كتاب الإيمان 14

كتاب الإيمان 14

الدرس في كتاب الإيمان 14، تابع باب من لقى الله بالإيمان وهو غير شاك فيه دخل الجنة وحرم على النار . ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

أهمية كتمان العلم وشرح حديث أنس بن مالك

شرح حديث أنس بن مالك وأهمية كتمان العلم خشية المفسدة أو سوء الفهم. يُبين الحديث حكم من يشهد أن لا إله إلا الله صادقًا من قلبه.

مراعاة أحوال الناس والمصالح والمفاسد في بث العلم

ينبغي مراعاة أحوال الناس وعدم الحديث بكل ما يُسمع، مع مراعاة المصالح والمفاسد وتقديم أدلة الخوف والرجاء حسب الحاجة. يُشدد على أهمية فهم المسائل العلمية وتطبيقها حسب الموقف.

توجيهات للدعاة لمراعاة المصالح والمفاسد

يُنصح الدعاة بمراعاة المصالح والمفاسد وتجنب ذكر الأسماء عند التحذير من الأخطاء. يُشدد على أهمية تأثير كلام الدعاة على المجتمع وتوجيههم لتحقيق النفع وتجنب الضرر.

ختام بالدعاء بالتوفيق

المقطع ينتهي بدعاء الله بالتوفيق لما فيه صلاح الدين والدنيا والدعوة، ويُظهر الرغبة في نيل رضا الله والتوفيق في الأمور الدينية والدنيوية.

  • 27 جمادى الآخرة 1431هـ - 09/06/2010مـ
التفريغ النصي الكامل

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه. قال المؤلف رحمه الله تعالى: حديث أنس بن مالك: «أن النبي صلى الله عليه وسلم ومعاذ رديفه على الرحل، قال: يا معاذ بن جبل، قال: لبيك يا رسول الله وسعديك ثلاثًا، قال: يا معاذ، قال: لبيك رسول الله وسعديك، قال: ما من أحد يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله صادقًا من قلبه إلا حرمه الله على النار، قال: يا رسول الله، أفلا أخبر بها الناس فيستبشروا؟ قال: إذن يتكلوا، فأخبر بها معاذ عند موته تأثمًا». قال: أخرجه البخاري في كتاب العلم، باب من خص بالعلم قومًا دون قوم كراهية أن لا يفهموا. أورد رحمه الله هذا الحديث -حديث أنس بن مالك- في هذا الباب: باب من لقي الله بالإيمان وهو غير شاك فيه دخل الجنة وحرم على النار. وحديث أنس كما ترون فيه معنى حديث معاذ المتقدم، واللفظ لفظ الإمام البخاري رحمه الله، ذكره في الباب الذي أشار إليه في كتاب العلم، باب من خص بالعلم قومًا دون قوم كراهة أن لا يفهموا. قال رحمه الله: البخاري حدثنا إسحاق بن إبراهيم، قال: حدثنا أبي -أي معاذ بن هشام- قال: عن قتادة، عن أبي هشام، قال: عن قتادة، قال: حدث أنس، فذكر الحديث بلفظه. ورواه الإمام مسلم في نفس الباب الذي أشار إليه، وبعضهم بوّب لهذا الباب. وكما تعرفون، التبويب ليس من الإمام مسلم، فقال: باب الدليل على أن من مات على التوحيد دخل الجنة. وهذا الحديث فيه مسائل مر أكثرها في الحديث السابق، ومن أهم ما يذكر في هذا الباب ما بوّب به الإمام البخاري رحمه الله، وسبقت الإشارة إليه، وذلك أنه يجوز أن يكتم بعض العلم إذا خشي المفسدة فيه، فدرء المفاسد أولى من جلب المصالح. ومر معنا أن من العلم كتم بعض العلم -يعني في الوقت الذي يأمر الشرع بكتمانه فيه-، فأحيانًا يكتم العلم خشية أن لا يفهمه ولا يفقهه من يبلغ هذا العلم، أو أن يفهمه على غير وجهه، أو يستعمله فيما يكون به الإفساد أكثر مما يكون فيه الإصلاح. ومن هذا الأخير قصة أنس نفسه رضي الله عنه -أرضاه- حين حدث بحديث العرانيين، الحجاج بن يوسف، والحجاج بن يوسف معروف بسطوته واعتدائه، حتى أنكر عليه -أي على أنس- بعض من كان معه؛ لأجل أن لا ينتفع الحجاج بحديث العرانيين بما يكون به الإفساد. وهكذا كذلك فيه من المسائل ما أشار إليه البخاري بتبويبه من جواز خص العلم بطائفة من الناس. وفي هذا دليل أن العلم ينبغي أن يفرق فيه المتعلمون وآخذوا العلم، فليس كل العلم يصلح أن يبث في الناس. وهذا من ديننا ومن شريعتنا ومن سنة نبينا عليه الصلاة والسلام، ومن فهم علمائنا، ومن أصول دعوتنا. فإن من الناس من يخطئ في هذا، فربما فهم خطأ تفسير الصدق والوضوح، وكذلك النصح، فصار يحدث بما يكون به الفساد. وربما وعظهم، فهم خطأ معنى أمانة العلم وكتمانه، فصار يحدث بكل ما علم، وهذا يحصل به الإفساد. ومرت معنا في دروس قريبة ما قال الإمام عبد الرحمن بن مهدي رحمه الله، وذكره الإمام مسلم في مقدمة صحيحه: «لا يكون الرجل إمامًا يقتدى به وهو يحدث بكل ما سمع، لا يكون الرجل إمامًا يقتدى به وهو يحدث بكل ما سمع». فلذلك ينبغي أن يفرق بين العلم الذي ينفع فيبث في الناس، وبين العلم الذي قد لا ينفع كل الناس، وإنما ينفع طائفة من الناس، فيخص به طائفة من الناس. وإذا كان مثل هذا أمر به ديننا، فهذا يدعونا أن نفقه المسائل العلمية وننزلها منازلها. ومرت معنا مقولة علي رضي الله عنه -أرضاه-: «ما أنت بمحدث قومًا حديثًا لا تبلغ عقولهم إلا كان لبعضهم فتنة»، فينبغي أن لا يكون بعض حديثنا فتنة للناس. وكما أن هذا مذموم -أي تحديث الناس بكل العلم بما يكون به الإفساد والفتن- كذلك كتمان العلم على الناس مذموم، والوسط هو تحديث الناس بما ينفعهم، فينبغي أن ينتبه لهذا المعنى من طالب العلم والداعي إلى الله وخطيب الجمعة والمدرس في الدرس، حتى صاحب الحلقة الصغيرة أو الكبيرة. ليس كل من في الحلقة ويأتيك يصلح أن تحدثه بكل ما عندك من العلم، فأنت تراعي من عندك، فمنهم المبتدئ ومنهم حديث عهد بالإسلام أو حديث عهد بالسنة، فأنت تدخل عليه من العلم ما يقربه لا ما يبعده، وما ينفعه لا ما يضره. وهكذا كذلك إذا علمت من حال الإنسان أنه -مثلًا- يميل إلى التساهل والتفريط والوقوع في المعاصي، فمثل هذا لا تعطيه ما يقر انحرافه من أحاديث الرجاء؛ لأن بعض الناس ربما يفهم الدين وينظر إلى مسائله بعين عوراء، فيقع في الانحراف والزيغ وهو لا يشعر. بل ينبغي أن يراعي الإنسان ما ينفع الناس، الأصل تجمع بين -مثلًا- الخوف والرجاء، هذا الأصل، لكن في مواضع قد تقدم أدلة الخوف لأناس، وفي مواضع تقدم أدلة الرجاء لأناس. ولهذا أمرنا في ديننا بأن نقدم أدلة الرجاء متى عند الموت، يحسن العبد ظنه بربه سبحانه وتعالى، وهذا يدل على هذا المعنى الذي ينبغي أن يراعى. فكذلك إنسان لا يبالي بمعصية الله، إذا حدثت أمثال هؤلاء بأحاديث الرجاء واكتفينا على ذلك، ربما استغلوها فقالوا: الله غفور رحيم، ونسي أن الله شديد العقاب. كذلك الله غفور رحيم، وهو كذلك شديد العقاب، فينبغي أن يبين هذا مع هذا. بل من كان يتعلق بالرجاء أكثر، يذكر بأدلة الوعيد أكثر؛ حتى يخاف من الله عز وجل، ويعلم أنه كما أنه -سبحانه- غفور رحيم، فهو شديد العقاب، وهو كذلك عزيز ذو انتقام، وغير ذلك مما هو بهذا المعنى. وهكذا كذلك من هذا المعنى مراعاة المصالح والمفاسد في بث العلم، فرب مجلس -مثلًا- فيه خواص طلبة العلم، تتحدث فيه بما ينفعهم وبدقائق مسائل العلم والسنة، ولا تتحرج من ذلك. بينما مجالس أخرى أوسع، يكثر فيها العوام، ويكثر فيها من لا يعرف السنة، فمثل هذه المجالس ينبغي أن تراعى فيها أحوال هؤلاء الحاضرين. فمن الخطأ -مثلًا- الخوض في المسائل الخلافية في المواضع التي يكثر فيها العامة، أو كذلك إشغال الناس بالردود، وإن كان هذا من الدين، لكن عند من قد يفهمه خطأ، ويكون ذلك سببًا لنفرته. إن كان ولا بد، ممكن تذكر الأخطاء من دون أن تذكر الأسماء، إذا احتاج المقام أن تحذر من أخطاء معينة، اذكرها من دون أن تذكر الأسماء، اذكر الخطأ وبين دليل خطأ هذا الخطأ من دون أن تذكر الأسماء؛ لأن بعض الناس قد يكون تعلقهم بالأشخاص أعظم من تعلقهم بالأخطاء. فإذا قيل له: هذا خطأ والدليل كذا، استجاب، لكن إذا قيل له: فلان أخطأ، ما يستجيب أبدًا؛ لأنه يثق في فلان ولا يثق فيك، ويعرف فلان ولا يعرفك، ويقبل من فلان ولا يقبل منك، فهنا تحتاج أن تراعي مثل هذه المعاني. وهكذا كذلك إنسان يتحدث في مسجد، ليس كإنسان يتحدث -مثلًا- في إذاعة، وهذا يراعى مثل هذا المعنى؛ حتى لا يقول قائل: نحن نصدع بالحق حيثما كنا. نعم، صحيح، لكن ديننا أمرنا أن نراعي المصالح والمفاسد، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر حق، ومحاربة البدع وأهلها حق، لكن ما الفائدة أن تتكلم كلمة ثم تغلق الجمعة في مسجدك أو تمنع من تدريسك؟ هل أنت استفدت وأفدت الناس؟ ممكن أنك تستمر بالتعليم والتوجيه دون ذكر الأسماء والأشخاص، وتنبه وتحذر من الأخطاء، فتستمر دعوتك وتستمر حلقتك وتستمر جمعتك، وينتفع المجتمع منك سنين طويلة. بينما تدخل في تعيين الأسماء والأشخاص، فتصطدم بأهل فساد وسوء لهم تسلط في مجتمعاتهم، ولهم كذلك كلمتهم، وما أكثر أمثال هؤلاء في المجتمعات التي يكثر فيها الفساد، فتكون الثمرة والنتيجة إغلاق الجمعة، أو في بعض المجتمعات ربما أن يسجن هذا الخطيب في بعض المواضع البلاد، إذا تكلم الإنسان بكلمة التوحيد ربما ماذا؟ سجن، إذا حذر من الشرك سجن. فينبغي أن يراعى ما يكون به النفع للناس. وانظر إلى فقه الإمام البخاري رحمه الله، قال: باب من خص بالعلم قومًا دون قوم كراهية أن لا يفهموا، فكذلك ينبغي أن يكون هذا في حسبان الداعي إلى الله وحامل العلم. وهنا يعرف الفرق بين منهج ومسلك الراسخين في العلم، ومنهج ومسلك المبتدئين في العلم، فالراسخون في العلم بخبرتهم وسعة علمهم واطلاعهم ينظرون إلى المسائل بأبعادها. وأما من لم يعطى الرسوخ في العلم، فإنه ينظر إلى المسائل بظواهرها، كالذي لا ينظر إلا بين رجليه فقط. وفرق بين حال هذا وهذا. وما أحسن أن يكون المرء المسلم وطالب العلم والداعي إلى الله على ارتباط وثيق بعلمائه العلماء الراسخين الذين جمعوا بين سعة العلم وحسن التدين وكبر السن الذي يكون معه الخبرة والتوفيق. وهذا يدعون كذلك إلى متابعة كل أفراد الدعوة إلى الله، قد يكون إنسان طالب علم كبير في منطقته وتحته مجموعة من الدعاة وطلبة العلم، فإذا لم يوجهوا بمثل هذه التوجيهات ربما حولوا المجتمع إلى فتن، خطيب يسبب مشاكل بسبب عدم حسن تصرفه في الخطب، محاضر يثير كذلك الفتن والمشاكل بسبب عدم حسن تصرفه في طرح محاضراته أو غير ذلك. لكن إذا أحسن الإنسان التوجيه والنص والتربية، فبإذن الله يكون الدعاة دعاة رحمة، ويجعل الله عز وجل على أيديهم الخير. مع العلم أن أهل السنة أحرص الناس على الخير وأكثرهم توفيقًا له، وما قد يذكر من خطأ عن أفرادهم يوجد أمثاله وأكثر منه عند غيرهم؛ لأن ابن آدم لا يسلم من الخطأ، لكن هذا من الحرص ومن الأمانة التي يحرص عليها أهل السنة حتى مع أنفسهم ومع مخالفيهم بما يكون فيه كمال التوفيق للأفضل والأكمل والأنفع. فنسأل الله عز وجل أن يوفقنا جميعًا لما فيه صلاح ديننا ودنيانا ودعوتنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه، والحمد لله رب العالمين.