ما لم يصاحبه عمل أو كلام.
يتناول موضوع الوسوسة التي يتعرض لها الناس، ويقدم ثلاثة علاجات لها: قطع الخواطر والوساوس، العلم بأنها مرض يختلف من شخص لآخر، والتشاغل بالعلم. يشير إلى أن مقاومتها وإنكارها من صريح الإيمان.
يبرز أهمية الأمانة وخطورة تفريطها مستشهدًا بحديث حذيفة ودلالته على نبوة الرسول. يربط بين تضييع الأمانة حاليًا وبين ما ورد في الحديث، ويشير إلى أن زوال الخير من الناس يعود إلى عدم عملهم بالعلم.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. قال المؤلف رحمه الله تعالى: قال باب تجاوز الله عن حديث النفس والخواطر بالقلب إذا لم تستقر. قال حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن الله تجاوز عن أمتي ما حدثت به أنفسها ما لم تعمل أو تتكلم». قال أخرجه البخاري بكتاب الطلاق، باب الطلاق في الإغلاق. قال باب إذا هم العبد بحسنة كتبت، وإذا هم بسيئة لم تكتب. قال حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا أحسن أحدكم إسلامه فكل حسنة يعملها تكتب له بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف، وكل سيئة يعملها تكتب له بمثلها». أخرجه البخاري بكتاب الإيمان، باب حسن إسلام المرء. قال حديث ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم فيما يروي عن ربه عز وجل قال: «قال أي الله عز وجل: إن الله كتب الحسنات والسيئات، ثم بين ذلك، فمن هم بحسنة فلم يعملها كتبها الله عنده حسنة كاملة، فإن هو هم بها فعملها كتبها الله له عنده عشر حسنات إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة، ومن هم بسيئة فلم يعملها كتبها الله عنده حسنة كاملة، فإن هو هم بها فعملها كتبها الله له سيئة واحدة». قال أخرجه البخاري في كتاب الرقاق، باب من هم بحسنة أو بسيئة. قال باب الوسوسة بالإيمان وما يقوله من وجدها. حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يأتي الشيطان أحدكم فيقول: من خلق كذا؟ من خلق كذا؟ حتى يقول: من خلق ربك؟ فإذا بلغه فليستعذ بالله ولينته». أخرجه البخاري في كتاب بدء الخلق، باب صفة إبليس وجنوده. قال حديث أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لن يبرح الناس يتساءلون حتى يقولوا: هذا الله خالق كل شيء، فمن خلق الله؟». قال أخرجه البخاري بكتاب الاعتصام، باب ما يكره من كثرة السؤال. قال باب وعيد من اقتطع حق مسلم بيمين فاجرة بالنار. قال حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من حلف يمين صبر ليقتطع بها مال امرئ مسلم لقي الله وهو عليه غضبان». فأنزل الله تصديق ذلك: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ﴾ إلى آخر الآية. قال فدخل الأشعث بن قيس وقال: «ما يحدثكم أبو عبد الرحمن؟» قلنا: كذا وكذا. قال: «فيَّ أنزلت، كانت لي بئر في أرض ابن عم لي». قال النبي صلى الله عليه وسلم: «بينتك أو يمينه». فقلت: «إذن يحلف يا رسول الله؟» فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من حلف على يمين صبر يقتطع بها مال امرئ مسلم وهو فيها فاجر لقي الله وهو عليه غضبان». قال أخرجه البخاري بكتاب التفسير، سورة آل عمران، باب ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾. قال باب الدليل على أن من قصد أخذ مال غيره بغير حق كان القاصد مهدر الدم في حقه، وإن قتل كان في النار، وأن من قتل دون ماله فهو شهيد. قال حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «من قتل دون ماله فهو شهيد». قال أخرجه البخاري في كتاب المظالم، باب من قاتل دون ماله. قال باب استحقاق الوالي الغاش لرعيته النار. حديث معقل بن يسار أن عبيد الله بن زياد عاده في مرضه الذي مات فيه، فقال له معقل: «إني محدثك حديثًا سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم، سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: ما من عبد استرعاه الله رعية فلم يحطها بنصحه - أو قال: بنصيحة - إلا لم يجد رائحة الجنة». خرجه البخاري بكتاب الأحكام، باب من استرعى رعية فلم ينصح. قال باب رفع الأمانة والإيمان من بعض القلوب، وعرض الفتن على القلوب. حديث حذيفة رضي الله عنه قال: «حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم حديثين، رأيت أحدهما وأنا أنتظر الآخر، حدثنا أن الأمانة نزلت في جدر قلوب الرجال، ثم علموا من القرآن، ثم علموا من السنة، وحدثنا عن رفعها، قال: ينام الرجل النومة فتقبض الأمانة من قلبه، فيظل أثرها مثل أثر الوكت، ثم ينام النومة فتقبض، فيبقى أثرها مثل المجلي - قال: كجمر دحرجته على رجلك، فنفط، فتراه منتبرًا وليس فيه شيء - فيصبح الناس يتبايعون، فلا يكاد أحد يؤدي الأمانة، فيقال: إن في بني فلان رجلًا أمينًا، ويقال للرجل: ما أعقله! وما أظرفه! وما أجلده! وما في قلبه مثقال حبة خردل من إيمان، ولقد أتى عليَّ زمان وما أبالي أيكم بايعت، لئن كان مسلمًا رده عليَّ الإسلام، وإن كان نصرانيًا رده عليَّ ساعيه، فأما اليوم فما كنت أبايع إلا فلانًا وفلانًا». قال أخرجه البخاري بكتاب الرقاق، باب رفع الأمانة. أورد رحمه الله هذه الأبواب في سياق ذكره لأحاديث كتاب الإيمان مما اتفق عليه الشيخان. أولها باب تجاوز الله عن حديث النفس والخواطر بالقلب إذا لم تستقر، وأورد حديث أبي هريرة رضي الله عنه. وقد أخرجه الإمام البخاري بالباب المشار إليه، فقال: حدثنا مسلم بن يراهيم، قال: حدثنا هشام، قال: حدثنا قتادة عن زرارة عن أبي هريرة وذكره بلاه بلفظه. وهذا الحديث فيه ما أشار إليه بالتوويب الذي بويب به على الحديث في صحيح مسلم من أن الله جل وعلا يتجاوز من عظيم فضله وواسع رحمته عن الإنسان حديث النفس والخواطر التي بالقلب إذا لم تستقر وتقييده إذا لم تستقر، لأنه سيأتي معنا أن هذه الخواطر والهموم تنقسم إلى قسمين: قسم منها يعرض وقسم منها يستقر وتكون معه إرادة، ففرق العلماء بين هذين القسمين، وسيأتي بيان إن شاء الله. وفي هذا الحديث من المسائل: من أهم المسائل مما يذكر في هذا المقام ما تقدم من تجاوز الله عن الناس حديث النفس والخواطر بالقلب، لكن إذا لم تستقر، ويكون معها إرادة بهذا القيد جمعًا بين الأدلة، كما سيأتي إن شاء الله. ولهذا قال: «ما لم تعملوا أو تتكلموا». وعلم بهذا أن من علامات استقرارها التي تكون بها المؤاخذة العمل والكلام، فإذا حصل هذين المعنيين أوخذ الإنسان بما في نفسه، وإذا لم يحصل لم يؤاخذ بما في نفسه. وفيه كذلك إشارة إلى أن المسلم يجب عليه أن يجاهد نفسه في قطع تلك الخواطر وأحاديث النفس حتى لا يجره الشيطان إلى ما فيه الضر به. وما دام في النفس فليس بشيء، ولهذا أتبع البخاري قوله في هذه الرواية قال قتادة: «إذا أطلق في نفسه فليس بشيء». هكذا في رواية البخاري، زاد هذه اللفظة عن قتادة رحمه الله تعالى. وهذه قاعدة عامة في أبواب كثيرة في العقائد والعبادات والمعاملات وغيرها: حديث النفس لا يترتب عليه حكم. ولهذا ضوّب البخاري هذا الحديث في باب الطلاق في الإغلاق، فإذا حدث الإنسان نفسه بالطلاق فلا يحسب هذا الطلاق. ومثله قاس عليه العلماء ما لم يكن معه عقل الإنسان، كشارب الخمر على الصحيح إذا فقد عقله، وهكذا من فيه حالة في غضب أو في غيره يغلق على عقله فلا يدري ما يقول فهذا معذور، فيه أن القلم رفع عن ثلاثة ومنهم المعتوه حتى يفيق، دخل في معنى المعتوه المجنون ومن به حالة ومن يغلب عليه الغضب حتى يفقد وعيه، ومن تأثر بحبوب أو مشروب أو غير ذلك، على أن هذا الأخير فيه خلاف بين أهل العلم. وكذلك فيه من المسائل التنبيه على قاعدة نبه عليها العلماء، وهي أن الشرع لا يجمع بين مفترق ولا يفرق بين مجتمع، فإذا كان هذا في حديث النفس فما كان دونه وما هو بمعناه فهو له نفس الحكم، فهو له نفس الحكم. ولذلك كما قلنا ذكر العلماء هذه المسائل في معنى هذا الحديث، وكذلك قل في غيرها في أبواب الطهارة والصلاة وغيرها، قد يجري على الإنسان حديث نفس فلا يضره ذلك، فلا يضره ذلك. وعليه أن يجاهد الإنسان الشيطان فيما يرد عليه من حديث النفس ولا يسترسل، كما سيأتي إن شاء الله في باب الوسوسة. ثم أورد باب إذا هم العبد بحسنة إلى آخره، وأورد هذين الحديثين حديث أبي هريرة وحديث ابن عباس. أما حديث أبي هريرة فقد أخرجه البخاري في الباب المشار إليه، فقال: حدثنا إسحاق المنصور، قال: حدثنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر عن همام عن أبي هريرة فذكره بلفظه. وحديث ابن عباس كذلك أخرجه في الباب المشار إليه، فقال: حدثنا أبو معمر، قال: حدثنا عبد الوارد، قال: حدثنا جعفر بن دينار أبو عثمان، قال: حدثنا أبو رجاء العطارد عن ابن عباس فذكره بلفظه. وقد أخرج البخاري كذلك حديثًا بمعنى هذا الباب انفرد به ولم يخرجه مسلم، وهو من أفراد البخاري، قال: أبو سعيد عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال: «إذا أسلم العبد فحسن إسلامه يكفر الله عنه كل سيئة كان زلفها، وكان بعد ذلك القصاص: الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف، والسيئة بمثلها، إلا أن يتجاوز الله عنها». وفيه معنى حديث أبي هريرة وحديث ابن عباس. وفي هذه الأحاديث ما ذكر وبوب، وفيها أن الهم إذا بقي كما تقدم ولم يكن معه إرادة تظهر بعمل أو كلام فلا يؤاخذ الإنسان على تلك السيئة. ومن عظيم فضل الله ورحمته أنه إذا هم بالحسنة ولو لم يظهر منه عمل أو كلام فإنه يكتبها له حسنة كاملة، فإذا هم بعمل أو كلام كتبها له وافية مضاعفة، وهذا من عظيم فضل الله عز وجل. وهذا يؤكد القاعدة التي تقدمت في هذا الباب، وهذه الأحاديث والتبويبات تدل على ما تقدم من أن الإيمان يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية، وينقص بالمعصية. وفي هذه الأحاديث كذلك أن الحسنات والسيئات تكتب، وهذا من عدل الله عز وجل. ففي إثبات الكتابة وما جاء في هذا الحديث وغيره من المضاعف إلى سبعمائة ضعف، وفي بعضها إلى أضعاف كثيرة، قال العلماء في التوفيق بينها: بأن ذلك بحسب العمل أو العامل، بحسب العمل أو العامل. فرب عمل أو عامل تكتنفه من الأوصاف ما يجعل عمله يضاعف أكثر من عمل غيره. وأنت ترى رجلين يصلي أحدهما إلى الآخر، ربما كما قال بعض أهل العلم: بينهما كما بين السماء والأرض، هذا في غفلته وعدم خشوعه، وهذا في طمأنينته وعظيم خشوعه، فبينهما كما بين السماء والأرض، فهل نقول: أن صلاتهما واحدة وأجر الصلاة واحد؟ الجواب: لا، لما يحتف بالفعل والفاعل من الصفات ما يجعل المضاعفة وعدمها. ثم أورد حديث الوسوسة، باب الوسوسة في الإيمان وما يقول من وجدها. وقد أورد حديث أبي هريرة البخاري في الباب المشار إليه، فقال: حدثنا يحيى بن بكير، قال: حدثنا الليث عن عقيل عن ابن شهاب، قال: أخبرني عروة بن الزبير، ثم ذكر الحديث عن أبي هريرة رضي الله عنه. وحديث أنس خرجه البخاري بالباب المشار إليه، فقال: حدثنا الحسن بن الصباح، قال: حدثنا شبابة عن ورقاء عن عبيد الله أنه سمع أنسًا فذكر الحديث بلفظه. وفي هذين الحديثين ما تقدم في أمر حديث النفس، وأن حديث النفس لا يؤاخذ عليه الإنسان ما لم يتعدى النفس. وهنا قد يرد إشكال، وذلك أنه صح عن النبي صلى الله عليه وسلم عند ابن ماجة وأحمد من حديث أبي كبشة الأنماري رضي الله عنه أنه قال عليه الصلاة والسلام: «مثل هذه الأمة كمثل أربعة: رجل آتاه الله مالًا وعلما فهو يعمل بعلمه في ماله ينفقه في حقه، ورجل آتاه الله علمًا ولم يؤته مالًا فهو يقول: لو كان لي مثل مال فلان لعملت فيه مثله». قال عليه الصلاة والسلام: «فهما في الأجر سواء، ورجل آتاه الله مالًا ولم يؤته علمًا فهو يخبط به ينفقه في غير حقه، ورجل لم يؤته الله علمًا ولا مالًا فهو يقول: لو أن لي مثل فلان لعملت مثل ما عمل، فهما في الوزر سواء». أشكل هذا على بعض أهل العلم مع الأحاديث الواردة في هذا الباب، كيف هذا لم يعمل وهما في الوزر سواء؟ أجاب العلماء بما نقل عن الإمام أحمد رحمه الله قال: «الهم همّان: هم خطرات وهم إرادة، فأما هم الخطرات فلا يؤاخذ عليه الإنسان، وأما هم الإرادة فيؤاخذ عليه الإنسان، وهو ما يتعدى القلب من كلام أو فعل يتعداه». وهذا يوافقه ما ورد في هذا الباب من أحاديث: «ما لم تعملوا أو تتكلموا». ويؤيده حديث أبي بكر في الصحيحين: «إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار». قالوا: «يا رسول الله! هذا القاتل، فما بال المقتول؟» قال: «إنه كان حريصًا على قتل صاحبه». هل كان في قلبه همّ أم تعدى هذا الذي في قلبه؟ الجواب: تعداه، لأنه صار معه قول وفعل، ولذلك فهما في الإثم سواء. وكذلك هذا الذي أراد أن يصرف المال في الحرام مثل ما صرفه ذاك، تكلم بهذا الكلام فلم يكن في القلب فقط، خرج إلى اللسان، فهما في الوزر سواء، فهما في الوزر سواء. وفي هذا تأكيد لخطر اللسان، انظر هذا أوتي مع أنه لم يعمل، فأوتي بكلام لسانه. وقد قال النبي عليه الصلاة والسلام: «كلتك أمك يا معاذ! وهل يكب الناس - أو يكب الناس على مناخرهم في النار - إلا حصائد ألسنتهم؟» وبهذا يزول الإشكال الذي قد استشكله بعض أهل العلم. وورد من أفراد الإمام مسلم عن ابن مسعود أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن الوسوسة، قال: «تلك محض الإيمان». وكذلك من أفراد مسلم في هذا الباب عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: «جاء ناس فسألوا النبي صلى الله عليه وسلم أنهم يجدون في أنفسهم ما يتعاظم أن يتكلم به أحدهم، فقال عليه الصلاة والسلام: أو قد وجدتموه؟ قالوا: نعم، قال: فذاك صريح الإيمان». وهنا إشكال آخر استشكله بعض أهل العلم في تسمية تلك الوسوسة محض الإيمان أو صريح الإيمان. والجواب: أن محض الإيمان في إنكار ما يريده الشيطان، ليس في عين الوسوسة، فالوسوسة من الشيطان ولا تكون من الإيمان، ولكن إنكار هذه الوسوسة هو محض الإيمان وصريح الإيمان. وهنا يأتي إشكال كذلك يرد عند بعض المبتدئين من طلبة العلم والعامة، لما نرى أن الوسوسة يبتل بها بعض أهل الصلاح ولا يبتل بها أهل الفسوق وربما الكفار. وأجاب بعض سلف الأمة بجواب بديع، فقال: «ذلك أن قلوب المؤمنين كالبيوت العامرة، وبيوت الكافرين والفاجرين كالبيوت الخربة، فماذا يصنع السارق أن يدخل بيتًا خربًا؟ هل يدخل السارق إلى البيت الخرب؟ لا، إيش يريد بالبيت الخرب؟ ما يأتي أحد سارق يدخل خرابة، لكن السارق يأتي يدخل إلى البيت العامر، فلما كانت بيوت أهل الإيمان عامرة حرص الشيطان على سرقتها بماذا؟ بالوسوسة، ولهذا كان من صريح الإيمان، ليس معنى ذلك إقرار الوسوسة، ولكن معناه أن الإنسان يعلم أن هذا ليس علامة نفاق كما قد وسوس له الشيطان، بل هذا علامة إيمان، فلا يضعف ولا يستسلم لهذا الشيطان، بل يتقوى عليه. ولذلك يجب عليه أن يتخذ الوسائل في علاج الوسوسة، وقد ألف العلماء في هذا كتبًا وفصولًا في ثنايا كتب. ومن أحسن وأجمل ما يقال ما نقله بعض أهل العلم على وجه الاختصار: يقال: عالج بثلاثة علاجات: العلاج الأول: قطع الخواطر والوساوس، فإنه قطع لمادة الشر التي ترد من هذا الشيطان، فلا يسترسل معها ولا يستفتحها، فضلًا أن يعيدها ويكررها. وثانيها: أن يعلم أنه مريض، فإذا علم فليعلم أن لنفسه حالًا تختلف عن حال غيره. وقد سئل النبي صلى الله عليه وسلم: «الرجل يخيل إليه أنه يجد الشيء في الصلاة؟» فقال: «لا ينصرف حتى يسمع صوتًا أو يجد ريحًا». ومن ذلك: أنه لا يرجع في عمله إلى الوراء، بل يبقى دائمًا على اليقين، ولا يلتفت إلى الشك، ولا يلتفت إلى الشك. إذا قال له الشيطان: «لم تقرأ الفاتحة؟» فلا تلتفت، امشي إلى الأمام. قال لك: «لم تغسل وجهك؟» لا تلتفت، ما دمت في غسل اليدين امشي إلى الأمام. أنت في التشهد قال لك: «نسيت ركعة؟» لا ترجع إلى الوراء، امشي إلى الأمام. الأصل بقاء ما كان على ما كان، فأنت تبقى على اليقين دائمًا. والثالث والأخير: أن يعتني كثيرًا بالعلم والتشاغل به عن الخلوة وما يلحق بها مما يضر به. ثم أورد رحمه الله باب وعيد من اقتطع حق مسلم، وأورد فيه حديث عبد الله بن مسعود. وقد ذكره البخاري بالباب المشار إليه، فقال: حدثنا حجاج بن المنهال، قال: حدثنا أبو عوانة عن الأعمش عن أبي وائل عن ابن مسعود فذكره بلفظه. وفي هذا الحديث كذلك ما تقدم من أن الإيمان يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية، وفيه خطر الحلف بالكذب، وفيه كذلك خطر الحلف على حقوق الناس بالشبهة فضلًا عن الباطل. وفيه كذلك أن هذا يدخل في عموم هذه الآية، وإن كانت الآية نزلت في حق الكفار، وفيه دليل على تنزيل آيات الكفار على المسلمين بمعنى تشابه الفعال لا باعتبار الحكم، لا باعتبار الحكم. وقد استدل بعض الوعيدية بمثل هذه الأدلة على تكفير أصحاب المعاصي، وليس بالصحيح، ولكن يجاب عليه كما تقدم. ثم أورد باب الدليل على أن من قصد أخذ مال ... ويشير به كذلك إلى ما تقدم أن هذا مما تنقص به الطاعات ويكون سببًا في دخول النار، فالمؤمن يزيد إيمانه بالطاعة وينقص بالمعصية. وفيه دليل كذلك على ما يجوز من القتل على ما يجوز من القتل، فمن قاتل ليحفظ ماله ونفسه وعرضه فهو محق، فإن قتل فهو شهيد، وإن قتل فالمقتول في النار بنص هذا الحديث وغيره من الأحاديث الأخرى الكثيرة في هذا الباب. وقد أورد البخاري حديث عبد الله بن عمر في الباب المشار إليه، فقال: حدثنا عبد الله بن يزيد، قال: حدثنا سعيد - وهو ابن أبي أيوب - قال: حدثني أبو الأسود عن عكرمة عن عبد الله بن عمر فذكره بلفظه. وقد انفرد الإمام مسلم بلفظ بمعناه أن أبا هريرة رضي الله عنه هو من أفراد مسلم في هذا الباب، وفيه قال عليه الصلاة والسلام حين سأله رجل عن من يريد أن يأخذ ماله: «فلا تعطه». قال: «أرأيت إن قاتلني؟» قال: «قاتله». قال: «أرأيت إن قتلني؟» قال: «أنت في الجنة». قال: «أرأيت إن قتلته؟» قال: «هو في النار». وفيه معنى حديث عبد الله بن عمر، وفيه دليل كذلك على جواز المقاتلة، ولكن فسره العلماء بالدفع الأخف ثم الأشد، فليس من أراد أن يأخذ مالك تأخذ السكين أو البندقية فتقتله مباشرة، لا، ولكن تدفعه بالتي هي أحسن، فإن لم يندفع فبالتي هي أعلى، وهكذا الأخف فالأعلى. ثم أورد باب استحقاق الوالي الغاش لرعيته النار، وهو كذلك فيه ما تقدم من خطورة الذنوب والمعاصي. وأما قوله: «لم يجد رائحة الجنة» فيقال كما قيل في الأحاديث السابقة: أي دخولًا أوليًا، أي دخولًا أوليًا. وقد أورد البخاري هذا الحديث في الباب المشار إليه بلفظه، فقال: حدثنا أبو نعيم، قال: حدثنا ... نعم، حدثنا أبو نعيم عن الأشهب، قال: عن الحسن عن عبيد الله بن زياد أنه عاد معقلًا - أو معقل بن يسار - الحديث. وفي معنى هذا الحديث أحاديث، والمقصود هاهنا أداء الأمانة من الراعي للرعية كما يجب أداء الأمانة من الرعية للراعي. وفيه خطورة الخيانة والغش في الرعية أو في الرعاية. وجاء عن النبي صلى الله عليه وسلم كذلك: «ما من امرئ يسترعيه الله عشر فما فوقهم إذا كان يوم القيامة أتى ويداه مغلولتان إلى عنقه، فإما أن يفكه عدله وإما أن يكبه جوره - أو كما قال عليه الصلاة والسلام -». وفيه أنه كلما ازدادت الرعية ازداد تشديد في السؤال وفي المحاسبة. وكان شيخنا محمد بن صالح رحمه الله يرى أن من أدخل دشًا إلى بيته يخاف عليه من هذا الوعيد في هذا الحديث، لأنه له رعية، وقد غش رعيته بإدخال هذا الدش إلى بيت أولاده، فهو غش لهم، لأنهم لا يميزون بين النافع والضار والهدى والضلال، فيكون بهذا قد غشهم، فيخش عليه أن لا يجد رائحة الجنة، أي لا يدخلها دخولًا أوليًا. وهذا من هذا العالم، والإمام يجعل المسلم يقف وقفة مع نفسه مع مثل هذه الأجهزة الخبيثة التي تضر بالعقائد والأخلاق والسلوكيات والعبادات والمعاملات، فضلًا عن منهاج وسلوك بأكمله صار يؤخذ ويتدين لله به من هذه الوسائل المخربة لأديان الناس. وأخيرًا أورد باب رفع الأمانة، وأورد حديث حذيفة. وقد أورده البخاري في الباب المشار إليه، فقال: حدثنا محمد بن كثير، قال: حدثنا سفيان عن الأعمش عن زيد بن وهب عن حذيفة فذكره بلفظه. وفيه خطورة تفريط في الأمانة، وكذلك أهمية الاعتناء بها. وفيه دليل من دلائل نبوة الصدق رسالته فيما يكون عليه حال الناس من تضييع الأمانة حتى يتحدث الناس بقلة الأمناء فيتتبعونهم لقلتهم. وها نحن في هذا الزمان كذلك، إذا كان هذا بزمن حذيفة فكيف بزماننا نحن؟ فإن لله وإن إليه راجعون. ومعنى ما ذكر من الحديث: «كجمر دحرجته على رجلك» يعني يبقى الأثر وتذهب الحقيقة، تذهب الحقيقة. وهذا بسبب عدم عمل الناس بالعلم، فيزول عنهم ما كان معهم من خير. وهذا كذلك يقال مثله في سائر ما ينزع عن الناس من خير، فبسبب عدم عملهم به يرفع عنهم، كالقرآن يرفع في آخر الزمان حين يضيعه الناس، وكالكعبة يهدمها يسلط الله من يهدمها حين يهجرها الناس ولا يؤدون العبادة التي أوجب الله عندها، وهكذا كل خير يزول عن هذا الإنسان إذا لم يحافظ عليه، فنعم الله يحافظ عليها بشكر الله عز وجل فيها، ومن شكر الله فيها أن يعمل المسلم بها. هذا خلاصة ما يذكر على عجالة في مثل هذا المقام المختصر المقتصر. وقد أخذنا شيئًا من الوقت، فسامحونا في ذلك، والله تعالى أعلم.