الدرس في شرح مختصر شعب الإيمان 10، 13-الإيمان بوجوب التوكل على الله عز وجل . 14-الإيمان بوجوب محبة النبي صلى الله عليه وسلم . 15-الإيمان بوجوب تعظيم النبي صلى الله عليه وسلم وتبجيله وتوقيره . ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
التوكل على الله شرط من شروط الإيمان ويتم بمعرفة الله والاعتماد عليه مع الأخذ بالأسباب. هذا يؤدي إلى تحقيق الإيمان الحقيقي والتوكل الصحيح.
محبة النبي صلى الله عليه وسلم واتباعه عبادة تقتضي متابعته وتعظيمه دون إفراط أو تفريط. علامات هذه المحبة تشمل اتباع سنته والإكثار من الصلاة عليه.
التعظيم للنبي يكون بامتثال أوامره واجتناب نواهيه وتوقيره. هذا التعظيم ليس باللسان فقط بل بالجوارح والطاعة، وهو أحد شعب الإيمان.
النبي صلى الله عليه وسلم له مكانة أعظم من الأب في قلوب المسلمين، وهذه المحبة تشمل تعظيمه وتوقيره. هذه المكانة تعكس عمق الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم.
بسم الله الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه. ومنه قال المؤلف رحمه الله تعالى: الثالث عشر من شعب الإيمان الإيمان بوجوب التوكل على الله عز وجل، لقوله تعالى: ﴿وعلى الله فليتوكل المؤمنون﴾، وقوله تعالى: ﴿حسبنا الله ونعم الوكيل﴾، وقوله تعالى: ﴿وعلى الله فتوكلوا إن كنتم مؤمنين﴾، وقوله تعالى: ﴿ومن يتوكل على الله فهو حسبه إن الله بالغ أمره﴾. ولحديث ابن عباس في الصحيحين في سؤال أصحابه له عن السبعين ألفًا الذين يدخلون الجنة يرزقون فيها بغير حساب، في حديث طويل، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «هم الذين لا يكتوون ولا يسترقون ولا يتطيرون وعلى ربهم يتوكلون». فقام عكاش بن محصن الأسدي رضي الله عنه فقال: أنا منهم يا رسول الله؟ فقال: «أنت منهم». ثم قام رجل آخر فقال: أنا منهم يا رسول الله؟ فقال: «سبقك بها عكاشة». قال: وجملة التوكل تفويض الأمر إلى الله تعالى، والثقة به، مع ما قدر له من التسبب. ففي الصحيحين أيضًا من حديث الزبير رضي الله عنه: «لأن يأخذ أحدكم حبله ثم يأتي الجبل فيأتي بحزمة من حطب على ظهره فيبيعها فيستغني بها خير له من أن يسأل الناس أعطوه أو منعوه». وفي صحيح البخاري من حديث المقدام بن معد يكرب رضي الله عنه: «ما أكل أحد طعامًا قط خيرًا من أن يأكل من عمل يده». قال: وكان داود لا يأكل إلا من عمل يده. قال: وبه أنبأنا البيهقي قال: أنبأنا أبو عبد الله الحافظ قال: أخبرني جعفر بن محمد بن نصير قال: حدثني الجنيد قال: سمعت السري يذم الجلوس في المسجد الجامع ويقول: جعلوا المسجد الجامع حوانيت ليس لها أبواب. ومعناه: جعلوها للحديث وإضاعة الوقت، لا هم في عبادة ولا هم في عمل يستعينون به على الطاعة. قال: وبه أنبأنا البيهقي بإسنادي عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه قال: «دينك لمعادك، ودرهمك لمعاشك، ولا خير في امرئ بلا درهم». يعني: لأنك إذا كنت بلا درهم ربما بعت الدين لأجل الدنيا. فلذلك احفظ دينك بماذا؟ بحفظ دنياك. بحفظ دنياك فأنت تستعين بالمعاش بماذا؟ بكسبك. فتحفظ بهذا إن شاء الله دينك، فيكون في هذا عون لك على إصلاح آخرتك. قال: وبه أنبأنا البيهقي قال: أنبأنا أبو عبد الله الحافظ قال: أخبرني جعفر بن محمد الخواص قال: أنبأنا إبراهيم بن نصر المنصوري قال: سمعت إبراهيم بن بشار خادم إبراهيم بن أدهم قال: سمعت أبا علي الفضيل بن عياض يقول لابن المبارك: أنت تأمرون بالزهد والتقلل والبلغة، ونراك تأتي بالبضائع من بلاد خراسان إلى البلد الحرام. كيف ذا وأنت تأمرنا بخلاف ذا؟ فقال ابن المبارك: يا أبا علي، أنا أفعل ذا لأصون به وجهي وأكرم بها عرضي وأستعين بها على طاعة ربي. لا أرى لله حقًا إلا سارعت إليه حتى أقوم به. قال: فقال له الفضيل: يا ابن المبارك، ما أحسن ذا إن تم ذا. ومعنى ما أحسن هذا المقصد والفعل إن تم به ذلك المقصد الحسن الذي ذكره من طاعة ربه وحفظ عرضه والمسارعة في أبواب الخير. وقد كان الإمام ابن المبارك رحمه الله يشبه بالصحابة رضي الله تعالى عنه لمسابقة ومسارعته واستكتار أعماله الصالحة. فما من باب من أبواب الأعمال الصالحة إلا وله فيها يد وموضع، رحمه الله رحمة واسعة. قال: والمقصود من هذا أن هذا مثال للتوكل، فلا ينافي التوكل الأخذ بالأسباب، بل من التوكل الأخذ بالأسباب. ومن ذلك التعيش حتى لا يتعيش المسلم بدينه. وهذا الباب هو باب آخر من مواضع شعب الإيمان. والتوكل من كذلك أنواع العبادات التي أمر الله جل وعلا بها، بل لا تتم عبادة العبد إلا بالتوكل، ولا يتم إيمانه إلا بالتوكل، كما قال: ﴿وعلى الله فليتوكل المؤمنون﴾، وقال: ﴿وعلى الله فتوكلوا إن كنتم مؤمنين﴾. فهذا يدل أن من شرط الإيمان حصول التوكل. وكذلك: ﴿ومن يتوكل على الله فهو حسبه إن الله بالغ أمره﴾. وفيه أن مما يبلغ في الدنيا وكذلك يحسن العاقبة في الآخرة التوكل على الله سبحانه وتعالى. ولا يتم التوكل إلا بثلاثة أمور: أولها معرفة الله معرفة توجب تعظيمه وحسن عبادته، وذلك بما يكون من معرفته في ربوبيته وألوهيته وأسمائه وصفاته، معرفة توجب ماذا؟ إجلاله وتعظيمه وحسن عبادته. وبذلك يتحقق التوكل، لأن التوكل من العبادة. وثانيها: أنه لا يتم متوكل إلا بالاعتماد على مسبب الأسباب وهو الله سبحانه وتعالى. فأنت تعتمد عليه وتفوض أمرك إليه، فتجعل الخير فيما يختاره الله لك. فإذا فعلت ذلك فأنت المتوكل حقيقة. ويظهر ذلك بأنك لا تلتفت إلى الأسباب إذا أقبلت أو أدبرت. إذا أنت توكلت على الله مسبب الأسباب، فإقبال الأسباب وإدبارها لا يؤثر في ظاهرك ولا في باطنك، لعظم ثقتك بربك وخالقك وعظيم توكلك وتفويض أمرك إليه. فإذا كان كذلك يظهر الفرق في أحوال الناس عند المصائب وعند المحن والفتن، وعند تأخر الأسباب أو كذلك ذهابها. فأهل الإيمان الصحيح يتحقق عند ذلك ظهور معاني التوكل عندهم، بعظيم توكلهم واعتمادهم على خالقهم. كما قال النبي صلى الله عليه وسلم بحديث ابن عباس: «وأعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء فلن ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك. وأعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن يضروك بشيء فلن يضروك إلا بشيء قد كتبه، إلا بشيء قد كتبه الله عليك». وهذا إذا تحقق فهو لا يلتفت إلا إلى الله سبحانه وتعالى وحده. ولا يعني ذلك عدم العمل بالأسباب، بل من التوكل العمل بالأسباب. وهذا هو الثالث الذي لا يتم توكل المتوكل إلا به، وهو أن يعمل بالأسباب. فأنت تعتمد على مسبب الأسباب، بما تقدم، ومع ذلك تعمل بالأسباب. ومع ذلك تعمل بالأسباب. فلا أنت بالذي يترك الأسباب، ولا أنت بالذي يعتمد عليها. فإذا اعتمدت عليها خدشت إيمانك ونقضت توكلك. وإذا تركتها كذلك خدشت إيمانك ونقضت توكلك. ولكن يتم التوكل باجتماع هذه الأمور الثلاثة جميعًا. فإذا حققتها فأنت المتوكل بإذن الله تعالى. وحديث ابن عباس فيه ذكر أهل الإيمان الذين قد كمل إيمانهم بكمال توكلهم، فلذلك يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب. فهؤلاء تحقق فيهم الإيمان، ومن ذلك تحقق توكلهم على الله. «هم الذين لا يكتوون»، ومعروفون الكي، «ولا يسترقون»، «ولا يتطيرون». قال العلماء: «لا يكتوون» لعظيم توكلهم على الله سبحانه وتعالى، لم يفعلوا ما كره الله، لأن الله يكره الكي لعباده، كما صحت بذلك الأحاديث الكثيرة. «ولا يسترقون» أي: لا يطلبون الرقيا لعظيم توكلهم على الله، فهم لا يطلبون الرقيا من أحد. وأما رواية: «لا يرقون» فهي ضعيفة. والذي في الصحيحين: «لا يسترقون» أي: لا يطلبون الرقيا. ولا ينافي أن يرقي الإنسان بدون طلب، إذا رقي بدون طلب، فهذا لا مانع منه، ولا ينافي التوكل. «ولا يتطيرون» أي: لا يحصل لهم التشاؤم كذلك لعظيم توكلهم. ولهذا قال: «وعلى ربهم يتوكلون». فعلم فيه عظيم منزلة التوكل في هذا الدين، وعظيم ثوابه في الآخرة. فمن عظيم ثوابه: أن أصحابه من السبعين ألفًا الذين يدخلون الجنة بغير حساب. وكذلك في حديث الزبير الأمر بالأخذ بالأسباب في باب التعيش والاكتساب، وهذا مما أمر به الشرع في آيات كثيرة. وبعده كذلك الحديث الذي بعده يدل على ذلك، وأن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام أعبد الناس وأطوع الناس وأحرص الناس على طاعة الله وحفظ أوقاتهم في مرضاته. ومع ذلك لم يمنعهم ذلك من أن يأكلوا من كسب أيديهم. فينبغي أن يربي المؤمن والمسلم نفسه على هذا المعنى الذي يتحقق به التوكل على الله جل وعلا. وكذلك يقال في سائر الأبواب الأخرى حتى الدينية، فلابد أن تعمل بالأسباب. تريد أن تتلذذ بالطاعة، من لذة الخشوع في الصلاة، ولذة مناجاة الرب في صلاة الليل، أو كذلك التوفيق للصيام، أو غير ذلك من أبواب الخير. فخذ بالأسباب العلمية والعملية التي تعينك على ذلك، وتوكل على الله، وسيعينك الله سبحانه وتعالى. قال رحمه الله تعالى: الرابع عشر من شعب الإيمان: الإيمان بوجوب محبة النبي صلى الله عليه وسلم، لحديث أنس رضي الله عنه المتفق على صحته: «لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والديه وولده والناس أجمعين». ولحديث أنس في الصحيحين: «ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما». الحديث. ولحديثه فيهما أيضًا يعني أنس في الصحيحين قال: «جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، متى الساعة؟ قال: ما أعددت لها؟ قال: يا رسول الله، ما أعددت لها كثير صيام ولا صدقة، إلا أني أحب الله ورسوله. قال: أنت مع من أحببت». وهذه شعبة أخرى من شعب الإيمان: وجوب محبة النبي صلى الله عليه وسلم. وقد دلت أدلة الكتاب والسنة على ذلك. قال الله عز وجل: ﴿قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وعشيرتكم وأموال اقترفتموها وتجارة تخشون كسادها ومساكن ترضونها أحب إليكم من الله ورسوله وجهاد في سبيله فتربصوا حتى يأتي الله بأمره﴾. وهكذا كذلك قوله سبحانه وتعالى في ذكر النبي صلى الله عليه وسلم وتعظيمه: ﴿تعزروه وتوقروه﴾. وهكذا قوله جل وعلا: ﴿لا تقدموا بين يدي الله ورسوله﴾. وغيرها من الآيات التي تدل على وجوب محبته وتعظيمه عليه الصلاة والسلام. فإن ذلك من شعبي الإيمان. وحديث أنس في الصحيحين الأول والثاني كل منهما يدل على هذا المعنى. قال عليه الصلاة والسلام: «لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده والناس أجمعين». وكذلك قوله: «ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما». وحب النبي صلى الله عليه وسلم عبادة من العبادات يتقرب بها المسلم إلى الله سبحانه وتعالى، لما في ذلك أولًا طاعة الله، ولما فيه كذلك من رد جميله علينا وعلى الأمة أجمعين. فكل خير ديني وصلك بسببه عليه الصلاة والسلام، فأنت لو وضعت كل نعم الله عز وجل في كفة، ونعمة هذا الدين في كفة، لغلبت نعمة هذا الدين. فإذا كان كذلك، فالسبب الذي أوصل لك هذا الخير وهذه النعمة أحق من يحب ويشكر، وكذلك يعظم ويجل. ولكن من دون إفراط ولا تفريط، من دون إفراط ولا تفريط. ولهذا كانت محبة النبي صلى الله عليه وسلم عند أهل السنة والجماعة على ما دلت عليها دلالة الكتاب والسنة، محبة شرعية تقتضي متابعته، وكذلك تعظيمه وإجلاله وتبجيله وتوقيره، من دون إفراط ولا تفريط. لا إفراط يكون به الغلو حتى يرفع فوق منزلته، يرفع فوق منزلته، كحال المتصوفة وغيرهم الذين غلوا فيه عليه الصلاة والسلام، حتى ربما وصل طوائف منهم أن يجعلوه لله عز وجل ندًا، فوقعوا في الشرك والعياذ بالله. ولهذا حذر النبي صلى الله عليه وسلم من معنى هذا الغلو الذي وقعت فيه الأمم السابقة، فوقعوا في الشرك، كما قال عليه الصلاة والسلام: «لا تطروني كما أطرت النصارى المسيح بن مريم، إنما أنا عبد، فقولوا: عبد الله ورسوله». أي: لا تقعوا فيما وقعت فيه النصارى من الغلو في عيسى عليه الصلاة والسلام، حتى وقعوا في الشرك. فكذلك يحذر النبي صلى الله عليه وسلم أمته أن يقعوا في ذلك. وكذلك يحذر عليه الصلاة والسلام من الوقوع فيما وقعت فيه الأمم السابقة من هذا التعظيم الذي أفضى إلى عبادة هؤلاء الأنبياء، كما قال عليه الصلاة والسلام: «لعن الله اليهود والنصارى، اتخذوا قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد». قالت عائشة: «ولولذلك لأبرز قبره» يعني: أخفي قبره، مع ما فيه من متابعة السنة في كون الأنبياء يقبرون حيث ما ماتوا، كذلك حماية لحم التوحيد، حتى لا يحصل شيء من الغلو في قبره عليه الصلاة والسلام، ولا يقع ما وقعت فيه الأمم السابقة. فهذا وغيره كثير من المعاني التي دلت عليها الأدلة الشرعية التي تحذر من الغلو فيه عليه الصلاة والسلام. ومن ذلك فعل المتصوفة في المبالغة في الأذكار والصلوات، حتى أحدث صلوات مبتدعة وأذكار محدثة، هي من معاني الغلو فيه عليه الصلاة والسلام. ومن ذلك الأشعار، وكذلك يعني الأشياء الأخرى التي تذكر في مجالس الموالد وغيرها من البدع والمحدثات التي هي من معاني هذا الإفراط. وفي مقابل هؤلاء الذين وقعوا في الجفاء مع حقه عليه الصلاة والسلام، فقصروا في حقه وابتعدوا عن طاعته ومتابعته، وغفلوا عن كذلك تبجيله وتوقيره وتعظيمه عليه أفضل الصلاة والسلام. ولهذا ذكر العلماء علامات لحبه عليه الصلاة والسلام كثيرة. ومن هذه العلامات على وجه الاختصار: اتباعه عليه الصلاة والسلام والأخذ بسنته، فهذا موضع من مواضع علامات حبه عليه الصلاة والسلام. كما قال الله عز وجل: ﴿قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم والله غفور رحيم﴾. فمن حب الله ورسوله متابعة نبيه عليه الصلاة والسلام والأخذ بسنته. وهكذا كذلك من ذلك: الاكثار من ذكره بالمشروع المأذون، كما قال الله عز وجل: ﴿إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليمًا﴾. وكما صحت الأحاديث الكثيرة في الأمر بالصلاة عليه عليه الصلاة والسلام. فمن صلى عليه صلاة واحدة صلى الله عليه بها عشرة. ويتأكد ذلك في المواضع التي جاء فيها التأكيد، كما صحت به الأحاديث، كحديث الصلاة عليه بعد الأذان، وذكر الأذان، وكذلك الصلاة عليه يوم الجمعة، وغير ذلك مما صحت به الأحاديث. ومن علامات حبه عليه الصلاة والسلام: تمني رؤيته والشوق لذلك. فمن علامات الحب: أن يكون في قلبك -أخي المؤمن أخي المسلم- الشوق لرؤيته عليه الصلاة والسلام. فهذا موضع من موضع وعلامات حبه عليه الصلاة والسلام. وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال عليه الصلاة والسلام: «والذي نفسي بيده، ليأتين على أحدكم يوم لا يراني، ثم لئن يراني -قال- خير له أو قال: لئن يراني معهم أفضل من أن يكون مع أهله وماله». أو كما قال عليه الصلاة والسلام. ومعنى أنه يأتي على الناس وقت ممن رأاه أنه لا يراه، يعني بموته أو ببعده، فيشتاق لرؤيته عليه الصلاة والسلام، حتى يتمنى أن يراه أكثر من رؤية أهله وماله. وهذا موضع من مواضع الإيمان وعلامة حبه عليه الصلاة والسلام. ومن ذلك كذلك: النصيحة لله ولرسوله ولكتابه. فإن ذلك من علامات حبه. والنصح لله بامتثال أمره واجتناب نهيه وتصديق شرعه ودينه. وهكذا كذلك رسوله عليه الصلاة والسلام بمتابعته وعدم التخلف عن طاعته، وغير ذلك من معاني النصح التي ذكرها العلماء، خصوصًا في شرح حديث تميم الداري رضي الله عنه وأرضاه. والجامع في ذلك: أن يحصل التعظيم الحقيقي الذي يكون به حسن الاتباع لطريقته وسنته عليه الصلاة والسلام. وذكر الحديث الأخير الذي فيه قول النبي صلى الله عليه وسلم للرجل: «أنت مع من أحببت». يعني يوم القيامة، حتى فرح الصحابة بهذا الحديث فرحًا عظيمًا. قال أنس: فأنا أحب الله ورسوله وأبا بكر وعمر، فأرجو أن أكون مع من أحببت يوم القيامة. ومما ينبه عليه الحديث الآخر الصحيح عنه عليه الصلاة والسلام كذلك، حين قال الرجل لما قال له: «ماذا حين قال له النبي صلى الله عليه وسلم: هل لك من حاجة؟ قال: نعم يا رسول الله، أدعو الله أن يجعلني رفيقك أو مرافقك في الجنة». قال: وغير ذلك. قال: «بل ذاك يا رسول الله». قال: «فأعني على ذلك بكثرة السجود». فأعني على ذلك بكثرة السجود. فكذلك يا من أحببت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأعن نفسك على رفقته بطاعته وملازمة سنته. فالمرء مع من أحب يوم القيامة. ولكن هذا يدلك على شيء، وهو أن حقيقة الحب لا يكون باللسان، وإنما بما يكون من تصديق الجوارح. فكما قال القائل فيما تقدم معنا: «ترج النجاة ولم تسلك مسالكها، إن السفينة لا تجري على اليبس». وكذلك: «تعصي الإله وتدعو حبه، إن المحب لمن يحب مطيع أو يطيع». فكذلك إذا كنت تحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأنت تطيعه وتلازم سنته. وبذلك يتحقق ويصدق أنك محب له. فإذا المحب الحقيقي الذي يكون مع من أحب يوم القيامة هو ليس الذي يعصيه، وليس الذي يخالفه ويخرج عن سنته. فهؤلاء مثلًا المتصوفة ومن سلك مسلكهم، الذين يجمعون أنهم يحبون النبي عليه الصلاة والسلام، ثم هم يفعلون البدع والمخالفات والشركيات وغير ذلك، ويجمعون أنهم يحبونه، لا يمتثلون أمره، ولا يتابعون سنته، ولا يقفون عند نهيه، وهم يزعمون أنهم يحبونه. فيكون ذلك من الكذب، ومن علامات حرمانهم من رفقته عليه الصلاة والسلام. قال: الخامس عشر من شعب الإيمان: الإيمان بوجوب تعظيم النبي صلى الله عليه وسلم وتبجيله وتوقيره، لقوله تعالى: ﴿تعزروه وتوقروه﴾، وقوله تعالى: ﴿فالذين آمنوا به وعزروه ونصروه﴾. والتعزير ها هنا: التعظيم بلا خلاف. والمراد بالتعظيم كما تقدم: التعظيم الشرعي الذي ليس فيه الغلو، وليس فيه الخروج عن ما أذن به الشرع. ولما قال بعض الصحابة: يا سيدنا ويابن سيدنا، قال عليه الصلاة والسلام: «لا يستهوينكم الشيطان، قولوا بقولكم». ولا يستهوينكم الشيطان يعني: قولوا: يا رسول الله، يا نبي الله. ولا يجركم الشيطان إلى الغلو، مع أنه سيد ولد آدم ولا فخر عليه الصلاة والسلام. ولهذا قال العلماء: أن لفظ السيد يطلق عليه عليه الصلاة والسلام في الإخبار، لا في النداء، ولا كذلك في العبادة. فالعبادة نتقيد فيها بما أذن وما شرع، ما أذن وما شرع. وهو عليه الصلاة والسلام لم يرضى أن ينادى بالسيد. فلما قيل له: يا سيدنا ويابن سيدنا، قال ما قال عليه الصلاة والسلام زاجرا لهم. فالمقصود بالتعظيم: أي التعظيم الشرعي الذي أمر الله عز وجل به. قال: وقوله تعالى: ﴿لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضًا﴾. وهذا من التعظيم الشرعي، يعني: لا تقول: يا محمد، كما تقول الأعراب، ولا يا أبا القاسم، ولكن قولوا: يا رسول الله، يا نبي الله. قال: أي: لا تقول له: يا محمد، يا أبا القاسم، بل يا رسول الله، يا نبي الله. ولقوله تعالى: ﴿لا تقدموا بين يدي الله ورسوله﴾. وهذا من تعظيمه ومن توقيره وتعزيره، فأن يكون التأدب معه عليه الصلاة والسلام كما قال ابن عباس، وروي معنا عن طاووس وجماعة: لا تفتاتوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى يقضي الله على لسان رسوله ما يشاء. أي: لا تقولوا شيئًا حتى يأتي الوحي من الله، فيكون على لسان رسوله ما فيه الخير لكم. لا تسابقوه في الأحكام، ولا تتطاول عليه بالكلام، ولا كذلك ترفع أصواتكم فوق صوته. قال: وقوله تعالى: ﴿لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي﴾ الآيات. يعني: هذا كذلك من معاني التعظيم، من معاني التعظيم. ولذلك نص العلماء: أن تعظيمه حيا وميتا يكون بالأدب معه، حتى في مسجده عليه الصلاة والسلام، عند قبره. لا ترفع صوتك عنده عليه الصلاة والسلام. فما يفعله الجهال حين ينادون النبي عليه الصلاة والسلام عند قبره، مع ما فيه من سوء الأدب معه عليه الصلاة والسلام، كذلك فيه ما ينافي ما أمر به المسلم مع زيارته لنبي عليه الصلاة والسلام. وأما كونه عليه الصلاة والسلام حيا في قبره، فحياته حياة برزخية. وكون الملك يبلغه السلام، تبليغه إياه بواسطة الملك، لا بالكلام المباشر، لأن الميت لا يسمع الحي. وما أنت بمسمع من في القبور. وحياة من هو حي في قبره حياة برزخية، حياة برزخية. ولهذا فسر العلماء: أن وصول وبلوغ السلام عليه الصلاة والسلام يكون بالملك، كما قال من قال من السلف: «ما من بعد وقرب إلا سواء»، أي: في الصلاة والسلام عليه الصلاة والسلام. قال: وبيه أنبأ البيهقي قال: وهذه منزلة فوق منزلة المحبة، إذ ليس كل محب معظما. أو نعم، كمحبة الأب لولده، والسيد لعبده، من غير تعظيم، بخلاف العكس. ومعنى أن هذه المنزلة: منزلة التعظيم والتبجيل والتوقير، هي فوق المحبة. فالمحبة شيء، والتعظيم والتبجيل شيء آخر زائد عن ذلك. ومثل بهذا المثال: قال: ليس كل محب معظم، يعني: ليس كل من يحب هو يعظم، كمحبة الأب لولده. الأب يحب الولد، لكن هل يعظم الولد؟ الجواب: لا. لكن العكس صحيح: الولد يحب الأب، وعنده شيء من التعظيم لهذا الأب. وإذا زاد عن حده كان منهيا عنه، وإذا نقص كذلك كان منهيا عنه. فمن بر الإبن بأبيه: أن يحبه مع تبجيله وتوقيره بحدود الشرع، بحدود الشرع. كذلك هذه الأبوة. فالنبي صلى الله عليه وسلم في حق هذه الأمة كالأب، كما قال عليه الصلاة والسلام بالحديث الصحيح: «إنما أنا لكم كالوالد». إنما أنا لكم كالوالد. فهو لنا كالأب عليه الصلاة والسلام، بل هو أعظم من آبائنا الذين ولدونا. فلذلك نحن نحبه عليه الصلاة والسلام ونعظمه ونبجله ونوقره. فيكون في هذا شيء زائد عن أصل المحبة. ويريد بهذا أن يشير إلى أن هذه شعبة غير الشعبة الأولى التي قبلها. وبعض أهل العلم أدخلها فيها. والله تعالى أعلم. وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وآله وصحبه، وسلم.