الدرس في شرح مختصر شعب الإيمان 31، 55-بر الوالدين . 56-صلة الرحم . 57-حسن الخلق . ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يتناول هذا الفصل أهمية بر الوالدين وصلة الأرحام كشعب من شعب الإيمان، مستندًا إلى الآيات القرآنية والأحاديث النبوية. يُبرز عظم حق الوالدين وأهمية طاعتهما والإحسان إليهما، وكذلك صلة الأرحام.
يُناقش هذا الفصل أهمية حسن الخلق كجزء من الإيمان، ويشمل كظم الغيظ ولين الجانب والتواضع، مع التركيز على صلة الأرحام وتفادي المفاسد. كما يتطرق إلى أهمية العفو والصفح والإحسان إلى من أساء إليك.
يتناول هذا الفصل موضوع الغيرة على محارم الله ويوضح مفهوم الاستثناء المنقطع وعدم تنافيه مع الغيرة على محارم الله. كما يشير إلى دروس لاحقة ستتناول الموضوع بشكل أوسع.
الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. قال المؤلف رحمه الله تعالى: بر الوالدين، أي ومن شعب الإيمان بر الوالدين، وقد أمر الله عز وجل بالوصية بهما بآيات كثيرة، وهكذا نبينا صلى الله عليه وسلم في سنته، مما يدل على أنه من شعب الإيمان العظيمة، بل هو أول الحقوق للمخلوقين وأعظمها. ولهذا قرنه الله عز وجل بالأمر بتوحيده، كما سيأتي إن شاء الله، وجعله النبي صلى الله عليه وسلم من أحب الأعمال إلى الله بعد الصلاة. وذلك لأن الصلاة صلة العبد بربه، وتحقيق لعبودية الله جل وعلا، وهو من أعظم الحقوق بعد التوحيد، وبر الوالدين أول وأعظم الحقوق للمخلوقين. قال رحمه الله تعالى: لقوله تعالى: ﴿وَصَيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا﴾، وقوله تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا * وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا﴾ الآيات. ولحديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه في الصحيحين، قال: سألت النبي صلى الله عليه وسلم: أي العمل أحب إلى الله عز وجل؟ قال: الصلاة لوقتها، قلت: ثم أي؟ قال: بر الوالدين، قلت: ثم أي؟ قال: الجهاد في سبيل الله. قال: حدثني بهن، ولو استزدته لزادني. وهذا الحديث مع هذه الأدلة من الكتاب تدل على أهمية بر الوالدين في كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم. وقد قرن الله عز وجل بر الوالدين بالأمر بتوحيده وعبادته، وهكذا كذلك في هذه الأدلة الإشارة إلى تكرار الوصية ببر الوالدين، فإن ذلك يدل على أعظم منزلته في دين الله جل وعلا. فهو من شعب الإيمان التي يزيد الإيمان بتحقيقها وينقص بنقصانها. ومن عظيم شأنه أن الله عز وجل كذلك أمر به حتى ولو كان مع الوالدين الكفر، كما قال الله عز وجل: ﴿وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾. وهذا يدلك على أهمية هذا الباب وهذه الشعبة من شعب الإيمان. وتحت هذا المعنى تفاصيل كثيرة تعرف بأدلة الكتاب والسنة، وما نبه عليه العلماء لتحقيق هذا البر. تارة يكون بالقلب، مما يكون من المحبة الشرعية والتعظيم والإجلال والاحترام. وتارة يكون باللسان، من الدعاء لهم بالخير والدلالة إليه والعون عليه والكف عن كل ما يسوءهم. وتارة يكون بالفعل، مما فيه صلاح الدين والدنيا. قال رحمه الله: صلة الرحم، أي ومن شعب الإيمان صلة الأرحام. قال: لقوله تعالى: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِن تَوَلَّيْتُمْ أَن تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتَقَطَّعُوا أَرْحَامَكُمْ * أُولَٰئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَىٰ أَبْصَارَهُمْ﴾، وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِن بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولَٰئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ﴾. ولحديث أنس بن مالك رضي الله عنه في الصحيحين: من حب أن يبسط له في رزقه وأن ينسأ له في أثره فليصل رحمه. وحديث محمد بن جبير بن مطعم رضي الله عنه فيهما أيضًا: لا يدخل الجنة قاطع، يعني قاطع رحم. قال: يعني قاطع رحم. قلت: ولا فرق بين أن يكون بارًا أو فاجرًا. والمعنى أنه ذنب يوجب عدم دخول الجنة دخولًا أوليًا، أي يخشى على صاحبه من عذاب الله ودخول النار، يكفي به إثمًا وجرمًا أن صاحبه استحق اللعنة: ﴿أُولَٰئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ﴾. وصلة الأرحام من شعب الإيمان التي جاء الأمر بها في أدلة الكتاب وأدلة السنة. والمراد بالأرحام كل من بينك وبينه رحم، أي ولادة قريبة أو بعيدة. وكلما قربت تأكد هذا الحق وهذه الصلة. فالوالدان لهما أعظم الحق لعظم هذه المنزلة وقرب هذه الرحم، وهم أول الرحم أعظمًا، ثم الأبناء، وهكذا الأقرب فالأقرب. فكل من بينك وبينه ولادة قريبة أو بعيدة فهو من ذوي أرحامك، سواء أكان ذلك يقتضي المحرمية أو لا يقتضي المحرمية. بعض الناس يظن أن الرحم للمحارم، المحارم أخص من الرحم. فإذا كانت الخالة والعمة والأخت وابن الأخت من ذوي الأرحام، وهم من كذلك محارمك، فكذلك من ذوي الأرحام بنت الخالة وبنت العمة، ولو كانوا ليسوا لك بمحرم، أي نبيات، لكن من ذوي الأرحام ممن أمر الله بصلتهم. قد يقول قائل: كيف أصل امرأة جنبية عني؟ الجواب: الصلة يمكن أن تكون بحسب ما يأذن به الشرع. إن كانت كبيرة بالسن فبالسلام، سلام بالهاتف، أو ترسل لها سلامًا، أو ترسل لها هدية. وإن كانت صغيرة تخشى الفتنة على نفسك وعليها، فليكن بصلة أقاربك لها. إن كنت متزوجًا تزورها أنت بأبنائك وزوجتك، أو كذلك ترسل هدية مع امرأتك، ونحو ذلك من الصلة بحسبها. إن كنت تستطيع ذلك وكان هذا يكون به الإصلاح، فيجتهد الإنسان قدر المستطاع على صلة أرحامه. وكذلك من معاني صلة الأرحام ومن المسائل التي تذكرها هنا أن هذا يقيد بغيره من الأدلة إذا لم يكن فيه مفسدة. فإن كان في صلة الرحم مفسدة فالشرع يأذن لك بالتخلف عن ذلك. وإلا فالأصل هو صلة هذه الأرحام. من المفسدة مثلًا أن تجد منكرًا بصلة هذه الأرحام. أحيانًا تبتلى بناس جهال، ما تستطيع أن تعيد نفسك على طاعة الله، وتلزم بأشياء فيها منكر، كحصول الاختلاط، أو كذلك ربما أعظم من ذلك، كأن تكون مسلمًا ورحمك أهل الكفر. إذا أتيتهم ما بالوا بك، وقع الفحش، وأنت ما تستطيع تنكره في محل الزيارة، أو تجرأ على أهلك، فهنا لا تأتي بأهلك، أو على أولادك، لا تأتي بأولادك، أو عليك أنت، إذن انظر إلى سبيل تكون صلتهم مع عدم هذا المنكر. إذا كانوا يدعونك إلى طعام والمائدة فيها خمر، فليس الشرع يأمرك أن تذهب إليهم وتزعم أنك تصل الرحم على حساب الجلوس معهم على مائدة الخمر، فتكون أحد العشر الذين يلحقهم اللعنة. لكن يمكنك أن تدفع هذه المفسدة بحل آخر، كأن تدعوهم مثلًا إلى مكانك، فالمائدة مائدتك أنت، المسيطر عليها، ليس فيها خمر، وفيها طعام حلال، وتدعو الرجال دون النساء، أو ممكن تجعل للنساء غرفة وللرجال غرفة، فأنت تحكم الأمر. أما أن تذهب إليهم فتمثلت الأمور وتقع في منكرات وأشياء لأجل صلة الرحم، هذا ليس بصواب، ولا يأمر الشرع بمثل هذا. بل الشرع إذا وقع الابتلاء بالمفاسد يأمرك بدرء المفسدة الكبرى بالصغرى. قال رحمه الله تعالى: حسن الخلق، يعني ومن شعب الإيمان التي جاء الأمر بها في أدلة الكتاب والسنة حسن الخلق. وحسن الخلق يدخل تحته أشياء كثيرة قولية وفعلية وظاهرة وباطنة. أجملها بعضهم بثلاثة معاني: أن يحصل فيها كف الأذى، وبدل الندى، وطلاقة الوجه، قولًا كان أو فعلًا. فإذا انتبهت لهذه المعاني الثلاثة، فبإذن الله تعالى يتحقق معنى حسن الخلق. قال رحمه الله تعالى: ويدخل فيه كظم الغيظ، ولين الجانب، والتواضع، يعني كل هذا من حسن الخلق. والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس، والله يحب المحسنين. ولين الجانب يعني ما يكون من لطفك في التعامل مع الآخرين، حتى يجد الناس منك لينًا معنويًا. مثاله إذا كان هناك مدرسان، أحدهما شديد غليظ، والآخر سمح سهل لين، فتجد ميول الطلاب لأي الرجلين للسمح اللين، يجدون معه من لين الجانب ما يكون به إصلاح أحوالهم والاستنصاح منه وغير ذلك، ويخافون من ذاك الشديد. وهكذا كذلك الأب مع أبنائه، والأم مع أبنائها، والأخ مع إخوانه، والمدرس مع مدرسته، والموظف مع وظيفته، وولي الأمر مع من تحته، وصاحب كل مسؤولية صغيرة أو كبيرة يحرص على هذا الخلق الحسن، لين الجانب، لين مع ثبات على الحق، ليس لين مع تنازلات عن الحق. وهكذا التواضع من حسن الخلق، وكذلك تواضع مع عدم تنازل عن الحق. قال: لقوله تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾، أي نبينا عليه الصلاة والسلام. وقد سئلت عائشة عن خلقه عليه الصلاة والسلام، فقالت: كان خلقه القرآن. فأنت إذا تريد خلق النبي عليه الصلاة والسلام فاقرأ القرآن، فهو كما قيل قرآن يتحرك، يطبق في واقع الناس. قال: وقوله تعالى: ﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾. ولحديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما في الصحيحين: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكن فاحشًا ولا متفحشًا، وكان يقول: «إن من خياركم أحسنكم أخلاقًا»، وفي رواية: «إن من أحبكم إلي أحسنكم أخلاقًا». فمن مواضع حسن الخلق كظم الغيظ، فأنت قد يغيظك صغير أو كبير، فهنا كما يقال يحصل الامتحان للأخلاق. مثاله تكون في مجلس، يأتي طفل صغير، فخطأً يكب عليك الشاي الحار، هنا امتحان للأخلاق. فمن استطاع أن يهذب نفسه ويرب نفسه سيضبط ويكظم غيظه، والكاظمين الغيظ. ومن لم يستطع أن يهذب نفسه، ما يدري إلا والولد ربما ارتمى في طرف الجدار. وإذا سئل قال: ما دري، إيش بحصد؟ خلص ما في كظم الغيظ، حتى ولو كان ابن سنة. بعض الناس قد يمد يده عليه ويضرب بما يضرب به الملاكم، ما في ضبط للنفس. لكن ينبغي المسلم أن يهذب نفسه ويضبط أخلاقه، والكاظمين الغيظ يكظم غيظه. وهكذا مع الكبير، خصوصًا مع من يحتاجون إلى تربية وتعليم، مثل الجهال والعوام. انظروا إلى ذلك من رجل جرى النبي صلى الله عليه وسلم من عاتقه حتى أثر في عنقه، وقال: «اعطني من مال الله الذي أعطاك»، وفي رواية: «فإنك لا تعطيني من مال أبيك وأمك، إن لله ما أخذ وله ما أعطى، وكل شيء عنده بمقدار، فاصبر واحتسب». انظروا على عبارة غليظة تقال لمن للنبي صلى الله عليه وسلم. اليوم من يتحمل مثل هذا؟ لو جاءك واحد من الذين يسألون في الشارع وجرك من توبته هكذا، شد رقبتك حتى تنزل إلى الأسفل، من الذي سيكظم غيظه وسيصبر؟ الكثير منا ما سيصبر، يقول: شحات على أكتاف توبة، يمكن يضربه ويلطمه ويرفسه ويلعن ويسب. فأراد الصحابة، فقال: «تركوه»، أمرهم أن يتركوه عليه الصلاة والسلام. وهذا تطبيق للخلق الكريم الذي وصف به عليه الصلاة والسلام، والكاظمين الغيظ. بل لم يكن إلا مهذبًا ومربيًا صلى الله عليه وسلم. وهذا الرجل الذي بال في المسجد، قام عليه الصحابة، وهدأهم النبي صلى الله عليه وسلم. فالمهم لابد أن الإنسان يضبط نفسه، خصوصًا مع من هم مظنة الطيش ويحتاجون إلى التربية، كالعوام والجهال. قد تسمع من العام كلمة جافة، تصرف غليظ، إساءة، ونحو ذلك. فحاول أن تهذب نفسك. كلنا ناقص، وكلنا مقصر، وكلنا يشكو إلى الله من قلة حسن خلقه. لكن نحاول ونجتهد أن نربي أنفسنا على هذه الأخلاق الكريمة. والعافين عن الناس، والله يحب المحسنين، فتعفو عن الناس، تحاول العفو وتجتهد في ذلك حتى يكون لك خلقًا. ومن العفو الصفح. قالوا: الصفح أنك تتبع العفو بعدم الالتفات إلى خطيئة المقول عليه، حسًا ومعنى. كأنك أعطيته صفحة عنقك، يعني التفت هكذا، هذه صفحة العنق. فأنت عفوت حتى أنك كأنك الصيد هذا الذي أخطأ عليك من قاموس حياتك، ما كأنه أخطأ عليك. فما تذكره ولا تلومه ولا تمن عليه بهذا الخطأ. فأنت أعطيت هذا الخطأ صفحة عنقك، فلا تكن لوامًا تذكره، تقول له مثلًا: أنا قد عفوت عنك في المرة الأولى، ولآن ترجع مرة ثانية، هذا ليس عفوًا كاملًا. العفو الكامل أن تعفو تصفح، خلاص تعطيه صفحة عنقك، ذاك الذي مضى انتهى، رميته، ليس له وجود. تريد الأجر الكامل وتريد الإصلاح الصحيح والخلق الحسن، فهذا هو. وهكذا كذلك: ﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ تزيد، إذا استطعت أن تحسن إلى من ظلمك، هذا غاية في الكرم في الخلق. إنسان يسيء إليك أو أساء إليك، عفوت عنه وصفحت، وزدت تهذيبًا لنفسك وتربية، تحسن إليه. إن استطعت أن تعطيه شيء هدية أو شيء أو كذا، تهذيب نفسك على هذه الأخلاق، كما وقع لعمر رضي الله عنه مع الرجل الذي تطاول عليه، فقصة بموسى رضي الله عنه أرضاه. ومن مواضع حسن الخلق ضبط اللسان من القول الفاحش. وهكذا كذلك الأفعال، احذر الأقوال الفاحشة والتصرفات الفاحشة، من الكلام البديء أو الحركات البديئة، بصبعك أو بعينك أو بلسانك أو برجلك أو بيدك أو بتكشف بعض عورتك أو غير ذلك. فحفظ هذا من حسن الخلق، والتساهل بهذا من سوء الخلق. وكذلك في هذين الحديثين موضع من مواضع فضل حسن الخلق، فإنه من علامة الخيرية في الدنيا والآخرة، وكذلك سبب لحب الرسول صلى الله عليه وسلم والقرب منه. قال: ولحديث عائشة رضي الله عنها بالصحيحين أيضًا: أنها قالت: «ما خير رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أمرين إلا أخذ أيسرهما، ما لم يكن إثمًا، فإن كان إثمًا كان أبعد الناس منه». ومن تقم رسول الله صلى الله عليه وسلم لنفسه إلا أن تنتهك حرمة الله فينتقم لله بها. وهذا من مواضع حسن الخلق اختيار أيسر الأمرين، هذا من لين الجانب والتواضع والتيسير الذي ينبغي أن يتخلق به المسلم. تختار الأيسر سهل على الناس. جئت إلى البيت عندكم طعام، ما عندنا طعام، افعل كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم: «اللهم إني صائم»، ليس شرب، تصرخ وتزعج البيت، أي شري؟ وما عندكم كذا؟ ما في كذا؟ ما في كذا؟ تحاسب وتعاقب وتعاتب، لا يسر الأمور. إن تيسر الشيء الحمد لله، ما تيسر انتهى الأمر. أو قم بالأمر بنفسك إن استطعت، قم الأمر بنفسك. وهذا تربية، ولا يعني ذلك تربية الأبناء أو الزوجات إن كنا نحتاج إلى ذلك، أن يكون صغيرات على الكسل وعدم أداء الحقوق. فأنت تستطيع أن تأمر بدون أن يكون فيه تشديد. فأنت تنظر إن كان الأمر فيه ساعة ويوجد وقت، ممكن تأخذهم وتستعين بهم في إصلاح الأمر، بما يكون لهم تربية ويكون منك لين جانب وتواضع في هذا الباب. فكان النبي صلى الله عليه وسلم يقوم بأمر أهله. قال: وقوله: «من تقم لنفسه»، كذلك من مواضع حسن الخلق عدم الانتقام للنفس. وقوله: «إلا أن تنتهك حرمة الله فينتقم لله بها»، هذا ليس من الانتقام للنفس. ممكن أن يقال هذا استثناء منقطع، ولكن المقصود بيان أن هذا لا ينافي الغيرة على محارم الله. طيب، نقف إلى هنا ونترك الباقي إن شاء الله في درس لاحق. والله تعالى أعلم.